أم الألعاب الرياضيّة

ألعاب القوى، أو (Athletics) بحسب الاسم العالمي المشتق من كلمة (Athlos) اليونانيّة وتعني (التسابق)، هي مجموعة ألعابٍ رياضيةٍ متفرّعةٍ عن 3 أصولٍ رئيسيّةٍ هي: (الجري، القفز، والرماية)، وهي قديمةٌ قدم التاريخ البشري، فغريزة البقاء لدى إنسان العصور الحجريّة فرضت عليه إتقان الجري والقفز والرماية، سواءً للحفاظ على وجوده من خلال الهرب من أعدائه، أو لتأمين قوته وقوت عياله من خلال الصيد، الذي كان مصدر غذائه الوحيد.

ومع تطوّر المجتمعات البشريّة، أصبح لهذه الرياضات البسيطة قواعد ومنافسات، فكان الفراعنة أوّل من نظّم لها المسابقات وكرّم المتفوّقين، كما يظهر في نقوش مقابرهم التي تعود إلى 2250 عاماً قبل الميلاد، وحذا الأوروبّيون حذوهم فكان لأبناء جزيرة إيرلندا مسابقاتٌ مشهودةٌ في الجري ورمي الحجارة قبل ما يربو عن ال1800 عامٍ ق.م، وقلّدتهم في ذلك شعوبٌ كثيرةٌ، ولكن الإغريق كعادتهم تبنّوا الأمر، فطوّروا نوعيّة المسابقات ووضعوا لها الأسس والقوانين الناظمة، ومارسوها بشكلٍ ممنهجٍ منذ عام 1450 ق.م، قبل أن يجعلوا منها حجر الأساس والمنطلق في أوّل دورة ألعابٍ أولمبيّةٍ قديمةٍ عام 776 ق.م، ولهذا سُميّت ألعاب القوى بأمّ الألعاب الرياضيّة.

استمرّت ألعاب القوى ضلعًا رئيسيًّا في جميع الدورات الأولمبيّة التالية، والتي كانت تقام تزامنًا مع الأعياد الدينيّة الإغريقيّة، التي تعبّر عنها بعض السباقات ذات الصبغة الروحيّة، كسباق حمل المشاعل المضيئة، وسباق الجري حول جبل (كرونس) المقدّس، الذي شكّل بحدوده الطبيعيّة الدائريّة أوّل مضمارٍ متكاملٍ لسباقات الجري، التي كانوا يقيسون المسافات فيها باستعمال أقدامهم العارية، وكان كبار الأبطال يُكرَّمون بتشييد تماثيل تخلّد ذكرهم، ما لبثت بمرور الزّمن أن تحوّلت إلى أصنام للعبادة، فما كان من القيصر الروماني (سيوديسيوس) إلا أن أصدر قرارًا يقضي بإيقاف الألعاب الأولمبيّة اعتبارًا من عام 393 م، وذلك بداعي ارتباطها بعاداتٍ وثنيّةٍ تتنافى مع تعاليم الديّن المسيحي، الذي كانت امبراطوريّته تدين به، فضلًا عن كونها وسيلةً للتدريب العسكريّ الباعث للحروب.

تواريخٌ مرتبطةٌ بتطوّر أم الألعاب

جانب من حفل افتتاح بطولة العالم الأخيرة ببكين

  • في أواسط القرن ال17، عادت مسابقات ألعاب القوى للظهور بعد ركودٍ طويل، حيث تمّ إحياؤها على يد مجموعةٍ من النبلاء والفرسان الإنكليز، الذين مارسوها بجانب رياضة الفروسيّة.
  • عام 1840، أصبحت مسابقات ألعاب القوى تنظّم من قبل المدرسة الملكيّة البريطانيّة، وبعدها ب10 أعوامٍ أصبحت تنظّم من قبل معاهد وجامعاتٍ كبرى في بريطانيا كأوكسفورد وكامبريدج.
  • عام 1860، استضافت لندن أوّل ملتقىً أوروبيّ خاصٍّ بألعاب القوى، وعام 1876، أقيمت في نيويورك أوّل بطولة ألعاب قوى خارج القارة العجوز.
  • عام 1880، تمّ تأسيس (منظّمة ألعاب القوى للهواة) في لندن، قبل أن يتمّ تأسيس الاتحادات المحليّة لألعاب القوى في كلّ من إنكلترا وفرنسا أواخر القرن ال19.
  • عام 1896، استضافت أثينا فعاليّات دورة الألعاب الأولمبيّة الصيفيّة الأولى بشكلها الحديث، بحضور فاعلٍ لمنافسات ألعاب القوى، تمثّل بسباقات الجري والقفز والرماية، إضافةً للعبة شدّ الحبل، التي أُلغيت من المنهاج الأولمبي عام 1920.
  • عام 1912، اجتمع في ستوكهولم ممثّلون عن 17 اتحادًا محليًّا لألعاب القوى، وقرّروا تأسيس (اتّحاد ألعاب القوى للهواة) برئاسة السّويدي سيغفريد أدستروم، ليصبح الجهة المسؤولة عن تنظيم مسابقات ألعاب القوى في جميع أنحاء العالم، وقد نُقل مقرّه إلى موناكو عام 1983، وتغيّر اسمه ليصبح (الاتحاد الدّولي لألعاب القوى) اعتبارًا من عام 2001.
  • عام 1928، دخلت منافسات ألعاب القوى للنساء، ضمن منهاج الألعاب الأولمبيّة الصيفيّة لأوّل مرّة.
  • عام 1983، استضافت العاصمة الفنلنديّة هلسنكي، فعّاليّات بطولة العالم الأولى بألعاب القوى، بمشاركة 1333 رياضيًّا من 153 دولةً، وبعدها ب4 أعوام أقيمت البطولة الثانية في روما، وأصبحت البطولة تقام كلّ عامين منذ عام 1991 وحتى يومنا هذا.

