الباحث المعلوماتي/ محمد حسني

 

مساعد باحث ومنسق الملف من جانب نون بوست/ أسامة الصياد

 

تناولنا بالحلقة السابقة الصراع على قطاع الصحة ومنه بدأ يتضح النمط في إدارة الصراع بهذا القطاع والمعادلة التي شرحناها بأن أي تكتل يتصارع بأي قطاع يتكون من جهاز أمني ومسؤوليين حكوميين وإعلاميين ورجال أعمال وعادة يكون إطار الصراع بين منظمة حكومية وتكتل تجاري أو صناعي كما كان الحال بين مكتب وزير الصحة المسيطر عليه من قبل الجيش ومركز تخطيط السياسات الدوائية المسيطر عليه من قبل المخابرات وغرفة الصناعات الدوائية المسيطر عليها من قبل كبار رجال الأعمال بصناعة الدواء، وتم اقتراح إنشاء هيئة عليا للدواء يتم من خلالها تسوية تلك الصراعات بمساومات ولكن فشل هذا الأمر وهو نفس الحاصل بالإطار الأكبر وهو قطاع الصناعة.

 

قطاع الصناعات بدوره تتنازعه شبكات السيطرة تبعًا لما نوهنا إليه ما بين أولاً  هيئة التنمية الصناعية التي يهيمن عليها أمن الدولة تلك المرة أو وزارة الداخلية ويتبعها مباشرة مدير الأمن بالهيئة، واتحاد الغرف الصناعية.

 

وهيئة التنمية الصناعية المفترض أنها الهيئة الحكومية التابعة لوزارة الصناعة التي تيسر سبل التصنيع من طرح أراضي للتصنيع وإقامة قاعدة بيانات باحتياجات التصنيع بمصر وإعطاء تراخيص التصنيع، إلخ، وقد أصبحت مخولة مؤخرًا بالولاية الكاملة على الأراضي المخصصة لإقامة المصانع عليها بعد موافقة مجلس النواب على هذا. 

 

وقد توسعت كثيرًا بمنح الأراضي للتصنيع وترخيص سعر المتر للأرض المخصصة كمرفق صناعي بعد قانون أقره البرلمان مؤخرًا، ويمكن المتابعة هنا من خلال صفحة الهيئة على الفيس بوك.

 

مع ملاحظة أن القطاع العقاري والأراضي هو أحد أهم القطاعات التي يهمين عليها الجيش كما بيننا مثلاً بحالة القانون المستحدث للأراضي التي يتخلى عنها الجيش، وسنبين لاحقًا في قطاع المشاريع الكبرى، وقانونًا فإن جميع الأراضي العامة تخضع لولاية الجيش ومن ثم يتخلى عما يريد ويمنحها لجهاز الأراضي بوزارة الإسكان أو الهيئة العامة للاستثمار، والآن المستحدث بعد هذا القانون أن أصبحت الأراضي المخصصة للتصنيع تتبع مباشرة لهيئة تنمية الصناعة، والملاحظ كذلك أن الأراضي الممنوحة حتى الآن هي في دمياط وبورسعيد وغيرها مما يقع بإطار محور قناة السويس ويتقاطع مع مشروع تنمية محور قناة السويس كما سنتحدث عنه بالتفصيل بحلقة أخرى.

 

 

 

على كل كان يرأس الهيئة عمرو عسل الذي كان مرتبطًا بأحمد عز صاحب مجموعة حديد عز وتمت محاكمته معه بقضية احتكار الحديد ثم تبرئته لاحقًا.

