يبدو أن العلاقات "السياسية والاستراتيجية والعسكرية"، بين الدب الروسي وإسرائيل، ستشهد تطورًا إيجابيًا وكبيرًا خلال الفترة المقبلة، لبناء تحالفات جديدة وقوية بين الجانبين، على حساب الإدارة الأمريكية التي تلعب الآن دور المشاهد في المدرجات، ودموع الحسرة تملأ عينيها، بعد مشاهدتها حليفتها وابنتها المدللة "إسرائيل" تذهب لأحضان غيرها.

إسرائيل، التي أدارت ظهرها فعليًا لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما والتي تربطه علاقات متوترة للغاية مع رئيس الحكومة المتطرفة بينيامين نتنياهو، فضلت التوجه نحو حضن الدب الروسي، رغم عدم الأمان الذي يسيطر عليها من الروس، إلا أنها مجبرة على ذلك بـ "لغة المصالح"، بعد تأكدها بأن إدارة إوباما لن تقدم لها شيئًا جديدًا في المنطقة، خاصة مع التهديد المتكرر من قبل أعضاء بالكونجرس الأمريكي، بتقليص المساعدات المالية والعسكرية لدولة الاحتلال.

مراقبون، اعتبروا توجه إسرائيل لروسيا، هو لعب بالنار في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها المنطقة بشكل عام، إلا أن الرابح من تلك العلاقات "الخبيثة" هو الجانب الإسرائيلي الذي أبقى على بعض الشعرات الصغيرة في العلاقات مع الإدارة الأمريكية.

علاقات جديدة

في آخر لقاء جمع نتنياهو ببوتين في العاصمة الروسية موسكو، أكد الرجلان على متانة العلاقات بين الجانين، وقال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي إنه: "بحث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مواصلة الاتصالات بين الجيشين الروسي والإسرائيلي في المنطقة بهدف تجنب وقوع حوادث"، مضيفًا: "أنه ركز خلال الاجتماع على مستقبل العلاقات مع روسيا التي شهدت تطورًا ملحوظًا منذ استئنافها قبل ربع قرن".

ولفت نتنياهو إلى أنه تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات الثنائية في مجالات الضمان الاجتماعي وتسوية القضايا الجمركية والتعاون في قطاع الطاقة.

من جانبه، أكد الرئيس الروسي خلال مؤتمر صحفي مشترك في ختام الاجتماع "استعداد بلاده للمساهمة في إيجاد تسوية عادلة وشاملة للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني"، مضيفًا: "أن الوضع اليوم يتطلب جهودًا مشتركة بما في ذلك في إطار الرباعية الدولية"، وفق ما ذكرت الإذاعة العبرية.

وبيّن أن إسرائيل وروسيا ستتعاونان في مجال مكافحة الإرهاب، قائلاً إن "البلدين حليفتان من هذا المنظور خاصة وأن إسرائيل تعرف هذه الظاهرة وتحاربها"، وفق زعمه.

تعقيبًا على ذلك، يقول الخبير العسكري الإسرائيلي ألون بن دافيد في صحيفة معاريف إن "رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو نجح في إيجاد قناة تواصل جيدة وخاصة مع روسيا، وهو ما جعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمنح إسرائيل معاملة خاصة، بحيث أصبح يستمع إليها ويأخذ بنصائحها".

بن دافيد ذكر أن بلاده وروسيا تعيشان مرحلة تحالف استراتيجي كبير، وأن كلاً منهما باتت تقدر أهمية التعاون مع الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أن بلاده نجحت في تأسيس حوار دائم مع الروس قائم على الاحترام المتبادل.

وذكر أن الجانبين توصلا إلى اتفاقات من شأنها إفساح المجال أمام إسرائيل لتنفيذ عمليات عسكرية بالتنسيق الدائم مع موسكو، مضيفًا: "أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرى في إسرائيل دولة قريبة منه، في ظل وجود أكثر من مليون مهاجر يهودي من روسيا يعيشون اليوم في إسرائيل"، مشيرًا إلى أن الرابح هو إسرائيل.

