توفي أحمد عرابي (17 رمضان 1329هـ)، وكان جديرا ألا تمر ذكرى وفاته الرمضانية دون وقفة، وقد استعرضنا في المقال الماضي خمسة من عشرة دروس رأينا أنها الأهم في قصة الثورة العرابية، وبقي هنا أن نلقي النظر على خمسة أخرى لا نزال بحاجة إلى أن نستوعبها ونهضمها كي نجيد التصرف في مسار ثورتنا الحالية.

(6)

جيل الثورة وجيل الذل

في زمن الثورة يأتي الناس بالعجائب، وفي زمن الذل كذلك! وإن الرجل نفسه يكون في غاية البسالة والبطولة والبذل والتضحية في وقت الثورة ثم إذا نزلت الهزيمة وفشا الإحباط يكون على النقيض من هذا، وإن استيعاب هذا الدرس يجعلنا نفهم قيمة الزمن في اقتناص الفرصة واستثمار الثورة ويجعلنا نخشى أكثر ما نخشى من طول الوقت والحلول المؤجلة والتخطيط البعيد المدى، فالزمن قيمة لا تُعوَّض.

وقد جرت هذه السنة على الثورة العرابية، من أول السلطان عبد الحميد الثاني الذي انتعشت كل آماله فدعم الثورة بشكل سري وكانت بينه وبين عرابي مراسلات تحرض على التخلص من حكم أسرة محمد علي كلها، ورفض أي تدخل عسكري ضد عرابي. فلما أن صارت هزيمة الثورة محققة أصدر عبد الحميد منشورا يعتبر عرابي عاصيا وينفض يده منه، وكان لهذا أسوأ الأثر على وضع عرابي الذي صار محتاجا لأن ينفي عن نفسه تهمة العصيان والخروج على الخلافة!

ثم جرى هذا على عرابي نفسه، الرجل الزعيم الذي قاد أحلام الجماهير وصار معقد رجائهم، لما هُزِم وقُضِي عليه ونُفِي عشرين سنة، عاد بعدها شيخا هرما محطما، وأصدر تصريحات سيئة تتحدث عن صداقة الإنجليز وأيد فيها سياستهم ووجودهم بمصر!

وجرى هذا على سائر رجال الثورة فكان أحسنهم حالا من إذا عاد إلى مصر بعد المنفى ظل في بيته ولم يتكلم بالسياسة كمحمود سامي البارودي (رئيس حكومة الثورة قديما، ورب السيف والقلم)، وقد جرى في المنفى نزاعات بين رجال الثورة تبادلوا فيها إلقاء مسؤولية الفشل على بعضهم وتنافروا من بعد ما كانوا على قلب رجل واحد!

وظل خطيب الثورة وزعيمها السياسي عبد الله النديم مطاردا تسع سنوات، متخفيا شريدا، وكان منتهى أمله أن يظل هكذا بعيدا عن يد الإنجليز، من بعد ما كان –في زمن الثورة- يخطط لإسقاط نظام وإنشاء نظام!!

إن الهزيمة تقتل النفوس وتهدم الأبطال! وإن الاستسلام والتراجع بدعوى حقن الدماء إنما يُثمر خسرانا على مستوى القيم والمبادئ والتاريخ ومكانة الرجال، وأسوأ منه أنه يؤسس لجيل يتعايش مع الذل والظلم أو مع الاحتلال، فلا يكون ثمة أمل في ثورة إلا بعد جيل آخر على الأقل.

(7)

مأساة احتكار الجيوش للسلاح

لقد حاولت فرنسا احتلال مصر (1798م) فوجدت مقاومة عنيفة لثلاث سنوات، ثم حاولت بريطانيا (1807م) فردَّها الأهالي بلا أي دعم من الدولة. وكان من أعظم جرائم محمد علي أنه نزع السلاح من الجماهير وجعل القوة المسلحة حكرا على الجيش النظامي.. ومنذ تلك اللحظة والجيش المصري لم يحقق نصرا قط، وأسوأ من ذلك أن هزيمة هذا الجيش الرسمي كانت تساوي سقوط البلد في قبضة الاحتلال، وكان الحال من قبل هذا أن سقوط الجيش النظامي يعني بدء المقاومة الشعبية.

بمجرد ما سقط جيش عرابي سقطت مصر في قبضة الاحتلال، ولم يجد الاحتلال مقاومة إلا في الأقاليم التي لم تكن تشبعت بعد بـ "تحديثات" محمد علي، أما المدن الكبرى فلم يجد الإنجليز فيها مقاومة، بل واستسلم عرابي نفسه ولم يخطر بباله أن يقود مقاومة شعبية، ولعله –لطبيعته العسكرية- لم يتصور إمكان القيام بمقاومة شعبية.