 

وحتى أشهر قليلة كان يرأس الهيئة اللواء مهندس إسماعيل جابر مدير إدارة المياه بالجيش سابقًا، وعلى الرغم من أن رئيس الهيئة ينتمي للجيش ونفوذه وسلطته الواقعية تتعدى نفوذ الوزير، فقد ظل مرتبطًا بوزارة الداخلية، ويتجلى هذا في الأزمة التي أعقبها إقالته من منصبه، فرغم أن البرلمان رفض قانون الخدمة المدنية قبل إعادة تطبيقه مؤخرًا، فقد أصر على تنفيذه بالقوة على موظفي الهيئة ظنًا منه أنه يتقرب بهذا من الرئاسة، حيث كان يتباهى بصلته المباشرة بشخص نافذ بالرئاسة والمقصود هنا اللواء عباس كامل، وأدى هذا إلى اعتصام موظفي الهيئة ومن ثم لاحق اللواء إسماعيل جابر المسؤولين عن الإضراب والاعتصام عن طريق وزارة الداخلية وعندما طلب وزير الصناعة من اللواء جابر تسوية الأزمة قال له: "خليهم يتربوا"، ومن ثم لم يعد يرد على مكالمات وزيره الذي من المفترض أنه مسؤوله!

 

ويمكن الاطلاع على تفاصيل تلك الأزمة هنا.

 

وعلى الجانب الآخر يوجد اتحاد الغرف الصناعية والشخصيات المؤثرة فيه بشكل أساسي هو أحمد صادق السويدي صاحب مجموعة السويدي للكابلات ويرأس اتحاد الصناعات قريبه محمد زكي السويدي الذي لديه مجموعة مستقلة كذلك هو عضو مجلس إدارة بالسويدي إليكتريك التي تتبعها السويدي للكابلات وهو كذلك زعيم الأغلبية بالبرلمان الحالي ورئيس لجنة الصناعة به.

 

وعائلة السويدي موزعة بين محمد وأحمد السويدي بالعديد من مجالس الأعمال المشتركة مثل مجلس الأعمال المصري البرازيلي والعراقي والإثيوبي، ولكن الأهم مجلس الأعمال المصري الأمريكي الذي سيصاحبنا بالعديد من الشخصيات المنتمية له طول هذا البحث، وكذلك المركز المصري للدراسات الاقتصادية المتفرع عن مجلس الأعمال المصري الأمريكي أو بمعنى أصح الذي يتولى مجلس الأعمال المصري الأمريكي تمويله وهو كذلك سيصاحبنا طول هذا البحث.

 

ويلاحظ كذلك أن المهندس أحمد فكري عبد الوهاب وكذلك هشام الخزندار العضو المنتدب لمجموعة القلعة عضوا بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية وكذلك عضوا مجلس إدارة بمجموعة السويدي إليكتريك.

 

وفكري عبد الوهاب هو رئيس مجموعة الفاو ومدير الشركة المصرية الألمانية للسيارات المجمعة لسيارة مرسيدس مصر، وهو كذلك وزير الصناعة السابق وعضو غرفة الصناعات الهندسية، وكما سنبين لاحقًا فإن جميع أعمال الكابلات بمشروع محور قناة السويس من تنفيذ مجموعة السويدي، وافتراضنا أن كلاً من المركز المصري للدراسات الاقتصادية ومجلس الأعمال المصري الاقتصادي مخزن الشخصيات والعقول وراء عملية التحول الاقتصادي الحالي، فلذا إذا صح هذا الافتراض فبالرجوع لأول حلقة عندما تحدثنا عن إحياء وزارة الإنتاج الحربي لشركة النصر للسيارات فتوقعنا أن هذا سيكون من خلال شركة المهندس أحمد فكري عبد الوهاب وليس مثلاً مع كبار صناعة السيارات بمصر مثل عائلة منصور.

 

عمومًا فإن من أهم المتنفذين كذلك باتحاد الصناعات خالد عبده رئيس غرفة صناعة الطباعات والأحبار السابق وعضو مجلس إدارتها الحالي وناجي الفيومي المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات ورئيس هيئة تحديث الصناعة سابقًا.

 

وتجدر الإشارة إلى أن ناجي الفيومي تمت إقالته من منصبه في أول حكومة للثورة بضغط على خلفية الفساد والارتباط بعمرو عبد اللطيف شقيق الدكتورة عبلة عبد اللطيف وجمعية المصدرين المصريين إكسبونيك التي يرأسها عمرو عبد اللطيف الذي كان متورطًا كذلك بقضية فساد ثم بُرئت ساحته منها.