المسابقات المعتمدة ضمن ألعاب القوى

أبرز منافسات ألعاب القوى في أولمبياد لندن الأخير

تقسم منافسات ألعاب القوى الحاليّة إلى 7 أقسامٍ، تتفرّع عنها 24 مسابقةً للرجال و23 للنساء، حيث يقتصر سباق المشي الطّويل على الرجال فقط، أمّا بقيّة المسابقات فهي ذاتها تقريبًا لدى الرجال والنساء:

  • سباقات الجري حول المضمار: وتتضمّن: سباقات المسافات القصيرة (100، 200، و400 م)، والمتوسّطة (800 و1500 م)، والطّويلة (5 آلاف و10 آلاف متر)، وكلها تقام داخل الملعب.
  • سباقات الطريق: وتتضمّن: سباق الماراتون (جري لمسافة 42,195 كم)، سباق المشي (20 كم)، وسباق المشي الطّويل للرجال (50 كم)، وجميع هذه السباقات تقام في الطّرق العامّة وتنتهي في الملعب.
  • سباقات الجري مع الحواجز: وتتضمّن: سباق (110 م حواجز للرجال- 100 م للسيّدات)، سباق (400 م حواجز)، وسباق (3000 م موانع)، وتختلف الموانع عن الحواجز بكونها أعلى وتتضمّن حاجزًا مائيًا.
  • سباقات التتابع: وتتضمّن سباقي: (4x100 م) و(4x400 م)، وهي مسابقة خاصّة بالمنتخبات الوطنيّة، حيث يضم كلّ منتخب 4 عدّائين، يقوم كلّ منهم بتسليم العصا للمتسابق الذي يليه، بعد أن يقطع ربع مسافة السّباق المعتمد.
  • مسابقات القفز (الوثب): وتتضمّن: القفز العالي (فوق عارضة أفقيّة)، القفز بالزّانة (فوق عارضة أفقيّة باستعمال العصا)، القفز الطّويل (إلى الأمام)، والقفز الثلاثي ( إلى الأمام عبر 3 وثباتٍ مستقيمة).
  • مسابقات الرماية: وتتضمّن: رمي الرمح (طوله حوالي 4 أمتار)، رمي القرص (وزنه 2 كغ للرجال و1 كغ للنساء)، رمي الجلة الحديدية (وزنها 7,26 كغ للرجال و4 كغ للنساء)، ورمي المطرقة (تشبه الجلّة مع وجود سلك معدني تُرمى بواسطته).
  • المسابقات المركّبة: وهي مجموعةٌ مختارةٌ من مسابقات القوى تقام على مدى يومين، يبلغ عددها 10 لدى الرجال وتسمّى: العشاري (ديكاثلون)، و7 لدى السيّدات وتسمّى: السباعي (هيبتاثلون).

