أثار فيلم العساكر الذي عرضته قناة الجزيرة القطرية ضجةً قبل العرض وبعده، مُقدمًا بذلك مجموعة من الدلالات والرسائل، نتعرض لبعض منها في هذه العجالة.

الرسالة الاجتماعية

من فيلم العساكر

ليس العجب من المشكلة الاجتماعية التي يقدمها الفيلم وهي القهر والاستبداد والعبودية والاستغلال الذي يتعرض له العساكر المجندون، ولكن العجب من قدْر هذه الضجة التي واكبت الفيلم قبل العرض وبعده، وكأن الناس لم تكن تعرف عن ذلك شيئًا من قبل.

وكأن الشعب المصري كله لا يعيش تحت ظل هذا القهر والاستبداد، وكأننا لم نخدم في الجيش المصري ولم نعرف ماذا يجري بداخله، فلو كتب كلٌ منا تجربته عن فترة تجنيده، لتصاغر هذا الفيلم جدًا، والذي أجزم به بعد تجربتي وتجربة كل من عرفت أن المجمع عليه أن أهم أمور يدركها من يدخل الجيش: الجبن والخوف والكذب.

هذه مأساة واحدة من آلاف المآسي التي يعيشها الشعب المصري المسكين في كل مجالاته تقريبًا، من تعليم لا فائدة فيه وصحة ضائعة تطيح بحياة الألوف وثقافة ضحلة وجهل طافح وفقر مدقع وسلطة غاشمة لا تعمل إلا من أجل مصلحتها ونخبة تائهة حائرة لا تملك أن تصنع شيئًا، وهذا أمر بدهي، فهي نخبة وليدة هذه البيئة المدمرة للعلم والثقافة والوعي.

نعود إلى مأساة العساكر، هل أثارت النخبة هذه القضية من قبل حتى انتظرت القناة القطرية لتثيرها بدلاً منها؟

هذه نخبة منفعلة وليست فاعلة، لا تملك زمام المبادرة ولا تمتلك رؤية حقيقية ولا استراتيجيات عملية فعالة، حتى ثورة يناير أحد أهم أسباب فشلها هو أنها فاجأت النخبة المصرية ولم تكن ثورة صنيعة نخبة، وإن كان للنخبة أثرها المتراكم عبر السنين، وهذا ما تخدع النخبة به نفسها، فتظن أنها تؤثر، ولكنه تأثير الفراشة.

أما العساكر وقهر العساكر، بل قل قهر المصريين، فالنخبة المصرية تقول: نحن حضارة سبعة آلاف سنة، وأنازعهم مع غيري في تهاوي هذه المقولة، فعمر الدنيا يأتي على هذا المقدار بالكاد أو يجاوزه بقليل، ولو قالوا: نحن سبعة آلاف سنة عبودية، لربما وافقتهم، مع استثناء قدر كبير جدًا من الحقبة الإسلامية، وهذه حقيقة لا تروق للمؤدلجين المنخدعين الخادعين المفتونين بالحضارة الغربية الاستعمارية التي أتت على بلادنا فنهبت الأخضر واليابس، وسطرت بأقلامها المسمومة تاريخنا وثقافتنا، واصطنعت منا لها رجالها الذين يقومون فينا مقامها.

وقهر العساكر يرجع في العصر الحديث إلى أبي الاستعباد والقهر للمصريين المأفون محمد علي الموسوم كذبًا بمؤسس مصر الحديثة أو المصلح المستنير، وهو الذي كان يكره المصريين ويصفهم بالحيوانات، ولا يفتأ في كل وقت يتحدث فيه عن مصر فيصفها وأهلها بالجهل والتخلف والبوار والبربرية الحقيقية حتى قبيل وفاته لم يتغير هذا المفهوم عنده، ومن أفضل ما كتب في هذا الصدد الكتاب القيم لخالد فهمي "كل رجال الباشا".

فقهر العساكر وقهر المصريين في العصر الحديث صنيعة محمد علي باشا، وسار على دربه كل من أتى بعده، وأسس وقعد له الاستعمار، وتلقفه عسكر 1952م بالمباركة والقبول والتنفيذ على أسوأ ما يكون.

