"أوبك ماتت"، هكذا قال أحد المسؤولين - من بلد غير خليجي - المحبطين من داخل المنظمة بعد الخروج من اجتماع فيينا الذي عقد يوم الإثنين في الثاني من أيار/ مايو الشهر الجاري لصياغة استراتيجية طويلة المدى للمنظمة.

إلا أن الاجتماع عُقد في جو مليء بالجدال بين دول المنظمة مع السعودية بشأن ما إذا كان ينبغي مواصلة استهداف مستويات سعرية، فالرياض لم تعد تؤمن بإدارة أسعار النفط العالمية من تنظيم المعروض، وهذا برأي من حضروا الاجتماع يعد شهادة وفاة لأحد استراتيجيات منظمة أوبك الرئيسية التي قامت عليها، فالمنظمة التي تضم 12 دولة عضو تأسست في عام 1960 من أجل التحكم في أسعار البترول في السوق العالمي.

المشكلة التي تعاني منها أوبك وتحاول الدول الأعضاء في كل اجتماع التباحث بها وحلها، هي التحكم بأسعار النفط من خلال المعروض النفطي، والرياض ترفض هذا الحل لاعتبارات عديدة، كما أنها لم تعد تلق بالًا لأوبك، فهي تركز على النفط الصخري الأمريكي والرمال النفطية الكندية وروسيا بحسب مصادر في أوبك.

بالإضافة إلى ذلك، فالسعودية بعد رؤية 2030 التي تقتضي إيقاف إدمان ميزانية البلاد على إيرادات النفط، تحاول تعزيز مرونة اقتصادها أكثر بعيدًا عن تذبذبات أسعار النفط العالمية والصدمات القادمة من انخفاض الأسعار، فضلًا عن تقوية موقفها بين الدول المصدرة للنفط، ولكن من غير الوارد - حتى الآن على الأقل - أن تتخلى الرياض عن المنظمة أو تسعى في خرابها بقدر ما تفرض فلسفتها في الإنتاج النفطي.

فالسعودية لا تزال تستحوذ على المنظمة كأكبر أعضاء أوبك نفوذًا لأنها أكبر منتج فيها، وهي متمسكة بموقفها المتمثل بأن التحرك الجماعي لكل المنتجين من داخل وخارج أوبك هو الحل الأمثل لأسواق النفط التي هوت أسعارها منذ منتصف عام 2014 وصلت إلى مستوى 30 دولارًا للبرميل، وباتت تؤمن أكثر أن استهداف مستوى محدد للأسعار بات بلا فائدة، بسبب ضعف الأسواق العالمية - المحرك الأساسي لسعر النفط - وهذا يعكس برأي الرياض تغيرات هيكلية أكثر من كونه اتجاهًا مؤقتًا.

أوبك من جهة أخرى تعاني من انقسام حقيقي حول كيفية إدارة انخفاض أسعار النفط، وهذا الانقسام سبب توترًا بين السعودية وإيران في الماضي والحاضر، إذ يقول محافظ إيران في أوبك حسين كاظم بور أرديبلي "إن هذا بالتحديد هو ما تأسست المنظمة من أجله" وبالتالي فإن "الإدارة الفعالة للإنتاج ينبغي أن تكون أحد أهدافها الطويلة الأمد".

بينما محمد الماضي محافظ السعودية قال إنه يعتقد أن "العالم تغير كثيرًا في السنوات القليلة الماضية لدرجة أن محاولة فعل هذا أصبح أمرًا لا طائل من ورائه، وينبغي لأوبك أن تدرك حقيقة أن السوق شهدت تغيرات هيكلية وهو ما يتضح في أن السوق تصبح تنافسية أكثر من أن تكون احتكارية".

والجدير بالذكر أن انخفاض أسعار النفط العالمية يعد بمثابة كارثة حقيقية لبعض الدول في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، فكلما انخفضت الأسعار كلما تراجعت أرباح 12 دولة عضوة في المنظمة، وهذه الدول مجتمعة تنتج أكثر من ثلث النفط الخام العالمي وتحتفظ على نسب عالية من احتياطي النفط الموجود في العالم.

فبعد تراجع أسعار النفط العالمية بنسبة 70% إلى مستويات 30 دولارًا، سجلت معظم دول أوبك عجوزات مالية في ميزانياتها المالية وتعيش مشاكل حقيقية هيكلية في اقصادياتها أجبرتها على إعادة النظر في تنويع مصادر الدخل واعتماد استراتيجيات جديدة لتمويل إنفاقها المالي.

العرض أكبر من الطلب

تشهد أسواق النفط العالمية تخمة في الأسواق النفطية تقدر بنحو مليوني برميل يوميًا، وقد عقدت جولات مارثونية لمحاولة امتصاص فائض الإنتاج على مستوى دول المنظمة أو بالتعاون مع الدول خارج المنظمة ولكن كلها باءت بالفشل، ويعود سبب هذا الفائض إلى تباطؤ نسب النمو في أنحاء عديدة من دول العالم جعلها تحتاج إلى كميات قليلة من النفط أهمها الصين المحرك الأساسي للنمو في العالم، وثانيًا الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد أكبر مستهلك للطاقة في العالم اعتمدت بعد ارتفاع أسعار النفط على تقنيات جديدة لاستخراج النفط من التكوينات الصخرية العميقة ما عرف بالنفط الصخري أصبح من المجدي استخراجها بعد ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، إذ كان من الصعب استخراجها بسبب ارتفاع تكاليف الاستخراج في ظل أسعار نفط رخيصة، وهذا جعل إنتاجها من البترول يرتفع ويزيد من المعروض في السوق.

فشل اجتماع الدوحة وأسعار النفط تنتعش قليلًا

دخل مصدرو النفط إلى اجتماع الدوحة في 17 أبريل/ نيسان الماضي مع اعتقاد العديد من المحللين أنه سيفشل سلفًا، بسبب عدم اتفاق جميع المنتتجين على تثبيت الإنتاج عند مستويات يناير/ كانون الثاني الماضي، علمًا أن السعودية وفنزويلا وقطر وروسيا وافقت على تجميد الإنتاج - لإنها لم تطلب من المنتج التضحية بخفض الإنتاج - بشرط موافقة كبار المنتجين الآخرين في إشارة إلى إيران التي رفضت وأصرت على عودة إنتاجها لمستوياته السابقة عند 4 مليون برميل يوميًا.

صعدت أسعار النفط في تداولات الأسواق العالمية للطاقة في الأيام الماضية وهي حول 45 دولارًا للبرميل الآن، ويعود سبب ارتفاع النفط إلى قلق المستثمرين من نقص الإمدادات في المدى القصير بعد حريق غابات ضخم بالقرب من منطقة الرمال النفطية في كندا وتصاعد التوتر في ليبيا.