 

وهذا تحقيق تكلم بالتفصيل عن الموضوع مع ملاحظة أن مساعدة وزير الصناعة والتجارة المذكورة هنا هي عبلة عبد اللطيف وشقيقها هو عمرو عبد اللطيف.

 

ومن ناحية أخرى فإن هناك تكتل آخر باتحاد الصناعات يمكن أن نسميه "تكتل الكويز" ويتزعمه جلال الزربا صاحب مجموعة النيل القابضة والمصدر الرئيسي لصناعات النسيج المصرية لأمريكا تبعًا لاتفاقية الكويز، وكان رئيس اتحاد الصناعات السابق قبل السويدي وهو كذلك عضو بمجلس الأعمال المصري البرازيلي كما السويدي، وكذلك رئيس مجلس الأعمال المصري الأمريكي من الجانب المصري بينما رئيس المجلس من الجانب الأمريكي هو جون كريستمان المدير الإقليمي لشركة أباتشي.

 

وهو كذلك عضو بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية وعضو مجلس إدارة القابضة المصرية الكويتية وعضو مجلس إدارة المقاولين العرب.

 

وبالحديث عن القابضة المصرية الكويتية فهي تعتبر شراكة بين مجموعة الخرافي الكويتية ورجل الأعمال المصري معتز الألفي صاحب مجموعة أمريكانا وعدة شركات أخرى مثل الدلتا للتأمين ومصر للدواجن، وبغض النظر عن تاريخه السابق مع جمال مبارك من حيث عضويته بلجنة سياسات الحزب الوطني وجمعية المستقبل التي شكلها جمال مبارك والمجلس الرئاسي المصري الأمريكي الذي كان يتولى الترويج لمشروع توريث جمال مبارك في دوائر الحكم الأمريكية مما يجعله في تناقض مباشر مع الجيش.

 

ولكن كما وضحنا بأول حلقة فإن مجموعة الخرافي هي أكبر شريك لمشاريع الإنتاج الحربي مثل إنتاج بطاقات ذكية وإنتاج أجهزة حاسوب مكتبي ولوحي وغيره كما سنبين أيضًا بقية تفاصيل شراكاتهم بالحلقات القادمة، ولكن مهم أن نبين كيف كانت ردة فعل بعض رأس المال الكبير على تغول الجيش الحالي.

 

فكما وضحنا كذلك بالحلقة الأولى وبالنموذج التفسيري الذي اقترحناه فالجيش يعمل بآلية بسيطة وهي "الجباية" أي أن لكي تيسر أعمالك يجب أن تدفع بحصة منها للجيش يحددها بنفسه، فأحد طرق تلك الجباية هي صندوق تحيا مصر، وقد كان هذا هو نقطة التصادم الرئيسية بين معتز الألفي والرئاسة، حيث رأى أنه من الضخامة التي تجعله لا يقبل بفرض مثل تلك الجباية عليه، فرفض التبرع لصندوق تحيا مصر، وبالعرض البصري أعددنا قائمة برجال الأعمال الذين قبلوا بالتبرع لصندوق تحيا مصر والذين رفضوا، ومن ثم نتيجة تصادمه مع الجيش فرضت عليه عدة عقوبات أهمها تخارج­­ مجموعة الخرافي من مشروع قرية مرسى علم السياحية ودخول شركة أبراج كابيتال المصرية وتخارج أمريكانا من السوق المصري، فبهذا تحدث مسألة التقزيم لمعتز الألفي تحديدًا لارتباطه المباشر بجمال مبارك وبنفس الوقت تستمر الشراكة مع قطاعات أخرى أوردنا بعضها وسنورد الباقي بالحلقات التالية.

 

وفي الغالب فإن رجل الأعمال المعارض للتبرع لصندوق تحيا مصر المقصود في هذا التحقيق الذي سبق نشره على "نون بوست" هو معتز الألفي لأن تلك الرواية عن هذا الاجتماع وردت لنا من أكثر من مصدر.

