لا يخفى على أحد أن السمة المميزة للسياسة الخارجية أنها متغيرة ومتحولة، بناءً على ما تقتضيه المصالح والتفاعلات الإقليمية والدولية، ولعل التحول الجديد الذي تشهده العلاقات العراقية التركية نموذج لذلك، ومع تسليمنا النظري لهذه القاعدة العلمية، إلا أن هذا لا يمنع من أن هناك أسباب موضوعية عدة كانت سببًا في هذا التوجه التركي الإيجابي نحو تحسين العلاقات مع العراق ومنها:

أن السياسة الخارجية التركية تمر بحالة تحول تكتيكي باتجاه إعادة ترتيب أوراق اللعبة الإقليمية والدولية، وأحد مفاتيح نجاح هذا التوجه هو تحسين العلاقات مع العراق سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

العمليات العسكرية (درع الفرات) التي تقوم بها تركيا شمال شرق سوريا والتي ترتبط بحدود جغرافية طبيعية مع العراق وتحديدًا مدينة الموصل، التي تشهد عمليات تحريرها من قبضة تنظيم داعش، لما لها من تداعيات جيوأمنية على فعالية العمليات العسكرية التركية، في حالة توجه أغلب عناصر التنظيم لبعض هذه المناطق بعد فرارهم من الموصل.

إدراك القيادة السياسية التركية أنه من غير الممكن ترك الساحة العراقية فارغة أمام تعاظم النفوذ الإيراني فيها، وبالتالي فإنه لا بد من عودة جديدة قائمة على أساس التوازن في المصالح والنفوذ

أخذ تطمينات من الحكومة العراقية فيما يتعلق بمستقبل مدينة الموصل في مرحلة ما بعد داعش.

إيجاد تسوية سياسية جديدة فيما يتعلق بوجود قواتها العسكرية في معسكر بعشيقة، فضلًا عن أخذ تعهدات من الحكومة العراقية بعدم السماح للحشد الشعبي بالدخول إلى مركز مدينة الموصل.

تسوية الملفات العالقة بين الطرفين كـ(ملف الطاقة، المياه، الاستثمارات، العلاقات التجارية، العلاقة مع إقليم كردستان العراق) بالصيغة التي لا تضر مصالح الطرفين.

الضغط على الحكومة العراقية بعدم إرسال فصائل من الحشد الشعبي للقتال داخل سوريا، وبالتالي قد تجعل جهود اللجنة الثلاثية (روسيا، تركيا، ايران) محل شك وريبة، خصوصًا إذا ما وجدت إيران نفسها هُمشت من أي ترتيبات أو تسويات سياسية مستقبلية في سوريا.

لا تزال السياسة الخارجية التركية تعيش حالة من التحول الاستراتيجي

لا تزال السياسة الخارجية التركية تعيش حالة من التحول الاستراتيجي، ففي أعقاب التطورات الإيجابية الخاصة بعملية السلام في سوريا والمتضمنة وقف إطلاق النار، قام رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بزيارة رسمية إلى بغداد وأربيل خلال الفترة من 7-8 يناير/ كانون الثاني، ووفقًا للمعلومات فإن رئيس الوزراء بن علي يلدرم سيزور بغداد في البداية للقاء رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

وبعد ذلك سيتوجه إلى أربيل للقاء رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، ويُذكر أن رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو كان قد زار بغداد وأربيل في نهاية تشرين الثاني 2014، وفي وقت لاحق قام رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بزيارة رسمية إلى أنقرة في كانون الأول من نفس العام.

والملاحظ أن رئيس الوزراء التركي جعل أول زيارة رسمية له في العام 2017 للبلد الجار والشقيق العراق، وذلك لإظهار مبادئ حسن الجوار والصداقة المتبادلة، ويمكن القول إن السياسة الخارجية التركية في العام 2017 سوف تركز على تصفير وحل المشاكل الإقليمية، ولا بد من الإشارة إلى أن اعتماد السياسة الخارجية التركية هذا الخط ليس تطورًا جديدًا، فقد سبقه بذلك رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو من خلال سياسة تصفير المشاكل مع الجيران إلا أنه لم يتم تنفيذها.

وذلك لأن المشكلة الرئيسة في عدم تنفيذ هذه السياسة في المنطقة ناتج عن جهود القوى الأوروبية في اتخاذ مواقف متضاربة مع الموقف التركية والتي لم تكن تستند لأسس موضوعية في السنوات الأخيرة، خصوصًا فيما يتعلق بالمواقف الأمريكية والأوربية من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، وإظهار نوع من التعاطف معهم على حساب المواقف التركية، وعليه فإنه اعتبارًا من هذه النقطة التي شكلت "مفترق طرق" وأصبح "التغيير الاستراتيجي" لا مفر منه، والتي أدرجت على جدول أعمال السياسة الخارجية التركية، والاتجاه إلى اعتماد سياسة خارجية "فاعلة ونشطة" مختلفة عن السابق، فضلًا عن كونها مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية.

وتشير التوقعات أن تثمر هذه الزيارة عن مجموعة من الخطوات أهمها:

  1. بدء عهد جديد من العلاقات الثنائية بين البلدين.

  2. إيجاد مشتركات جديدة سياسيًا وأمنيًا واستخباراتيًا للتهديدات الأمنية المتعلقة التي تربط البلدين، وتبادل للمعلومات بخصوص مكافحة تنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني.

  3. اقتراح مساعدة العراق في النهوض الاقتصادي من خلال استغلال موارده وثرواته بشكل أفضل.

  4. إبرام عدد من الاتفاقيات في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية، فضلاً عن ملف استثمار غاز كركوك والبصرة.