الرسالة الإعلامية

إعلان فيلم العساكر الذي بثته قناة الجزيرة في 27 من نوفمبر

ليس على قطر ولا الجزيرة عيب ولكن العيب على من هاجمهم، متغافلاً المصيبة والمشكلة الرئيسية، موجهًا سهامه إلى من أشار إليها.

وهذا دأب المستبدين وأبواقهم، لا يريدون أن يسمعوا نصحًا أو إرشادًا أو توجيهًا، لا يريدون أن يسمعوا إلا تسبيحًا بحمدهم وشكرًا وتبجيلاً لهم على مصائبهم وكوارثهم واستعبادهم للناس وقهرهم لهم، مثلهم مثل فرعون الذي امتن على موسى عليه السلام بتربيته له، مع وجوبه عليه، واستعباد بني إسرائيل، مع تحريم ذلك عليه، فكان الجواب المفحم من موسى عليه السلام: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ}.

فالجزيرة قناة إعلامية احترافية مهنية، بخلاف الذين هاجموها، حتى بخلاف الذين استخدموا ما قدمت لمصلحة قضيتهم العادلة.

والسؤال للنظام المصري وإعلامه الراكد في الحضيض، أين كنتم من الفيلم الوثائقي الذي نشرته فضائية بي بي سي في مارس الماضي تقريبًا بعنوان: "موت في الخدمة" ويحكي معاناة جنود الأمن المركزي؟

هل هي سياسة الكيل بمكيالين التي اعتادها رواد الظلم والاستبداد، أم لأن هذا مخرجه عربي وهذا مخرجه غربي؟

الرسالة السياسية

موقف الجزيرة وقطر السياسي معروف منذ اللحظات الأولى للانقلاب العسكري في مصر 2013م على الرئيس محمد مرسي، ومن ثم فليس بمستنكر موقفها الحالي الذي يبرره موقف مصر الفج من دعم كل ما هو ضد مصلحة العرب والمسلمين، في اليمن وليبيا وسوريا والمغرب وغيرهم، بدعم الديكتاتوريات المستبدة المتوحشة، مضادين بذلك للسياسات العربية الصحيحة، وفي مقدمتها السياسة الخليجية مؤخرًا بقيادة الدولة السعودية، مما دعم الموقف القطري المبدئي.

فنحن في صدد تصعيد سياسي من الطرفين، المصري ومن ورائه للأسف إسرائيل وأذرعتها كالإمارات في الإقليمي، ومن الطرف الآخر قطر ومن ورائها السعودية وتركيا، ولكن للأسف أيضًا لا تزال السعودية تراوح موقفها، وتقدم رجلاً وتؤخر أخرى، في موقف عجيب يستحق الدراسة كنموذج لدولة في باب العلاقات الدولية تأتيها الفرصة تلو الأخرى لتحقيق نجاحات غير مسبوقة، ومع ذلك هي مترددة دائمًا، حتى يبدو للناظر وكأنها تعمل ضد مصلحتها الشخصية.

ومن الرسائل السياسية الداخلية المتعلقة بالنظام والدولة المصرية، هذا النظام الذي لا يترك فرصة إلا ويقتنصها ليبين مدى ضعفه وهشاشته، فهذا الفيلم يبين مدى ضعف وهشاشة هذه الدولة وذلك النظام العتيد الذي يتبجح بقوة أجهزته الأمنية والعسكرية، يحركه فيلم وثائقي لا يتجاوز الساعة.

لا عجب فهو نظام اعتدناه يقيم الدنيا ولا يقعدها لأجل تغريدة على تويتر أو تعليق على فيسبوك أو حتى بالونة أو مسطرة صفراوان أو أربعة أصابع، نظام يرتعد خوفًا من بضعة أطفال يخرجون في الشارع ينتقدون سياساته، أي نظام هذا؟ هذا النظام يذكرنا بقول الله تعالى في المنافقين: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}.

فهذا شأن كل مجرم يعلم من نفسه جرائمه وخطاياه، فمع كل صيحة وصوت بل وهمسة، تراه يلتفت يمنة ويسرة، يحسب ذلك عليه.