 

وبالعودة لجلال الزربا فهو مكتشف الدكتورة عبلة عبد اللطيف التي كانت مستشارة الزوربا وتتولى منصب مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية وعضو لجنة السياسات المالية بالبنك المركزي وهذا ضمن العديد من المناصب كان أهمها سابقًا رئيسة مركز تحديث الصناعات قبل ناجي الفيومي ومؤسسة شركة جودة للرقابة على المؤسسات الصناعية وعضو مؤسس بمركز بصيرة لدراسات الرأي العام الذي يتولاه ماجد عثمان الذي كان سابقًا وزير الاتصالات وكذلك مدير المركز المصري للمعلومات ودعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء وهي دوائر تخضع لهيمنة المخابرات العامة، وهي مديرة المركز المصري للدراسات الاقتصادية وتحديدًا المركز المصري للدراسات الاقتصادية كان سبب اختيارها لتكون المتنفذة بحق في القطاع الصناعي والتجاري وتكون أحد أعمدة صناعة سياسة التحول النيوليبرالي الحالية لكي يتم وصفها بحق بالمرأة التي تتحكم بالاقتصاد المصري.

 

وفي أثناء عملها كمستشار لوزير التجارة والصناعة كانت بداية اتخاذها للقرارات التي تهدف لعمل تضييقات على الاستيراد وتعويم الجنيه ودعم صادرات بعينها هي صادرات الحديد والصلب والتي تصب في مصلحة حديد عز وصلب مصر التي سبق ونوهنا أن الجيش استحوذ عليها وكذلك صناعة النسيج وتحديدًا المرتبطة بهم أي جلال الزربا ومحمد قاسم عضو منطقة الكويز كذلك والذي تجمعها به صلة مصاهرة ولديه تنافس مصالح مع علاء عرفة عضو منطقة الكويز كذلك والذي بدأ شراكة مؤخرًا مع الدولة في مجال الغاز، وكذلك دعم غرفة الصناعات الهندسية العضو بها أحمد فكري عبد الوهاب كما نوهنا أعلاه والتي هي أيضًا شريكة له، ولكن يجب أن ننوه أيضًا كذلك أن تلك القرارات أضرت مرسيدس بينز بمصر التي يديرها كذلك أحمد فكري، ولكنها مملوكة لرجل الأعمال سامي سعد، وهو ما دفع المصرية الألمانية للسيارات إلى التوقف عن نشاط تجميع سيارات مرسيدس في مصر، وتم تعليل ذلك بالظرف الاقتصادي الذي لا يسمح باستمرار النشاط في مصر.

 

وهذا أيضًا يعضد النموذج الذي اقترحناه أن الجيش في اشتباكه مع رجال الأعمال يعمل على الشراكة مع رأس المال الكبير وتقزيمه بنفس الوقت ويمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل هنا.

 

وبالحديث عن غرفة الصناعات الهندسية ننوه إلى خبر اجتماع ممثلي الغرفة مع اللواء العصار لبحث تسوية أو تفاوض على احتكار الجيش للمشاريع الصناعية سواء بالشكل الذي نوهنا إليه من خلال دور الدكتورة عبلة عبد اللطيف أو من خلال دخوله لصناعة الصلب التي نوهنا إليها في الحلقة الأولى أو مشاريعه التي صلبها وزارة الإنتاج الحربي وهذا يعضد كذلك فرضية أنه عندما يبدأ الجيش بدخول صناعة السيارات بإحياء شركة النصر سيعتمد على شراكات من داخل غرفة الصناعات الهندسية مثل المهندس أحمد فكري عبد الوهاب وليس على رأس مال أكبر مثل غبور.

