من التحيز لنظام الأسد واتهام الثوار بالعمالة في بداية الأزمة، إلى دعم المعارضة السياسية وتهيئتها لتولي زمام الأمور، مرورًا بتبني خيار الانتقال السلمي التدريجي للسلطة، ثم العودة إلى المربع رقم واحد حيث تأييد الموقف الروسي الداعم للنظام الحالي.. تلك كانت أبرز ملامح التحول الدراماتيكي في الموقف الأردني تجاه الأزمة السورية.

التحول الذي وصفه البعض بـ"الانقلاب" هو في الأصل نتاج عملي لمقدمات قد مهدت له طيلة الأيام الماضية، كما أنه جاء بالتزامن مع زيارة العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، للولايات المتحدة وروسيا نهاية يناير الماضي، ليضع العديد من التساؤلات حول أسباب ودوافع هذا التحول وأبرز ملامحه، واستراتيجيات عمًان للعودة للمشهد السوري مرة أخرى، ثم السؤال الأكثر حضورًا: لماذا الآن؟

دور غامض

منذ اندلاع الأزمة السورية لعب الأردن دورًا وصفه البعض بـ"الغامض" بينما رآه آخرون بـ"الساعي لإرضاء جميع الأطراف" حيث تميز بـ "البراجماتيكية العميقة"، وبالرغم من تأرجح الموقف بين الحين والآخر، إلا أنه في نهاية الأمر يصب في صالح دعم نظام الأسد، وهو ما وصل إليه الموقف الأردني في محطته الأخيرة.

والمدقق لمحطات الخارجية الأردنية في تقييمها للموقف السوري يجد أن سلطة عبدالله الثاني قد اتخذت أربعة مواقف متباينة، تم التعاقب بينها تبعًا لتطورات المشهد الداخلي والخارجي هناك في دمشق.

الأول: دعم نظام بشار الأسد، وهو ما اتضح منذ بداية الأزمة، حيث أعلنت عمّان عن دعمها الكامل للنظام السوري القائم ورفضها لما أسمته بـ "الفوضى" حينها، واتهمت المعارضة السورية بالعمالة وأنها تعمل لحساب أجندات خارجية، وهو ما انعكس سلبًا على علاقاتها الخليجية.

الثاني: الانتقال السلمي التدريجي للسلطة، فبعد تطورات الأحداث في المشهد السوري خلال الثلاث سنوات الأولى من اندلاع الثورة، لم يجد الملك عبدالله الثاني أمامه إلا التراجع خطوة للخلف، وإعادة حساباته مرة أخرى، ومن ثم تحول الموقف الأردني من الدعم المطلق لنظام بشار الأسد إلى إعطائه فرصة إكمال دورته الرئاسية الحالية وإجراء انتخابات رئاسية بعدها يعقبها انتقال سلمي للسلطة، مع التأكيد على رفض دعم المعارضة أو الاشتراك في أي عمل عسكري ضد جيش النظام.

الثالث: دعم المعارضة السياسية، فبعد انسحاب القوات الروسية - شكليًا - من الأراضي السورية، منتصف العام الماضي، وما تلاه من لقاءات مكثفة بين الجانبين الروسي والأمريكي بشأن ضرورة خروج الأسد من المعادلة، والبحث عن انتقال سلمي للسلطة يضمن مشاركة كافة الإطراف، رأت الأردن أنه من الأفضل العودة للوراء خطوة أخرى، لتعلن استعدادها لدعم المعارضة المدنية سياسيًا، في مواجهة التيارات المتطرفة.

الرابع: العودة للمربع رقم واحد مرة أخرى، حيث دعم التوجه الروسي بكل ما يشتمل عليه من تفاصيل بشأن مستقبل سوريا ونظام الأسد، خاصة بعد فرض موسكو كلمتها على مقادير الأمور داخل سوريا عقب تراجع الدور الأمريكي بشكل فتح المجال للدب الروسي للعزف المنفرد دون منافس.

العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز ونظيره الأردني عبدالله الثاني

تصاعد العمليات الإرهابية

لا يمكن الحديث عن تحول الموقف الأردني حيال الأزمة السورية بمعزل عن العمليات الإرهابية التي تعرضت لها المملكة في الآونة الأخيرة لاسيما الخاصة بالمناطق الحدودية مع الجنوب السوري، حيث تعرضت المملكة لما يقرب من 6 جرائم إرهابية خلال العام الماضي فقط، استهدفت في معظمها عسكريين أردنيين، أرجعها البعض للموقف الأردني "المحايد" في التعامل مع الملف السوري، وفيما يلي أبرز تلك الحوادث:

1-هجوم الكرك في 18 ديسمبر 2016:  حين هاجم مسلحون، بعض مواقع التمركز الأمني في محافظة الكرك، جنوبي البلاد، بالرصاص، ثم تحصنوا داخل قلعة الكرك التاريخية، وتبادلوا إطلاق النار مع قوات الأمن التي هرعت إلى المكان، مما أسفر عن سقوط 10 قتلى بينهم 7 رجال أمن وسائحة كندية وإصابة 28 آخرين.

