لطالما عمد مسوقو ألعاب "تدريب الدماغ" لتسويق منتجاتهم من خلال الإشارة إلى البيانات والأبحاث العلمية التي تُظهر بأن تلك الألعاب تجعلك أكثر ذكاء أو تدرء عنك خطر التدهور المعرفي.

ولكن قدمت دراسة جديدة، مصممة بذكاء من قِبل باحثي جامعة جورج ماسون، أفضل دليل حتى الآن على اعتوار معظم البحوث السابقة بخلل خطير؛ فالمشكلة تكمن بأن الأشخاص يحصلون على دفعة ذهنية لأنهم يتوقعون أن يصبحوا أفضل، وليس لأن ألعاب الدماغ عملت على تحقيق ذلك حقًا.

"يبدو أن هذه الدراسة تدعم بقوة ما أثرناه سابقًا حول إمكانية أن تكون آثار تدريبات الدماغ مجرد آثار بلاسيبو (تأثير وهمي)"، قال والتر بوت، الطبيب النفساني الإدراكي في جامعة ولاية فلوريدا الذي لم يشارك في البحث.

قلبت الدراسة الجديدة، التي نُشرت يوم الاثنين في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم، سيناريوهات معظم الأبحاث التي كانت تنظر بآثار ألعاب تدريب الدماغ، حيث لعب المشاركون الـ50 ضمن الدراسة ذات ألعاب تعزيز الذاكرة، ولكن تمت دعوتهم إلى هذه الألعاب بطريقتين مختلفتين، الأولى من خلال نشرة إعلانية حماسية تحمل تعبيرات طنانة حول "تدريب الدماغ والتعزيز المعرفي"، والثانية من خلال نشرة دعت الأشخاص للمشاركة بالدراسة ببساطة دون أي ذكر لتدريب الدماغ.

المنشورات الإعلانية التي استخدمت في الدراسة، على اليسار المنشور الذي استخدم عبارات تعزيز المعرفة وتدريب الدماغ، وعلى اليمين المنشور الذي دعا للمشاركة بالدراسة دون أي ذكر لتدريب الدماغ.

بالنتيجة، شهدت المجموعة الأولى المكونة من 25 شخصًا دفعة تبلغ من 5 إلى 10 نقاط في معدلات الذكاء بعد ممارستهم للعبة، بينما لم تُظهر المجموعة الثانية أي تحسن المعرفي.

هذا الترتيب لم يكن عبارة عن نظرية افتراضية؛ فبعد إجراء الدراسة، تواصل باحثو جورج ميسون عبر البريد الإلكتروني مع أكاديميين نشروا بحوثًا في مجال التدريب المعرفي، ووجدوا بأن 17 دراسة من أصل 19 دراسة شملها البحث، دعت المشاركين من خلال ذكر النتائج التي ستترتب على البحث بشكل مسبق.

صناعة برمتها في مرمى الخطر

يمكن اعتبار هذه النتائج بمثابة ضربة أخرى لصناعة تدريب الدماغ التي تتعرض مسبقًا لانتقادات لاذعة؛ فالشركة التي تقف خلف معظم الترويج عالي المستوى لألعاب تدريب الدماغ، شركة لوموسيتي (Lumosity)، وافقت في يناير المنصرم على دفع مبلغ تسوية يبلغ 2 مليون دولار للجنة التجارة الفيدرالية، بعد أن تم اتهامها بترويج إعلانات خادعة حول الآثار الصحية لألعابها، حيث يجري توزيع هذا المبلغ على عملاء لوموسيتي.

"من الضروري حقًا بالنسبة للباحثين أن يأخذوا بعين الاعتبار تأثير البلاسيبو لألعاب الدماغ قبل المضي قدمًا في أبحاثهم، لأن ذلك سيشوه نتائج بحثهم" قال سايروس فوروجي، وهو عالم إدراكي والمؤلف الرئيسي للدراسة.

فضلًا عن ذلك، تدور التساؤلات اليوم أيضًا حول مقدار الوقت الذي تستمر فيه فوائد أي تعزيز معرفي حقيقي، كما لا يبدو من الواضح أيضًا مدى أهمية التعزيز المعرفي الناجم عن ألعاب الدماغ، لأن معظم أساليب قياس التحسن المعرفي الناجم عن الألعاب تقيس مدى تحسن أداء الأشخاص ضمن مهام مجردة في المختبرات، وهو الأمر الذي لا يمكن أن ينعكس في الحفاظ على المهارات المعقدة كقيادة السيارات أو تذكر قائمة المشتريات.

من هذا المنطلق، يشتبه العلماء بأن تأثير البلاسيبو على وجه الخصوص هو الذي كان يغطي معظم مشاهداتهم في مجال تدريب الدماغ، حيث يقول آدم جازيلي، عالم الأعصاب الإدراكي في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو، بأن النتائج حول دور وتأثير البلاسيبو تؤكد ما افترضه الكثير من العلماء بشكل دائم.

من جهة أخرى، يُعرَف عن جازيلي، الذي يعمل الآن كمستشار لشركة ناشئة صممت لعبة فيديو قائمة على نموذج جازيلي وتحاول الحصول على موافقة من إدارة الغذاء والدواء لاعتبارها "وصفة طبية"، نهجه الصارم بشكل غير اعتيادي في تطوير ألعاب الدماغ؛ فهو يرى جانبًا مشرقًا ضمن الأدلة المتزايدة حول كون توقعات الأشخاص فيما قد يحصلون عليه يمكن أن تؤثر في أدائهم المعرفي، طالما أن الباحثين يعرفون تلك التوقعات ويقيسونها في خضم تصميم دراستهم.

"ننظر بإيجابية لحقيقة أن الأشخاص يعتقدون بأنهم يستطيعون استخدام برنامج تدريبي لتحسين أنفسهم، لأن ذلك يزيد من دافعهم وعمق مشاركتهم ضمن التدريب"، قال جازيلي.

المصدر: ستات نيوز