 

رابعًا: حكاية نخبة رجال أعمال "أمريكا"

 

وبالحديث المتصل عن مجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية فإن مجلس الأعمال المصري الأمريكي والغرفة التجارية المصرية الأمريكية المتفرعة عنه والمركز المصري للدراسات الاقتصادية الممول من كليهما يمكن اعتبارهم عصب التخطيط للاقتصاد المصري على المستوى الكلي ويضم في تكوينه نخبة رجال الأعمال المصريين وكذلك نخبة الباحثين الاقتصاديين، ولم تحدث أي خطة تحول اقتصادي إلا وكانت من إنتاج مركز الدراسات الاقتصادية وبإشراف مجلس الأعمال المصري الأمريكي.

 

ولكي نستطيع أن نتحقق من دعاوى أطلقها بعض الناشطين السياسين مثل "لن تحكمنا أمريكا" أو أن أمريكا مهيمنة على الاقتصاد المصري، إلخ، فإن هذا حقيقي ولكن ليس بمعنى أنها تهيمن على الأسواق المصرية وإنما ببساطة أن نخبة المال والأعمال يتحدد قوتها بمدى نفوذها وقوتها داخل إطار مجلس الأعمال المصري الأمريكي وبالتبعية مدى وجود ارتباطات قوية لها داخل مجتمع المال والأعمال الأمريكي وكذلك الطبقة السياسية الأمريكية وهذا يتحول بدوره لنفوذ وارتباط بدوائر صنع السياسة المصرية وتحديدًا قطاع الدفاع والأمن تحوله نخبة رجال الأعمال المصرية إلى مزيد من النفوذ المالي، وهكذا تدور الدائرة لتضخم رأس المال وإلا فإن بيانات الأرقام المجردة تقول بأن حجم الاستثمار والتجارة البينية مع أمريكا ليست هي الأكبر ويسبقها مع الصين وكل من إيطاليا وإسبانيا وأوروبا عمومًا.

 

وبالتحقق من القائمتين أعلاه التي أوردناهما لعضوية كل من المركز المصري للدراسات الاقتصادية ومجلس الأعمال المصري الأمريكي نجد أنه بالفعل يضم كبار رأس المال والمؤسسات المالية، فهو يضم أولاً علوي تيمور ومحمد علوي تيمور أصحاب مجموعة فاروس القابضة والتي كعائلة تعتبر من أكبر خمس عائلات في قيمة رأس المال، بالإضافة لأسماء مثل ساويرس ومجموعة أوراسكوم التي بدورها لها تمثيل بكل من مجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية، وكذلك عائلة منصور التي كان منها وزير نقل مبارك، وكل من عائلة ساويرس ومنصور تحتل المراكز الأولى بقائمة أغنى رجال الأعمال العرب.

 

وبها تمثيل كذلك لمجموعتي القلعة وهيرميس المملوكتين لأحمد وحسن هيكل نجلي الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل بالترتيب وهما أيضًا ابنا أخت علوي تيمور.

 

وعلى الرغم من أن ترتيبهم المالي أدنى من الفئة الأولى أعلاه إلا أن العبرة هنا بالنسبة لهذين النموذجين ليست حجم رأس المال المملوك لهما وإنما حجم النفوذ، فتاريخيًا المجموعة المالية هيرميس هي التي أدخلت جمال وعلاء مبارك للبورصة المصرية، ولهذا كانت المجموعة المالية هيرميس مع جمال مبارك متهمان بقضية التلاعب بالبورصة التي حفظت على كل حال.

 

وكان اتصال جمال مبارك بهيرميس من خلال علاء الدين السبع الذي كان يعمل بها بهذا الوقت واستقل لاحقًا بتأسيس مجموعة بيلتون المالية وهي المجموعة التي أعدت لاحقًا خطة تعويم الجنيه المطبقة الآن، وعلاء الدين السبع بدوره كممثل لمجموعة بيلتون عضو بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية.