إن احتكار الجيوش النظامية للسلاح مأساة وكارثة على البلاد من وجهين؛ الأول: أن الشعوب تكون في حكم الأسير لا تستطيع فعل شيء ضد الاستبداد إلا إن كان لها ذراع في الجيش أو انحاز الجيش لها، فإن لم يكن لها ذراع فيه وكان الجيش تابعا للمستبد أو المحتل فلا أمل في التغيير إلا بثمن ضخم وفادح. والوجه الثاني: أن الجيوش حين تنهزم أمام العدو يتسلم العدو البلد بلا مقاومة، وقد تكون هذه الجيوش ذراعا للعدو نفسه وحامية لمصالحه وجزءا عضويا منه. وكلا الوجهين تعاني منه شعوبنا اليوم في مصر وسوريا واليمن وليبيا وتدفع ثمن تصحيحه من دماء أبنائها بالآلاف والملايين.

ولهذا فإن من أبرز أخطاء الثورة العرابية أنها لم تسلح الجماهير، وكانت قادرة على ذلك لو أرادت، وهو خطأ ينبغي أن تستوعبه الثورات جيدا، إذ لا نصير للثورة إلا الشعب، وخلوّ الشعب من القوة يعني أن الثورة صارت ضعيفة يتيمة مرهونة بموازنات وحسابات واتفاقات الأقوياء المسلحين.

(8)

القضاء الشامخ والإعلام الحر!

القضاء والإعلام ليسا إلا صورة لنفوذ القوى الغالبة، وأي هوامش عدالة أو حرية يتمتع بها القضاء أو الإعلام إنما تكون في ظل سلطة عادلة أو في ظل سلطة مستبدة متمكنة ولكنها ذكية، فتترك من الهوامش ما لا يؤثر على وضعها كسلطة، أحيانا كنوع من التنفيس وأحيانا كنوع من إدارة التناقضات والخلافات بين أجنحة قائمة في المجتمع. أما في أوقات المعارك الحقيقية أو الثورات المهددة للنظام أو اهتزاز النظام فلا حرية ولا عدالة، ولا يُقبل من الإعلام أو القضاء إلا أن يكون خادما طيعا ووسيلة من وسائل النظام.

لقد حاول الخديوي والإنجليز احتواء الثورة فجاءوا برجل قانون معروف بوطنيته هو محمد شريف باشا، ورجال القانون بطبيعتهم إصلاحيون وهم لذلك متناقضون مع المرحلة الثورية، ذلك أنهم يتفانون في إصلاح النظام ولا يفكرون في إسقاطه، وهكذا أنجز شريف باشا بعض الإجراءات التي قصد منها إنهاء الثورة، فمنها ما كان إصلاحا حقيقيا طالبت به الثورة ومنها ما كان إجراءات لقتل الثورة مثل نقل عرابي إلى الشرقية وزميله عبد العال حلمي إلى دمياط ثم أصدر قانون المطبوعات ليتخلص من الصحف التي تمثل صوت الثورة المضاد للأجانب (فهو في النهاية حريص على ودّ الأجانب وحفظ مصالحهم).

وبعد فشل الثورة العرابية حوكم زعماء الثورة أمام "محكمة عسكرية مصرية" لا إنجليزية، وبتهمة "عصيان أمر الخديو" لا بتهمة مقاومة الإنجليز ولا بتهمة التسبب في "مذبحة" الإسكندرية التي كانت ذريعة التدخل الأجنبي أساسا! واستغرقت المحكمة حوالي ربع الساعة: تُلِي الاتهام على عرابي وأقر به ثم رفعت للمداولة وأعيدت لتلاوة الحكم بالإعدام وتخفيفه!

ومنذ قُبِض على عرابي والصحف الصادرة مبتهجة بالخبر، وصدرت الأهرام تبشر قراءها بالقبض على العاصي عرابي وصحبه البغاة الذين نشروا الفتنة في البلاد، وصار كل ذي صوت إعلامي ينافق ويشمت حتى لقد صدرت جريدة الوطن تعترض على تخفيف حكم الإعدام عن عرابي، وبلغت في اعتراضها حدًّا أغضب الإنجليز أنفسهم فاعتذرت وقالت: "قد رأينا أن ندفع ما علق بأوهام البعض من أننا نددنا على انجلترا في مصر والحال أننا لم نأتِ شيئًا إدّا ولم نخرج عن الحد أبدًا ولم نستعمل حدة ولا شدة في كلامنا على نتيجة محاكمة البغاة بل إن جريدة الوطن دون غيرها طالما دافعت عن سياسة إنجلترا ونشرت مآثر أهلها ومكارم أخلاقهم. ولما اشتد كرب تلك الفئة الباغية كنا نتمنى لو أتت دولة البرابرة لتنقذنا من مخالبها فما بالك بدولة بريطانيا المتمدنة المشهورة بحسن السياسة ومزيد الكياسة ودهاء الرجال وسداد الأعمال فهل يظن أن يقابل معروفها بالغمط والكفران"!!

