ربع قرن على تأسيس النظام السياسي الحالي في الدولة التي تستضيف عاصمتها  مقر الاتحاد الإفريقي، رغم تصنيف النظام بأنه سلطوي غير ديموقراطي ومع وجود تحفظات عديدة على ملف الحريات وحقوق الإنسان إلا أن إثيوبيا تحقق معدلات نمو مرتفعة جدًا تصل إلى 10% وتحظى باستقرار سياسي واقتصادي وتلعب دور إقليمي مؤثر، سنحاول التعرف على مظاهر ذلك النظام السلطوي الذي يحكم بلدًا إفريقيًا مهمًا خلال تلك المدة الطويلة.

نبذة تاريخية

شهد العام 1974 انقلابًا عسكريًا أنهى الحكم الإمبراطوري وحاول التأسيس لدولة شيوعية بعد نضال طويل رفعت فيه مبادئ وشعارات العدالة والعمل والإنتاج وتحرير الشعب من قبضة الإقطاع، نجحت في تأميم الأراضي الزراعية وإعادة توزيع الإقطاعيات على الفلاحين وتفكيك البنية الاقتصادية والاجتماعية عبر إجراءات كانت تهدف إلى محاربة الفساد وتمكين الشعب من حقوقه والإصلاح الزراعي.

إلا أنه سرعان ما أكلت الثورة أبناءها فدبت الصراعات بينهم والتي أدت لحدوث انقلاب آخر عام 1977 بقيادة منجستو هايلا ميريام الذي حكم البلاد بالحديد والنار وقام بإعدام وقمع خصومه (زملاء الأمس)، وخلال عهده شهدت البلاد العديد من الأحداث المأساوية منها الحرب مع الصومال القوي بقيادة سياد برى في إطار التنازع على إقليم أوجادين والذي تلقى خلالها منجستو الدعم السوفييتي وكذلك المجاعة الأبرز (1983-1985) نتيجة الجفاف والتي راح ضحيتها ما بين نصف مليون لمليون مواطن ولم تستطع الحكومة التعامل معها نظرًا للانشغال بالقضاء على التمرد المنتشر في أرجاء البلاد.

نجحت قوات الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية والجبهة الشعبية لتحرير التجراي بقيادة ميلس زيناوي في السيطرة على العاصمة أديس أبابا وإسقاط حكومة منجستو الذي فر هاربًا إلى زيمبابوي عام 1991 لتؤسس حينها لنظام الحكم الحالي.

وفي العام نفسه سيطرت جبهة تحرير إريتريا بقيادة أفورقي (رئيس حالي) على العاصمة أسمرا وأعلنت الاستقلال عن إثيوبيا لترعي الأمم المتحدة استفتاء 1993 تم فيه الاستقلال بصورة رسمية، ورغم العلاقة الجيدة بين زيناوي وأفورقي إلا أن البلدين دخلا في حرب عام 1998 بسبب التنازع على مناطق حدودية راح ضحيتها مئات الآلاف وأصبحت الجارتين في حالة عداء مستمر جعلت إثيوبيا ترحب بالمعارضة الإريترية لتصبح أديس أبابا مقرًا لها حتى اليوم.

رجل إثيوبيا القوي

زيناوي الذي صعد لقيادة الجبهة الثورية عام 1989 تربع على عرش السلطة السياسية لأكثر من 20 عامًا حتى وفاته، حيث تولى رئاسة البلاد (1991-1995) قبل اعتماد النظام البرلماني ليتولى رئاسة الوزراء (1995-2012) واستطاع خلال تلك الفترة قيادة بلاده للعب دور إقليمي فعال من خلال الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية ولعب دور مساعد للولايات المتحدة في المنطقة من خلال استضافة مفاوضات جنوب السودان والمشاركة في حرب الصومال ومواجهة التنظيمات الإسلامية القريبة من القاعدة وداعش، اعتمد في ذلك على نخبة من قبيلته التجراي (6%) سيطرت على السياسة والاقتصاد والجيش والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية (57 من 61 من قيادات الجيش تنتمي للتجراي وبعضهم أعضاء في الجبهة الشعبية) ما يمكن وصفه باستبداد القبيلة والتي كان من آثارها محاولات تمرد متكررة من قبائل الأورومو وأوجادين (مسلمين) نجحت السلطة المركزية في قمعها بالقوة دائمًا.

مسيرة المعارضة السياسة

يشكل تحالف الوحدة من أجل الديمقراطية والعدالة المعارضة الأبرز في إثيوبيا مع وجود الحزب الديمقراطي والحزب الأزرق ومنتدي الوحدة الديمقراطية وعدد آخر من الأحزاب التي تناضل من أجل الوصول لنظام سياسي ديمقراطي وتوجه اتهامات للسلطة بالقمع والاستبداد، قاطعت المعارضة أول انتخابات أجريت عام 1995 بسبب عدم السماح لها بالمشاركة في وضع الدستور الذي سبق الانتخابات بعام واحد بينما شاركت في انتخابات العام 2000 وحصلت على 12 مقعدًا فقط (عدد مقاعد البرلمان 547) لتعتبر تلك أول انتخابات تعددية.

