بدأت مجموعة جديدة من المناقشات حول انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يهم إن أسميتها "نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية" أو "نظام بريتون وودز" أو "محور الشمال العالمي"، إلا أنه من الأمانة أن نقول إن مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي هو أول تحول خطير في هذا القرن بالنسبة للنظام العالمي الذي أسس في القرن الماضي.

يمكن اعتبار انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي؛ ردة فعل إقليمية على الطريق المسدود الذي بلغته السياسة العالمية. في هذا الوقت كان النظام العالمي للقرن العشرين، الذي عفا عليه الزمن، يغرق في الأزمات. فلا شيء جديدا أو مفاجئا حول استراتيجية البحث عن "مخرج" عوض البحث عن "حلول".

لو أن كل خروج كان مشابه لطلاق بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لما اعتقدنا أن غياب سياسة محددة في الوضع العالمي الحالي تمثل إشكالا كبيرا. ولكن في عصر العولمة، حيث انتقال رأس المال، والبضائع، واليد العاملة في ارتفاع كبير، رأينا سيادة ويستفاليا تتحول على ما يبدو إلى شعبوية عفا عليها الزمن.

إن طرحنا الأسئلة الخاطئة، فسنحصل على إجابات خاطئة

إن تنامي قوة سياسة الهروب من مركزية السلطة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والنضوب المستمر لجهود البحث عن حلول في كل شيء في هذا العالم مع كل يوم جديد، له سبب واحد وهو الأسئلة الخاطئة.

عوض طرح هذا السؤال: "كيف يبدو هذا؟"، وهو السؤال الصحيح في العالم "الليبرالي"، كان من الأجدر لو طُرح هذا السؤال: "ماذا يجب أن يفعل؟".

يعود هذان السؤالان، "كيف يبدو هذا؟" و"ماذا يجب أن يفعل؟"، في الحقيقة إلى عالمين مختلفين، حيث يحدد هذان السؤالان موقفك في مواجهة الأزمات، والمشكلات أو العراقيل. والجدير بالذكر أن السؤال الثاني ينتج سياسة أما الأول فيغذي عداء السياسة.

قد يطرح السؤالان في مواجهة مشكلة ما، ولكن العلاقة الهرمية والتسلسلية لا يمكن تجاهلها، وهذا هو بيت القصيد. ليس علينا الذهاب أبعد من السياسات التي وجدت في العقود الماضية لندرك أن الموضوع الأساسي يحوم حول من يحدد أولوية هذين السؤالين وفق الإشكال المطروح.

السؤال الثوري
يبدو سؤال "ماذا يجب أن يفعل؟" ثوري في جانب منه، فهو لا يوفر لك أي معنى مريح ويتركك دائما تشعر أنك تفضل السبيل الأصعب والأكثر إزعاجا.

إن نهايته واضحة لا لبس فيها؛ فهو يسمح لك حتى بالشعور بأصغر التحولات حين حدوثها، لذا فهو يحتاج إلى التصميم والإصرار. كما أنه يحفظ القواعد في عالم غير منتظم، ويحولها إلى قرارات.

مع هذا السؤال، فإن مملكة غياب القرارات والغموض تضيق أكثر فأكثر. سواء كان محتوى القرار إيجابيا أم سلبيا، فهذا لن يغير النتيجة النهائية. قد يتخذ القرار أحيانا من أجل تغذية المعارك الأكثر دموية وانفعالية، ولكن غالبا مع أقصى درجة ممكنة من الصبر.

كما أن مدى الحياد يضيق أيضا، ولنكون أكثر دقة فهذا ينقذ صاحب القرار من الحياد الذي لا طائل منه. فالسبيل الذي على الشخص أن يتبعه واضح جدا، وهو أن تظهر ما تؤمن به وأن تؤمن بما أنت عليه، وأن تظهر جانب الشجاعة فيك. لا يوجد الكثير من الحوادث أو الانهيارات، ولكن المخاطر لا غنى عنها. كما أن القدرة على التعافي من هذه الأمور، في أسرع وقت، يعدّ مطلبا ملحا جدا حتى ولو انجر عن ذلك بعض الجروح.

بعد هذا القول، فإن سؤال "ماذا يجب أن يفعل؟" هو سؤال سياسي واقعي وإجابته متعددة؛ فهو يحوّل الخيارات إلى قرارات. فالعدالة تسود في الوقت المناسب إن فُتح لها المجال.

كما أنه يمكن إتاحة الفرصة للاستثناءات بأن تكون قيّمة كما تستحق، فالاستثناءات تثبت صلاحية القانون، وهكذا تكتسب القوانين بهذا الشكل معنى؛ وتنمو فرصة تأسيس القوانين والتشريعات وإنشاء العقود الاجتماعية.