أرقامٌ وأسماءٌ من منافسات ألعاب القوى الأولمبيّة والعالميّة

 العدّاء الجامايكي أوسين بولت أسرع رجلٍ في العالم

  • على صعيد منافسات ألعاب القوى الأولمبيّة: تحمل الولايات المتّحدة الرقم القياسي في عدد مرّات تتويج أبطالها في جميع الدّورات، برصيد 320 ميداليّةً ذهبيّة و767 ميداليةً في المجموع، تليها الاتحاد السوفييتي برصيد 64 ذهبيّةً و193 ميداليّةً في المجموع، ثمّ بريطانيا ب53 ذهبيّةً و194 ميداليةً في المجموع.
  • في أولمبياد لندن الأخير عام 2012: تصدّرت الولايات المتّحدة ترتيب ميداليات ألعاب القوى، برصيد 9 ذهبيّاتٍ و29 ميداليةً في المجموع، تلتها روسيا برصيد 8 ذهبيّاتٍ و17 ميداليةً في المجموع، ثم جامايكا ب4 ذهبيّاتٍ و12 ميداليةً في المجموع.
  • على صعيد بطولات العالم بألعاب القوى: تنفرد الولايات المتّحدة بصدارة الدّول الأكثر تتويجًا في جميع الدّورات، برصيد 143 ذهبيةً و323 ميداليةً في المجموع، وتأتي من بعدها روسيا ب55 ذهبيةً و172 ميداليةً في المجموع، وتحتلّ كينيا المركز الثالث برصيد 50 ذهبيّةً و128 ميداليةً في المجموع.
  • في بطولة العالم الأخيرة في بكين 2015: حققت كينيا أفضل النتائج بفوز رياضييها ب7 ذهبيّاتٍ و16 ميداليةً في المجموع، متفوّقةً على جامايكا التي حقق رياضيوها 7 ذهبيّاتٍ و12 ميداليةً في المجموع، فيما احتلت الولايات المتّحدة المركز الثالث برصيد 6 ذهبيّاتٍ و18 ميداليةً في المجموع.
  • يحتفظ تاريخ الألعاب الأولمبيّة بأسماء أساطير تألّقوا في ميادين أم الألعاب، أبرزهم العدّاء الفنلندي بافو نورمي الذي حصل على 9 ذهبيّات أولمبيّة خلال عشرينيات القرن الماضي، والعدّاء الأمريكي كارل لويس الذي حصد نفس عدد ذهبيّات الفنلندي خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، والأمريكي راي أوري صاحب 8 ذهبيّات أولمبيّة أحرزها في العقد الأوّل القرن العشرين، أمّا آخر الأساطير الحيّة فهو العدّاء الجامايكي أوسين بولت، الذي أحرز 6 ذهبيّاتٍ أولمبيّةٍ في الدورتين الأخيرتين.
  • وعلى صعيد بطولات العالم، يبرز مجدّدًا اسم الأسطورة أوسين بولت أسرع رجلٍ في العالم، والذي أحرز 11 ميداليةً ذهبيّة، منها 3 في بطولة العالم الأخيرة ببكين، وتبرز كذلك أسماء الثلاثي الأمريكي: لاشون ميريت، كارل لويس، ومايكل جونسون، حيث أحرز كلّ منهم 8 ذهبيّاتٍ عالميّة، أمّا على صعيد السيّدات، فيبرز اسم العدّاءة الأمريكيّة أليسون فيليكس التي أحرزت 9 ذهبيّاتٍ عالميّة، والجامايكيّة شيلي آن فرازر برايس صاحبة 7 ذهبيّاتٍ عالميّة.

ألعاب القوى العربيّة

العدّاء المغربي هشام القروج أبرز الأبطال العرب

تحظى ألعاب القوى العربيّة بمكانةٍ مرموقةٍ على المستوى العالمي، وخاصةً فيما يخصّ سباقات العدو المتوسطة والطويلة، ويكفي أن نعرف أن أكبر عددٍ من الميداليات الذهبيّة التي حصدها العرب في تاريخ مشاركاتهم الأولمبيّة كانت في هذا المجال، بدءًا بالتونسي محمّد القمودي في أولمبياد مكسيكو 1968، ومن بعده المغربي سعيد عويطة ومواطنته نوال المتوكّل في لوس أنجلوس 1984، ثم المغربي ابراهيم بو الطّيب في سيؤول 1988، ومن بعده مواطنه خالد سكّاح والجزائريّة حسيبة بولمرقة في برشلونة 1992، ثمّ الجزائري نور الدّين مرسلي ومعه السوريّة غادة شعاع في أتلانتا 1996، ومن بعدهما الجزائرية نوريّة مرّاح في سيدني 2000، قبل أن يظهر المغربي هشام القروج وينتزع ذهبيّتين في أثينا 2004، ليدخل التاريخ الأولمبيّ من أوسع أبوابه.

وفي أولمبياد لندن 2012، أعاد العدّاء الجزائري توفيق المخلوفي ذكريات التألّق العربي، بفوزه بالذهبيّة التي حملت الرقم 12 في تاريخ المشاركات العربيّة الأولمبيّة في ميادين ألعاب القوى.

ولا يختلف الوضع كثيرًا في بطولات العالم، فأبطالنا العرب لمعوا وتألّقوا وحققوا 25 ذهبيةً عالميّة، 4 منها عبر الأسطورة هشام القروج، و3 أخرى أحرزها شقيقه نور الدّين مرسلي، وضعتهما في خانة أفضل عدّائي المسافات المتوسّطة والطّويلة عبر التاريخ.

وفي النسخ ال3 الأخيرة من بطولة العالم، غاب التوفيق عن أبطالنا العرب فابتعدوا عن التتويج بالذّهب، واكتفوا بإحراز الفضّيّات والبرونزيّات، والتي كان آخرها في بطولة العالم الأخيرة ببكين 2015، حيث اقتصرت الحصيلة العربيّة على فضّيّتي المصري إيهاب السّيّد والتونسيّة حبيبة غريبي، وبرونزيّتي المغربي عبد العاطي إيكيدير والبحرينيّة يونيس كيروا.