شهدت انتخابات العام 2005 أحداثًا سياسة هامة جعلتها استثناءً لم يتكرر، حيث نجحت المعارضة في الفوز بـ 172 مقعدًا في الانتخابات الأكثر حرية والتي تمت في ظل رقابة خارجية من الاتحاد الأوروبي ومؤسسة كارتر، إلا أنه تبعها أحداث عنف نتيجة احتجاج المعارضة ضد حالات تزوير راح ضحيتها 200 قتيل على الأقل وقامت السلطة على إثرها باعتقال قادة سياسيين وإعلاميين.

نجحت السلطة بعد ذلك في خنق المجال العام وتضييق مساحات الحريات من خلال قوانين مقيدة أبرزها قانون الإعلام 2008 وقانوني منظمات المجتمع المدني والإرهاب 2009 وتكرار حالات الاعتقال بحق صحفيين ونشطاء مع حملات تشويه وتخوين للمعارضة واستخدام مبررات الإرهاب في تعذيب وقتل معارضين، ما رصدته المؤسسات الحقوقية الدولية التي اعتبرت إثيوبيا بلدًا ينتهك حقوق الإنسان لتكون النتيجة هي تلاشي المعارضة في انتخابات 2010 لتفوز بمقعد وحيد، في العام نفسه جاءت إثيوبيا في المركز 118 من 167 دولة على مؤشر الديمقراطية بحسب الإيكونمست كواحدة من أبرز الدول سلطوية.

قبل عام واحد تمت أول انتخابات بعد وفاة زيناوى وتولى خلفه ديسالين جاءت النتيجة بنجاح الجبهة الشعبية في الفوز بكل مقاعد البرلمان عدا مقعد وحيد أيضًا في مشهد فاضح لنظام الحزب الواحد الذي يكتفي بتطبيق ديموقراطية شكلية رغم دعوات خارجية تنادي بالانفتاح السياسي.

الاقتصاد والمجتمع

رغم تخلي قيادات الجبهة الشعبية عن الأيديولوجية الماركسية اللينينة التي انطلقوا منها وتبني ما يدعي الديمقراطية الثورية في مصطلح غير مفهوم وغير ذي دلالة في التطبيق العملي إلا أن ما يقارب ثلثي الاقتصاد تسيطر عليه الدولة من خلال الشركات المملوكة للقطاع العام في الحكومة والجيش مع وجود مساحة محدودة للقطاع الخاص.

تحقق إثيوبيا معدلات نمو كبيرة تصل إلى 10% اعتمادًا على نظام اقتصادي مخطط قائم بالأساس على المشاريع القومية التي تتبناها الحكومة مع وجود هامش فساد محدود في اتباع لنموذج دول مثل الصين.

شركة METEC  صاحبة أكبر استثمار في البلاد والتي تعمل في مجال النقل تابعة للجيش والشركة الثانية هي كهرباء إثيوبيا التابعة للحكومة، كما تمتلك الدولة غالبية المدارس والجامعات ولا تسمح بتأسيس بنوك أجنبية وتستفيد من الدعم الغربي والدولي من خلال المساعدات الاقتصادية والمشاركة في تمويل المشاريع القومية، حيث تأتي الصين في صدارة الدول التي تقدم مساعدات لإثيوبيا وتساعد تحديدًا في مشاريع القطارات وتربطها علاقة قوية بالسلطة الحالية تليها تركيا، كما تعد الولايات المتحدة ودولة الاحتلال (إسرائيل) من أبرز الدول التي تشارك في تمويل المشاريع والاسثمار هناك، وكذلك دولة الكويت حيث قدم الصندوق الكويتي للتنمية 6 قروض بقيمة 42 مليون دينار كويتي حتى عام 2015.

وتحقق إثيوبيا معدلات نمو كبيرة تصل إلى 10% اعتمادًا على نظام اقتصادي مخطط قائم بالأساس على المشاريع القومية التي تتبناها الحكومة مع وجود هامش فساد محدود في اتباع لنموذج دول مثل الصين وبعض دول النمور الآسيوية التي تتمتع بنظام سلطوي، ما يدفع بعض الدارسين لدراسة العلاقة بين التنمية وطبيعة النظام السياسي.

المجتمع الإثيوبي متنوع إثنيًا ودينيًا حيث يشمل ما يقارب 87 قومية مختلفة وتعد اللغة الأمهرية هي اللغة الرسمية، بينما تعترف الدولة بباقي اللغات القومية وتعتمد نظامًا فيدراليًا يتيح حكم لامركزي للمناطق أحد آثاره تكريس انتماءات ما دون الدولة والفشل في تحقيق المواطنة.

وينص الدستور على علمانية الدولة بهدف الحياد تجاه قضية الدين إلا أن المسلمين الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان يشتكون من تدخل الحكومة في شؤونهم الدينية وينظمون احتجاجات منذ ما يقرب من عامين نتيجة التشويه في برامج الإعلام وربط الإسلام بالإرهاب في خضم صراع الدولة ضد حركات التمرد الإسلامية في الداخل (مناطق الأورومو وأوجادين) أو في الصومال وكذلك مراقبة المساجد واعتقال نشطاء وقيادات مجتمعية تقود الدفاع عن قضايا المسلمين.