 

وبالنسبة لمجموعة القلعة فمقدار نفوذها متعلق بكون أولاً مشروعها الأساسي هو الربط اللوجستي مع دول حوض النيل سواء عبر نهر النيل أو عبر خطوط سكك حديد تعبر الإحدى عشرة دولة التي يجري بها النيل وهو ما يتقاطع مع صلب الأمن القومي المصري والدوائر السيادية، وهي كذلك إحدى بوابات المال الخليجي وتحديدًا السعودي والإماراتي، ومن الاستعراض أعلاه مثلاً نجد أن لديها ممثلي بعضوية مجالس إدارة العديد من الشركات مثل السويدي، إلخ، وهي أيضًا شريك مع الجيش فيما يسمى بمشاريعه القومية كما سنبين عند تناول تلك المشاريع القومية، والأهم أنها إحدى المجموعات الجاهزة للدخول بمشاريع الطاقة عندما يبدأ تخصيص هذا القطاع كما سنتناول أيضًا عند الحديث عن قطاع الطاقة.

 

وبعضوية المركز المصري للدراسات الاقتصادية نجد اسم آخر مهم وهي دينا الخياط عن مجموعة لازارد سابقًا أو مديرتها بمصر وهي كذلك تأتي بخلفية من الانتقال الوظيفي بين هيرميس وأوراسكوم، أهمية الانتباه لهذا الاسم أن مجموعة لازارد هي المسؤولة تمامًا عن عملية "الإصلاح الاقتصادي"، ونعني هنا جميع أجزاء تلك الخطة من تعويم الجنيه وتحرير الأسواق المصرية وإلغاء الدعم وخصخصة الأصول المصرية وجلب استثمارات من خلال مؤتمر شرم الشيخ ويورومني، إلخ، ومسؤوليتها عن تلك العملية كانت بتوصية مباشرة من سلطان الجابر وزير الدولة الإماراتي وهو المعني بالاتصال السياسي بين دولة الإمارات والنظام السياسي لمصر ويعمل "خبراء" لازارد بتنسيق مباشر مع اللواء عباس كامل.

 

وهذا تحقيق عن الموضوع وإن كان يميل لألفاظ مبالغة عن الدور التآمري لرأس المال اليهودي العالمي نظرًا لأن مجموعة لازارد تحسب ضمن هذا الرأس مال اليهودي.

 

وكذلك يجب الانتباه لشخصيات أخرى بمجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية مثل حلمي طاهر المقرب من سوزان مبارك والذي كان أصغر عضو بفريق تفاوض استرداد طابا وعلاقته مع السلطة بدأت من هنا ثم أسس مكتب محاماة بأمريكا جعله قريب من دوائر صنع القرار الأمريكية وعالم المال والأعمال بأمريكا وهو مكتب بيكر آند ماكينزي للمحاماة ويعد أكبر مكتب محاماة بالشرق الاوسط، ولعب دورًا رئيسيًا بعمليات الخصخصة بفترة عاطف عبيد بالتسعينيات، ومن ثم سهل دوره التأسيسي بمجلس الأعمال المصري الأمريكي وكذلك المركز المصري للدراسات الاقتصادية وأيضًا غرفة التجارة المصرية الأمريكية التي كان يرأسها وكذلك المجلس الرئاسي المصري الأمريكي السابق الإشارة إليه والذي كان أيضًا بعضويته رجل صناعة السيراميك محمد أبو العينين صاحب مجموعة سيراميك كليوباترا والذي أُسس باإشراف من جمال مبارك وكان مهمته السياسية الترويج لتوريث جمال مبارك الحكم كما أسلفنا.

 

وهذه نبذة مختصرة عن حلمي طاهر وعلاقته بالولايات المتحدة من خلال العديد مما يرؤسه ويديره.

 

وما نود أن نلفت إليه الانتباه بهذا التحقيق هو معلومة أن الجهاز المركزي للمحاسبات كان قد أسند لمكتب بيكر آند ماكينزي الذي يرؤسه حلمي طاهر مهمة استرداد أموال عائلة مبارك بالخارج بعد الثورة مباشرة!