وإن ما جرى علينا في الثورة المصرية لدرس بليغ بليغ في شأن الإعلام والقضاء!! درس لا ينساه إلا من اختار الضلالة على الهدى.

(9)

سطوة الثقافة الغالبة

هُزِمت الثورة العرابية، التي كانت ثورة على الاستبداد الخديوي والنفوذ الأجنبي المهيمن على البلد، ونزل الجيش الإنجليزي بنفسه لكي يحمي إمبراطورية الأجانب ومصالحهم في مصر، فما إن تم ذلك حتى انقلب شأن التاريخ!

لقد اعْتُبِر عرابي هو السبب في الاحتلال الإنجليزي، وأنه لو كان أكثر مرونة لما وصلت البلاد إلى الاحتلال، بل تمنى الرافعي (والرافعي ممن أنصف عرابي إلى حد كبير، ولكن غَلَبَه طبعه القانوني وتوجهه القومي في التحليل والتأريخ) أن لو استجاب عرابي لمطلب الإنجليز والفرنسيين بمغادرة مصر. وظل عرابي منذ هزيمته ملوثا مذموما تنشأ الأجيال على أنه السبب في الاحتلال لا على أنه محاولة تحرر مجيدة!!

ومن المؤسف أن ممن ساهموا في تلويث عرابي وحركته أناس لا يُتَهَمون في إخلاص ولا وطنية ولا حمية على الدين والناس، ولكن عصر الهزيمة هو البيئة التي تنبت فيها بذور الأفكار الضالة، ومن أولئك الشيخ محمد عبده الذي اعتنق فكرة التربية والتعليم قبل أي شيء، وسار في فكرته هذه حتى كان صديقا لكرومر وهجَر أستاذه الأفغاني ولم يكتب حتى رثاء فيه! ثم لم يحقق شيئا ومات والاحتلال ممكن مستقر. ومنهم مصطفى كامل ومنهم محمد فريد الذي كان يسميها "الثورة المشئومة". وظل عرابي مشتوما ملوثا طوال عصر أسرة محمد علي حتى إن كتاب عبد الرحمن الرافعي عنه صودر، ولم يُنشر إلا بعد انقلاب يوليو 1952 حين احتاج العسكر إلى كل ما يطعن في أسرة محمد علي فرُفِع الإصر عن سيرة عرابي وثورته.

وعليه، فيجب أن نعلم أن انتصار الانقلاب العسكري هو انتصار لكل القيم المنحطة والوضيعة، وهو تلويث لكل الشخصيات الشريفة والقِيَم النبيلة.

(10)

نقص الإنسان وتدبير الله

ليس ثمة نظام كامل لا ثغرة فيه، لم يبلغ البشر بعد شأن الكمال، بل إن الإسلام –وهو المنهج الكامل- يعتري النقصُ تطبيقه لأن القائم على التطبيق بشر، ومن هنا نفهم أن العدو بشر وأنه مهما حرص على السيطرة علينا وصمم أنظمته ومؤسساته على قهرنا فإنه يخطئ وإن نظامه ناقص، ولا يخلو من ثغرات يجب أن تستفيد منها الثورة والمقاومة، بل إن كل نظام يحمل داخله بذور فنائه!

برغم توصية محمد علي لأولاده ألا يترقى المصريون في سلك الجندية وإلا ستكون نهاية أسرتهم إلا أن حفيده سعيدا فعلها فخرج من الجيش زعماء ثورة كادت تنهي حكم أسرتهم فعلا. وقد أنشأ إسماعيل البرلمان ليكون سندا له أمام القوى الأوروبية فصار بعدئذ مطلبا ثوريا يقيد حركته وحركة ابنه توفيق ويفتح الطريق لرقابة الشعب على السلطة. وقد أضعف الإنجليز الأزهر ليقضوا على جذور المقاومة فانبثقت مقاومتهم من فئة الأفندية لا الأزاهرة (لم يكن حسن البنا ولا معظم جماعة الإخوان أزاهرة)... وهكذا! وما من نظام يغلق طريقا ويفتح طريقا حتى يكون الطريق الذي فتحه باب شر عليه، فالديمقراطية التي ينشرها الغرب تأتي له بالإسلاميين.

ومثلما ينبغي على الثورة والمقاومة أن تفكر خارج إطار النظام والمنظومة وبطريقة ثورية تتجاوز السقوف المفروضة عليها، مثلما ينبغي عليها أن تستفيد من كل خلل وتنفذ من كل نقص وتستثمر كل فرصة في الأنظمة القائمة، وهكذا فعلت كل ثورة ناجحة فلم توجد حركة انفلتت من واقعها من كل وجه وبدأت من الصفر تماما ثم نجحت.