في إطار تطور العلاقات، كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية النقاب عن تحول جوهري في الاستراتيجية الإسرائيلية الخاصة بالتسليح، الذي يعتمد حتى الآن على شركات السلاح والمساعدات الأمريكية، واتجاه تل أبيب إلى بناء علاقات عسكرية مع موسكو، ربما تكون على حساب علاقاتها مع واشنطن.

المصادر العسكرية لفتت كذلك، إلى أن اللقاء الذي جمع بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في موسكو قبل أيام، شهد اتفاقًا إسرائيليًا روسيًا على تعزيز أوجه التعاون العسكري بين البلدين بصورة غير مسبوقة، مرجحة أن التطورات المقبلة قد تكشف أن تل أبيب لن تؤسس استراتيجياتها العسكرية بناءً على علاقاتها مع واشنطن فحسب.

وشارك في الاجتماع بين بوتين ونتنياهو، كل من رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بالجيش الإسرائيلي اللواء هارتسي عهليفي، ورئيس الموساد يوسي كوهين، وهو ما اعتبر مؤشرًا آخر على تعميق العلاقات بين تل أبيب وموسكو على الصعيد الاستخباراتي.

المناورة العسكرية الأولى

وطبقًا لما أورده موقع التحليلات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلي "ديبكا"، قرر نتنياهو وبوتين إجراء مناورة عسكرية مشتركة، للمرة الأولى في مياه البحر المتوسط، بمشاركة أسلحة البحرية والجو الروسية والإسرائيلية، على أن تكون المناورة هي المرحلة الأولى لبناء العلاقات المشار إليها، وسوف تجري خلال الشهور المقبلة.

تلك هي المرة الأولى في التاريخ العسكري لمنطقة الشرق الأوسط، التي تقوم  فيها مقاتلات روسية بالإقلاع من قواعدها في دولة عربية، أي في سوريا، فضلاً عن قواعدها البحرية في طرطوس واللاذقية، للمشاركة في مناورات عسكرية مع مقاتلات وسفن حربية إسرائيلية ستخرج من قواعدها في حيفا وأشدود.

وطبقًا لخبراء عسكريين، فإنه من أجل إجراء مناورات من هذا النوع، فقد تقرر بداية توسيع آليات التنسيق العسكري بين روسيا وإسرائيل، وهو التنسيق القائم حاليًا بغرض منع حدوث حوادث بين مقاتلات روسية وإسرائيلية داخل المجال الجوي السوري.

يرتبط هذا القرار بقرار آخر اتخذه كل من بوتين ونتنياهو بشأن تمكين شركات الغاز الروسية من المشاركة في مناقصات بشأن تطوير حقلي الغاز الإسرائيليين لفياتان وتامار.

نتنياهو كان قد صرح خلال زيارته إلى موسكو، أن الباب مفتوح أمام جميع الشركات من جميع الدول للمشاركة في تطوير حقول الغاز الطبيعي، موجهًا حديثه في الغالب إلى الشركات الروسية.

كذلك حاول الرئيس الروسي خلال السنوات الأخيرة أكثر من مرة جلب الشركات الروسية للاستثمار في حقول الغاز الإسرائيلية، ولا سيما عملاق الغاز "غازبروم"، وحاول ممارسة ضغوط على نتنياهو لحثه على قبول خطوة من هذا النوع، بحيث لا تلعب إسرائيل دورًا في هذا المجال من شأنه أن يخفف التبعية الأوروبية للغاز الروسي.

الخبراء يعتبرون، أن التعاون العسكري بين روسيا وإسرائيل سوف يخلق أساسًا لتعاون إقليمي واسع، على الصعيد الاقتصادي والدفاع عن ثروات الغاز ومصادر الطاقة بالبحر المتوسط، طالما أن شركة "غازبروم" ستكون شريكًا في تطوير الحقول الإسرائيلية.

