مرت على تركيا ليلة من أصعب لياليها فى السنوات المعاصرة، تركيا التي عانت كثيرا من قبل من الانقلابات كانت على وشك الدخول فى دوامة جديدة من انقلاب قد يعصف بكل ما حاول اردوغان بنائه من نهضة اقتصادية ونقلة اجتماعية نوعية فى عدة ساعات!

فشل الانقلاب لأسباب عدة نوقشت وحُللت من طرف الكثير من الصفحات وفى الكثير من المقالات، لكن بقيت نقطة واحدة لم يُسلط عليها الضوء كثيرا، وهو التعليق الذي يتناقله أعضاء حزب الكنبة المصرية "لم يكن انقلابا بل كانت تمثيلية"، هذا التعليق الذي أطلقه الخبراء الاستراتيجيين المصريين من منازلهم –بالأصح الخبيرات الاستراتيجيات- شاركه فيه نظرائهم الأتراك أيضا! فبعض الصفحات التركية المعارضة على شبكة الفيسبوك قامت بموجة من نوعية "هذا الانقلاب كان مجرد تمثيلية هدفها التمكين لاردوغان من تصفية العناصر المعارضة له بالجيش التركي" وقد انتشرت تلك الأقاويل على بعض الصفحات الصفراء في حين تم تجاهلها تماما من قبل السياسيين المعارضين الذين وقفوا ضد الانقلاب،حتى تلك الصفحات التي ادعت بكونها مجرد تمثيلية لم تدع أبدا للنزول مع الجيش، كل ما فعلته هو عدم تلبية الدعوة للنزول التي دعا لها اردوغان،وكما رأيتم فان أعداد النازلين تفوق مؤيدي اردوغان وفقط، فقد نزل أيضا معارضين من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية وخلافه، ولكن لنعد لموضوعنا،ما هي الادعاءات التي ساقتها تلك الصفحات لتفسيرها بأن ما حدث مجرد تمثيلية؟

1- عدم اغلاق ومنع الوصول للفيسبوك وتويتر؟

اعتادت الحكومة بالفترة الأخيرة على اغلاق تويتر وفيسبوك عند حدوث أحداث ارهابية على النطاق الصغير لعدة أهداف، ولكن تلك المرة اذا تم اغلاقهم،لصب ذلك مباشرة بدون شك فى مصلحة الانقلابيين،لأنه بفضل الفيسبوك قام المؤيدون بتنظيم أنفسهم للنزول الى الشوارع،وللوصول الى الأخبار بسهولة.

2-اذا كانت تلك فعلا محاولة انقلابية، فلماذا لم يغلق الانقلابيون البث التلفازي؟

أراد الانقلابيون بالفعل قطع الارسال بمحاولة الدخول الى مبنى تركسات وحدثت بعض المناوشات ولكن لم ينجحوا بذلك.

3-لماذا دعى اردوغان الشعب الى الخروج الى الشارع؟ ألم يخش من حدوث الفوضى؟

دعى اردوغان الشعب للخروج الى الشارع لثقته بأن الشعب رافض للانقلاب،وليظهر للعالم أن الانقلاب ليس له ظهير شعبي مؤيد،وبالمقارنة بمصر،فان انقلابها تم تصويره أنه مؤيد من الشعب بالبث التلفزيوني المصور للمظاهرات المعارضة لمرسي وخلافه،مما بين للعالم أن هذا الانقلاب لم يكن مجرد انقلابا عسكريا بعيدا عن الشعب وفقط،بل كان نابعا عن ارادة شعبية قوية،ولهذا كان ذلك تحديا من اردوغان للانقلابيين وللغرب،ورهانا على الشعب الذي بدوره لم يخذله.

4-كانت الأحداث مجرد تمثيلية للتمهيد للانتقال الى النظام الرئاسي

اردوغان الان مؤيد بالفعل من قطاع عريض من الجماهير،وتخطي نسبة الخمسين بالمائة فى الانتخابات الماضية،وهو من حيث النسب أكثر قائد محبوب أتى فى تاريخ تركيا الحديث، وسط كل هذا التأييد ما الحاجة الى الاستعراض اذا؟

ومن منطلق اخر، اذا كانت تلك مجرد تمثيلية فتلك بعض الأسئلة الحائرة:

1-اذا كانت تلك مجرد تمثيلية فلماذا يترك اردوغان مستشاره الرئيسي مصطفى فارناك يُقتل؟ولماذا يترك مسئول حملة دعاية حزب العدالة والتنمية وابنه ليقتلان؟

2-كان اردوغان ماكثا باحدى فنادق مرمريس عند وقوع الانقلاب، وقام الانقلابيون بمحاولة اختراق الفندق وأسر اردوغان، وحدثت مناوشات أدت الى قتل شرطيين،وتم ضرب الفندق بالقنابل من الطائرات، هل كان كل هذا أيضا جزء من السيناريو؟

3-حتى رؤساء الأحزاب المعارضين، قليتش دار اوغلو، هذا الذي نال جزاءا من عدة أيام بسبب اهانته لاردوغان، قام بابراز اعتراضه على الانقلاب، رفضا للانقلاب على الديمقراطية، ثم بعدها بيوم قام بالقاء كلمة فى مجلس الشعب التركي،أيرضى شخص مثله المشاركة فى تمثيلية كهذه؟

4-تم القبض على العديد من القيادات العسكرية والزج بأسماء الكثير من المرموقين منهم، على سبيل المثال قائد الجيش الثاني والثالث والرابع، قائد السلاح الجوي وخلافه، هل يرضى هؤلاء بحرق أسمائهم لمجرد المشاركة بتمثيلية هدفها تلميع اسم اردوغان؟ أي سُخف هذا!

5- قُتل حوالى 265 شخصا فى تلك المحاولة، من الشعب والشرطة ومن مؤيدي الانقلاب، 104 من مؤيدي الانقلاب، و161 من الشرطة والمدنيين، من ذاك المجنون الذي سيرضى بالقاء نفسه الى الموت لارضاء شخص مجنون بالعظمة؟!

6-عدد الموقوفين في إسطنبول على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة تجاوز 2400 شخص،كل تلك الأعداد لم تكن جزءا من السيناريو على أي حال أيضا.

7-ما الذي يجعل أوباما ذات نفسه يخرج بتصريح لمتابعته للأحداث، ثم بعد عدة ساعات يدين الانقلاب، ثم يأتي تحذير للرعايا الأمريكان من السفر الى بعض المناطق التركية؟

اذا كان بعد كل هذا مازلتم تظنون أن ما حدث هو تمثيلية بالفعل،فأظن أن اردوغان هو مخرج ممتاز بارع، صارت له الأحداث كما أراد،لذا فمن الواجب اذا أن نرفع له القبعة على هذا الدهاء والمكر الغير متصور والغير معقول!