"ابدأ بالتفاوض للوصول لأرضية مشتركة، مع وضع آلية محددة لهذا التفاوض لا يمكن تجاوزها، ثم تحول لطرح رؤى وخطط بديلة لتحقيق أكبر استفادة من النقاش، وتحديد العواقب من الإخلال بالاتفاقات، وبعدها طبق وجهة نظرك"، الفقرة السابقة ليست من ميثاق الأمم المتحدة لحل النزاعات بين الدول، ولا من أحد دساتير دولة ما حول العالم، لكنها مقدمة لكتاب الدكتورة  "لورا ماركام" بعنوان "آباء مسالمون وأبناء سعداء"، حول كيفية إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم بين الآباء والأبناء، بعيدًا عن التهديد والحرمان وأساليب التربية الحديثة.

الوعي والنضال

الكتاب يركز في المقام الأول على أن الوعي بما يجول في داخل الطفل، الذي يبدأ خطواته الأولى في التعرف على احتياجاته اليومية، ومدى أهمية الإصغاء لأحلامه، والدور الهام للوالدين خصوصًا الأم في وضع أسس التعامل مع تلك المرحلة بـ "نضال" مستمر، مع كل مراحل نمو الطفل المزاجية والانفعالية والاجتماعية، وعليها أن تدرك أنها تتعامل مع شخص متغير، وعليها احتواء هذه التغيرات وصبها في كيان واحد.

سلبية "لا"

الدكتورة ماركام، تركز في فصول الكتاب التسعة على نقاط هامة جدًا أهمها الابتعاد تمامًا عن كلمة "لا"، باعتبارها الصخرة التي يصطدم بها الطفل دائمًا خلال مسيرة اكتشافه للعالم، على الرغم من أنَّه في بداية استخدام تلك الكلمة، قد يكون لها مفعول سحري بالنسبة للآباء، إلا أنَّها مع الوقت تفقد قواها السحرية، ويصبح الطفل منيعًا ضدها، فتجد الأم نفسها مضطرة للصياح مرات ومرات، حتى ينفذ الطفل ما تريده.

خلال فصول الكتاب تؤكد المؤلفة أن كلمة "لا" لها طريقة معينة للاستخدام، وليست منطوقًا لفظيًا فقط، فمثلاً في مرحلة الرضاعة لا يفهمها الطفل إلا إذا صحبتها نظرة قاسية، بينما في المراحل الأكبر سنًا يجب على الآباء توضيح أسباب الكلمة، لأن الأطفال وقتها يعتبرونها رفضًا لشخصهم وليس لأفعالهم، وقد ينصاعون للأوامر فقط بسبب الخوف والتهديد، وبالتالي على الآباء وضع أنفسهم محل الطفل وتفهم الأمور من وجهة نظره، وليس من مفهومهم الأعمق للحياة والبيئة المحيطة، بعيدًا عن الأكاذيب التي يلجأ إليها الأهل لإيهام الطفل بأن إصراره على أفعاله الخاطئة لها أضرار معينة، مثل "إذا كذبت سيكبر أنفك مثل بينوكيو" أو "أن العصافير ستخبرنا بالحقيقة" و"ستلتهمك الغولة" أو "إذا مصصت إصبعك سيذوب"، لافتة إلى أهمية التعامل بواقعية وصدق مع الطفل، حتى لا يصدم مستقبلاً في صدقهم وطريقة تعاملهم مع مدركاته الحسية العقلية.

التفاوض ومفعول السحر

نصل هنا لتفصيل مقدمة الكتاب الخاصة بالتفاوض ووضع الحلول البديلة وشروط التحقيق والالتزام بها، حيث تشير ماركام إلى أن تفاوض الأم مع طفلها من أساليب التربية الناجحة التي تجعل العلاقة بين الأم والطفل مليئة بالحب والود، كما أن التفاوض بين الأم وطفلها يعتبر تجربة مثيرة للطفل، يتعلم منها الكثير من القيم والمبادئ التي تفيد في حياته المستقبلية، مثل العطاء والمرونة والتفاهم، وكيفية التوصل لحلول وسط.

فتفاوض الأم مع طفلها يعلمه كيفية التعامل مع الخلافات التي تواجهه في حياته، وكيفية حلها مع الآخرين، كما أن طرح الحلول الوسط من خلال التنازل عن شيء من أجل الحصول على شيء آخر، يزيد من الرابط التفاعلي بين الأم وطفلها، فعندما يحين وقت المذاكرة ويرفض الطفل الذهاب للاستذكار، ويطلب تأجيلها لحين انتهاء مسلسل الكارتون، إذا رفضت الأم ذلك سيتحول الأمر إلى جدال وصراع، ولكن إذا تفاوضت مع طفلها بالسماح له بمدة قصيرة لمتابعة مسلسل الكارتون، وبعدها الذهاب مباشرة للاستذكار، سيجد الطفل في ذلك حلاً يرضيه، ويجعله يشعر بالاستقلال، ويدرك وقتها أن هناك طرق أخرى للوصول إلى ما يريده، دون اللجوء للصراخ والبكاء.

شروط الاتفاق!!

هنا تبقى النقطة الأهم بعد التفاوض والحلول الوسط وهي عواقب مخالفة الاتفاق، فعندما تصل الأم إلى اتفاق مع طفلها يجب أن تضع عقابًا لمخالفة الاتفاق، فإذا سمحت الأم للطفل باللعب لمدة 15 دقيقة وبعدها يذهب لاستذكار دروسه، وأخل الطفل باتفاقه معها - بحسب الكتاب - أن تعاقبه بحرمانه من اللعب في اليوم التالي، وهذا سيجعل الطفل ينفذ الاتفاق في المرة القادمة، مع التأكيد على أهمية الابتعاد عن أسلوب الاستجواب، الذي سيجعل الطفل يرفض استكمال الحوار والاتفاق، والعودة للصراع الأزلي مرة أخرى.