وأكدوا، أن تلك هي المرة الأولى التي تجري فيها إسرائيل وروسيا مناورات عسكرية مشتركة، لذا ينبغي أن يسبقها ترتيبات واسعة وتحديد آليات تنفيذ المناورات والمهام وتقسيم الأدوار بين الجانبين، ومسارات الحركة الجوية والبحرية، وأي هدف ينبغي أن تشمله المناورات، فضلاً عن تنسيق وسائل الاتصال وتقاسم المعلومات.

تكسير عظام واشنطن

المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي ناصر شعيب مصلح، أكد أن إسرائيل فعليًا بدأت بخطوات الاقتراب من الدب الروسي، على حساب الاستغناء عن الحليف الأبدي والاستراتيجي لها وهو الإدارة الأمريكية.

ويضيف شعيب في تصريحات خاصة لنون بوست في غزة: "إسرائيل تعلم تمامًا أن الإدارة الأمريكية الآن في موقف ضعيف تجاه المتغيرات الكبيرة التي تحدث في المنطقة، وأنها ستكون عاجزة عن تقديم أي مساعدة لها في ظل تحالفاتها المتوترة في المنطقة.

وعلاوة على ذلك، يوضح الخبير في الشأن الإسرائيلي، أن حكومة الاحتلال تبحث دائمًا عن الطرف والجانب القوي، ورأت ذلك في روسيا، وحديث الاحتلال المتكرر عن تدعيم العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لم يأت وليد اللحظة أو الصدفة، بل جاء بناءً على علاقات ولقاءات ترجمت على الأرض فعليًا بخطوات إيجابية.

واعتبر مصلح، المناورات العسكرية الروسية - الإسرائيلية، ستكون الخطوة الأولى نحو فتح صفحة علاقات جديدة ومتينة بين الجانين، وسيكون لروسيا دور كبير في منطقة الشرق الأوسط، على حساب الإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن لعبة "تكسير العظام مع واشنطن قد بدأت بالفعل".

وهنا يمكن القول، أن إسرائيل ما زالت تعتبر روسيا لاعبًا مهمًا في الشرق الأوسط، ففي نهاية المطاف لا يرغب أي من الطرفين بإحداث أزمة ثنائية خطيرة، ويطرح الانسحاب الغربي من الشرق الأوسط مشكلة بارزة لإسرائيل، حيث إنه يقلّل من خياراتها.

وفي سياق علاقات نتنياهو المتوترة مع الرئيس أوباما، يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي ضرورة كبرى بتهيئة تفاهم أفضل مع بوتين، لكي يتم تقليص احتمال وقوع اشتباكات عسكرية عرضية في سوريا، وتحسين التفاهم المشترك على نطاق أوسع من أجل الحفاظ على العلاقات المتوازنة، ومن المرجح أن تستمر روسيا وإسرائيل بالتعاون بينهما، وخاصة على الجبهتين الاقتصادية والعسكرية.

ووفقًا لتقارير صحفية روسية وإسرائيلية، تعتزم الدولتان التوقيع على اتفاق منطقة تجارة حرة، ولكن في النهاية يولي بوتين الأولوية للسياسات أكثر من أي شيء آخر، ويكون بذلك شوكة في خاصرة الغرب ويعمل على إضعافه على نطاق أوسع.

وفي الواقع، إن مساعدة الأسد على زيادة تدفقات اللاجئين إلى أوروبا تسمح لبوتين بتحقيق ذلك، كما أن بسط بوتين نفوذه في الشرق الأوسط بصورة عامة، وخصوصًا في سوريا، فيما يتراجع الغرب، يثير تساؤلات لدى إسرائيل ويشير بأن عليها توخي الحذر من أجل المحافظة على التوازن في منطقة معقدة وغير مستقرة على نحو متزايد.