كما يحتاج هذا السؤال للشفافية، فلا مكان للأجندات الخفية. وتجدر الإشارة إلى أنه يسمح بتشخيص مصلحة النظام ويجعلنا ننتبه لتغيرات الأسباب وفق القرارات المتخذة؛ فهو سؤال يعيش الواقع ولا يسقط في شراك المفارقات التاريخية من خلال الأزمات السياسية والاضطرابات التاريخية، ويؤمن بأننا نموت على "المدى البعيد".

سؤال السمعة
أما سؤال "كيف يبدو هذا؟"، فهو سؤال مناهض للسياسية إن طرح في المقام الأول عند مواجهة مشكلة ما. كما أنه يظهر الرغبة لا الحقيقة ويحمل بين طياته موقفا سلبيا وصبغة تنمّ عن الاعتذار.

ولأن الفاعل مخفي، "وفق من؟"، فإن الإجابة يوفرها شخص آخر. فهو غالبا، كما هو متوقع، الجهة نفسها أو الشخص الممتثل للتيار العالمي الحالي أو ما يعرف "بالمعايير".

"كيف يبدو هذا؟" سؤال يطرحه هؤلاء الذين لا يريدون اتخاذ مواقف سياسية في المقام الأول. هم فقط ينقذون يومهم ويقتلون غدهم. وهو سؤال بمثابة هروب من الحاضر ولكن لا يمكنه أن يبني مستقبلا أيضا.

عندما تنظر للعقد الماضي، لن يصعب عليك أن تكتشف قوة مخيم "كيف يبدو هذا؟" وعجزه أمام مجموعة "ماذا يجب أن يفعل؟". وقد انتشر هذا الفراغ بين المؤسسات العالمية والدول القوية وفي التعاون الإقليمي بين المنظمات، وصولا إلى المؤسسات الدولية في مختلف القطاعات.

لا أحد لديه الوقت ليفكر في سؤال: "ماذا يجب أن يفعل؟" لأن الجميع منشغل في الإجابة عن سؤال "كيف يبدو هذا؟"، فمنذ أن أعلن هذا السؤال البدائي، من وجهة نظر ليبرالية، انتصاره العالمي تواصلت معركة قطع رقاب كل ما هو سياسي. فالرياح القوية المضادة للسياسة، التي ينتجها سؤال "كيف يبدو هذا؟" تعصف تقريبا بكل شيء.

موت السياسة
كشفت موجة القضاء على الطابع السياسي عن حالة الشلل التي نعيشها نتيجة الأزمات العالمية؛ لأن العالم - باستثناء الغرب والشمال - خاض تجارب دموية في أوقات عدة، وعانى من الإرهاب، وعاش التوجهات الشعبوية والقومية، وتوجهات البحث عن مخارج أخرى "غير المخارج السياسية" لمواجهة الأزمات التي أنتجها أولا هجران السياسة، ثم تحول إلى توجهات القتل الذاتي والرحيم لها.

ولأن بريطانيا أصبحت مثالا للانسحاب من الاتحاد السياسي والاقتصادي، فإن المثال السوري تحول إلى هجران الأخلاق. ومع الدعم الذي قدم للانقلاب في مصر بعد الحملات الشعبية المطالبة بالتغيير، أصبح العالم العربي مخرجا من التغيير. وماذا يمكن أن تكون المجزرة المتواصلة في حلب إن لم تكن مخرجا من الإنسانية؟

لقد انسحبت الولايات المتحدة من مشاكل المنطقة، تحت مصطلح "أمريكسيت"؛ وهو ما أدّى إلى مشكلة جيوسياسية عالمية. الشيء نفسه قامت به روسيا كردة فعل على الخروج السياسي، من خلال شن حملة عسكرية أدّت إلى الخروج من التعاون الإقليمي والعالمي.

باختصار نحن نعيش حرفيا في عصر الخروج. وطالما تواصل احتل سؤال "كيف يبدو هذا؟" لمكان السؤال الأساسي "ماذا يجب أن يفعل؟"، فإن عملية الانسحاب سيزيد ويتواصل بشكل لا يمكن تفاديه.

من جهة، فإن النظام العالمي مشغول بعملية الانسحاب. ومن جهة أخرى، يظهر الإرهاب العالمي قدرته على دخول هذا النظام بشكل سلس. وإن لم يتوقف هذا الغياب العالمي الذي نعيشه للسياسة، فإن خطر الإرهاب، الذي صنعه هؤلاء الذين يسألون أنفسهم "ماذا يجب أن يفعل؟"، سيزيد، وستزيد أجوبتهم لأنفسهم في المستقبل الموعود.

في هذه المرحلة لا بدّ من فهم أن "السياسي" يجتاح كل الإجابات على كل المشكلات التي نعيشها، من الأزمات الاقتصادية العالمية إلى معضلة الهجرة وصعود شعبية اليمين كرد على الإرهاب.

لو منح سؤال "ماذا يجب أن يفعل؟" الأولوية، فإن العودة السريعة للسياسة ستصبح أمرا ممكنا. أما السيناريو المقابل فهو سيئ بما فيه الكفاية، وسنراه بيننا الآن.

المصدر: عربي21