 

فكما وضحنا بالمقدمة علاقة الجيش والاقتصاد هي مدخل لفهم كيف تدار الدولة المصرية عمومًا، فإن هذه هي أحد الأوجه التي ستقابلنا لاحقًا بالحلقات التالية، وهي استخدام جهاز الكسب غير المشروع كأداة من أدوات ضبط علاقة الجيش برجال الأعمال وهذا بدوره في نطاقه الأوسع هو أحد أوجه ميكانيزمات العلاقة بين قطاع الدفاع والأمن ومؤسسة القضاء.

 

على كل فحلمي طاهر الآن هارب نتيجة أن سياسة الدولة المصرية تحت قيادة عبد الفتاح السيسي هي تهميش أو إبعاد المرتبطين مباشرة بعائلة مبارك ثم استخدام بقية شبكاتهم وتوظيفها لهذا، فالمجلس الرئاسي المصري الأمريكي لم يعد له تلك الأهمية ولكن أعضاءه احتفظوا بأهميتهم كأبو العينين مثلاً الذي لعب دورًا مهمًا في الترويج لحصول مصر على قرض صندوق النقد في نيويورك وواشنطن وإن لم يكن الأهم كما سنبين لاحقًا.

 

وبالتأكيد على فكرة تحول دائرة نخبة الأعمال المرتبطة بأمريكا لدائرة تتعدى الاقتصاد إلى السياسة العليا للدولة وكذلك التأكيد على منطق الجباية، ويأتي هذا الخبر الذي يفيد بوجود شقاقات بين حلمي طاهر والدكتور أحمد كمال أبو المجد الرجل الثاني بمكتب محاماة بيكر آند ماكينزي نتيجة سعي الدكتور كمال أبو المجد لاستمرار اتصاله مع جماعة الإخوان وطرح وساطة بينهم وبين النظام وهو ما يراه حلمي طاهر يضر بفرصه لكي يعود إلى شبكة الأعمال المرضي عنها من قبل القيادة السياسية الحالية، والجزء "الهزلي" من الخبر هو أن حلمي طاهر استوعب فكرة الجباية التي يمارسها الجيش وتبرع لصندوق تحيا مصر بـ2 مليون دولار وهو ما اعتبره القائمون على الصندوق مبلغًا هزيلاً وليس كافيًا حتى يتم الرضا عنه!

 

الشاهد أن تلك الدوائر الثلاثة أي مجلس الأعمال المصري الأمريكي وغرفة التجارة المصرية الأمريكية والمركز المصري للدراسات الاقتصادية كانت قاعدة الأساس التي تحكم عالم الأعمال والاقتصاد بمصر ربما منذ أن بدأ التأسيس للجمهورية الثانية بمصر بعد حرب أكتوبر أو ما يعرف بنظام كامب ديفيد ومن ثم يتفرع منها ما يناسب كل نظام حاكم، فمنها خرج بفترة مبارك رجال أعمال الكويز والمجلس الرئاسي المصري الأمريكي ولجنة سياسات الحزب الوطني، وهي الآن التي يستخدم السيسي ومن ورائه الجيش أعضاءها، فاستخدم منها الدكتورة عبلة عبد اللطيف كمستشارته للاقتصاد وكذلك أحمد جلال وزير المالية بأول حكومة بعد 30 من يونيو وهي حكومة الدكتور حازم الببلاوي وشغل أيضًا لفترة مدير المركز المصري للدراسات الاقتصادية.

 

فيمكن أن نوصف أن تلك الدوائر الثلاثة هي الآن معادل لجنة سياسات الحزب الوطني ولكن تحت شريطة أن يوظف الجيش تناقضاتهم لصالحه كالتناقض الذي نوهنا إليه بين السويدي والزوربا وبين علاء عرفة ومحمد قاسم وكما سيتضح بالحلقات التالية عند تناول بقية القطاعات، والأهم أن يصبح الجيش هو النواة الأساسية التي تحركهم، كما يتضح بنموذج أو خبر اجتماع غرفة الصناعات الهندسية مع العصار لكي "يتوسلوا" إليه ألا يتغول عليهم الجيش بقدر أعلى من المطلوب!

 

 لقراءة موضوعات ملف جنرالات الذهب كاملة اضغط هنا