الإصغاء والثبات العاطفي

الفصل الرابع من الكتاب يحث على أهمية الإصغاء لطفلك، لتساعدينه على اكتساب قيم طيبة حتى لو كان يحدثك عن دميته، فإن لم تمنحي طفلك الاهتمام المناسب عندما يكون صغيرًا، سوف يقف عن محاولة الوصول إليك عندما يبلغ السادسة أو السابعة من عمره، لأن الثبات العاطفي لدى الطفل أهم بكثير من الثبات على القواعد.

فحينما يوقن الطفل أن أبويه يحبانه مهما كان الأمر، لن يكون تهديدًا كبيرًا على إحساسه بالأمان رؤيته لأحد والديه وهو يصرخ أو يغضب منه، وبالتالي نتفادى إحباط خيال أو الرغبة في البحث والاستكشاف لديه، وعلينا تشجيع اهتماماته حتى لو لم تتفق مع اهتماماتنا، وفق ما يتناسب مع قدراته الحقيقية وليس حسب خيالنا نحن، وهذا بدوره يظهر احترامك وتقديرك لمواهبه واحتياجاته، بالإضافة إلى إحساسه بأنك تحبينه كما هو.

نفوذ الأهل

يركز الفصل السادس من الكتاب على أن نفوذنا على أطفالنا يعتمد على مدى علاقتنا بهم، والقرب منهم، وعليه فعلى الأبوين تحويل توجيهاتهم من أوامر يجب تنفيذها دون نقاش، إلى عادات يمارسها كل يوم مع الطفل، كغسل اليدين قبل الأكل وبعد دخول الحمام، أو ترتيب الألعاب، مع الوضع في الاعتبار ذكاء الطفل الفطري في التحايل على تنفيذ التوجيهات، بداية من الرفض المباشر أو التجاهل، وتجربة تخطي الحدود واستفزاز الأهل، وإن تجاهلنا ذلك ستصبح عادة، لأن الطفل لا يستطيع التوقف عن اللعب، وهنا يمكن استثمار هذا الحب في تحويل الأوامر إلى مسابقات مثلا، فبدلًا من المعركة اليومية لوضع الألعاب في صندوقها، يمكن للأمر أن يتحول إلى متعة إن أصبح في إطار تنافسي، فمثلًا يمكن أن تنظم الأم مسابقة في السرعة، وتمسك مؤقتًا بيدها لحساب الوقت الذي يستغرقه جمع الألعاب وترتيبها، عندها سينتهي ترتيب الغرفة، أو الواجبات الدراسية بسرعة، بعيدًا عن الصراخ والمشاحنات.

إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأطفال عمومًا، فكيف يمكن التعامل مع الطفل العنيد؟

الإجابة تأتي بالفصل الأخير من الكتاب، فالعناد ظاهرة معروفة في سلوك بعض الأطفال، حيث يرفض الطفل ما يؤمر به أو يصر على تصرف ما، وهو من اضطرابات السلوك الشائعة، وقد يحدث لمدة وجيزة أو مرحلة عابرة، أو يكون نمطاً متواصلاً وصفة ثابتة وسلوكًا وشخصية للطفل. 

والطفل قبل سنتين من العمر لا تظهر مؤشرات العناد في سلوكه؛ لأنه يعتمد اعتمادًا كليًا على الأم أو غيرها ممن يوفرون له حاجاته، فيكون موقفه متسمًا بالحياد والاتكالية والمرونة والانقياد النسبي، لكن حينما يتمكن الطفل من المشي والكلام قبل سن الثلاث سنوات من العمر، أو بعد السنتين الأوليين، ونتيجة لشعوره بالاستقلالية، ونمو تصوراته الذهنية، يرتبط العناد بما يجول في رأسه من خيال ورغبات. 

للكبار دور

وتحمّل ماركام الكبار مسؤولية كبيرة في عناد أطفالهم، مشيرة إلى أن أوامر الكبار التي قد تكون في بعض الأحيان غير مناسبة للواقع، وقد تؤدي إلى عواقب سلبية؛ مما يدفع الطفل إلى العناد كردَّ فعل للقمع الأبوي الذي أرغمه على شيء، كأن تصر الأم على أن يرتدي الطفل معطفًا ثقيلاً يعرقل حركته في أثناء اللعب، وربما يسبب عدم فوزه في السباق مع أصدقائه، أو أن يكون لونه مخالفًا للون الزي المدرسي، وهذا قد يسبب له التأنيب في المدرسة؛ ولذلك يرفض ارتداءه، وقد يتشبه الطفل بالكبار، ويلجأ إلى التصميم والإصرار على رأيه، متشبهًا بأبيه أو أمه عندما يصممان على أن يفعل شيئًا، أو ينفذ أمرًا ما، دون إقناعه بسبب أو جدوى هذا الأمر المطلوب منه تنفيذه.

الحل السحري

ويضع الكتاب حلاً سحريًا للأبوين لمواجهة عناد الأطفال، مؤكدًا أن البعد عن إرغام الطفل على الطاعة واللجوء إلى الإقناع، والمعاملة اللينة والمرونة في المواقف، وغض الطرف عن العناد اليسير، في حدود المقبول، مع عدم صياغة طلباتنا من الطفل بطريقة تشعره بأننا نتوقع منه الرفض، لأن ذلك يفتح أمامه الطريق لعدم الاستجابة والعناد، والابتعاد عن وصفه بالعناد على مسمع منه، أو مقارنته بأطفال آخرين، يجعل الأمر يتحول تدريجيًا لنوع من التعامل الودي بين الطرفين، والوصول للحلول المشتركة.