2-هجوم البقعة في 6 يونيو 2016: حيث هاجم مسلح مركزا للمخابرات الأردنية قرب مخيم البقعة شمال عمان، وأوقع الهجوم 5 قتلى من عناصر المخابرات.

3-هجوم مخيم الرقبان في 21يونيو 2016: حيث وقوع انفجار بالقرب من مخيم الرقبان للاجئين السوريين قرب الحدود الأردنية، أسفر عن مقتل 6 عسكريين أردنيين.

4-خلية إربد في 2مارس 2016: حيث قتل ضابط أردني و7 متطرفين في تبادل لإطلاق النار بمدينة إربد شمالي الأردن، فيما أطلق عليها "خلية إربد".

هجوم الكرك الذي أسفر عن سقوط 10 قتلى من بينهم 7 من رجال الأمن

تغير الخطاب الأردني

منذ حرق تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" للطيار الأردني، معاذ الكساسبة، في 3 فبراير 2015، غابت عمًان بصورة كبيرة عن دائرة الصراع السوري، وظلت حبيسة نهجها الحيادي المعروف خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، إلا أنها ومع بداية هذا العام عاودت الظهور مجددًا على الساحة بلغة مختلفة، وخطاب سياسي وإعلامي غير مسبوق.

في تقرير نشرته "القدس العربي" تعليقًا على استهداف طائرة أردنية بدون طيار، لمواقع تابعة لتنظيم الدولة في جنوب سوريا الأحد الماضي، أشارت فيه إلى تغير اللغة المستخدمة، حيث استخدم الإعلام الرسمي الأردني ولأول مرة مصطلح "الجيش العربي السوري" بدلا من "جيش النظام"، وأن القاعدة المستهدفة انتزعها التنظيم من جيش الأسد، ما يشير إلى تنسيق وتعاون عسكري بين الجانبين، الأردني والسوري.

استراتيجيات العودة

العديد من الاستراتيجيات التي اتخذتها الإدارة الأردنية للعودة للمشهد السوري من جديد، بما يسمح للمملكة بوضع قدم لها في دائرة الأزمة حفاظًا على أمنها القومي ناحية الجنوب السوري، وقد تنوعت تلك الاستراتيجيات والوسائل المعتمدة من قبل العاهل الأردني مابين سياسية وعسكرية.

أولا: الإستراتيجية السياسية

بعد غياب طويل هاهي الأردن تعود من جديد لمنصات التفاوض بشأن مستقبل الأزمة السورية، حيث شارك عدد من خبراء من الأردن والأمم المتحدة في اجتماعات "أستانة" أمس الاثنين لبحث سبل الخروج من المستنقع الدموي، وإيجاد حل سياسي للأزمة

مشاركة الأردن في اجتماع الأمس الذي جاء تحت رعاية لجنة العمليات الروسية التركية الإيرانية، لمراقبة وقف الأعمال العدائية في سوريا، ووضع تدابير للتحكم ومنع انتهاكات اتفاق وقف إطلاق النار، وتعزيز الثقة بين الحكومة السورية والمعارضة، وبحث مسألة المساعدات الإنسانية، تعد اعترافًا ضمنيًا بما آلت إليه الأوضاع على أرض الميدان سوريًا، في ظل حزمة من المستجدات التي فرضت نفسها خلال الفترة الأخيرة.

ثانيًا: الإستراتيجية العسكرية

استغلت الأردن الذكرى الثانية لحرق الكساسبة لتقديم نفسها بأسلوب جديد كأحد القوى الإقليمية المحاربة للإرهاب والداعمة للتوجه الأمريكي الروسي في القضاء على تنظيم الدولة، حيث أعلن الجيش الأردني في بيان له أن مقاتلات سلاح الجو الملكي ضربت مواقع لـ "داعش" جنوب سوريا، وقالت القوات المسلحة الأردنية: إن طائرات من سلاح الجو الملكي الأردني، ولذكرى شهدائنا الذين قضوا في حربنا ضد الإرهاب، دكت مساء الجمعة أهدافًا مختلفة لتنظيم  "داعش" في الجنوب السوري، منها موقع عسكري كانت قد احتلته، وكان يعود سابقًا لجيش النظام.

بيان الجيش الأردني أضاف أنه تم تدمير مستودعات للذخيرة ومستودع لتعديل وتفخيخ الآليات وثكنات لأفراد تنظيم الدولة باستخدام طائرات بدون طيار وقنابل موجهة ذكية، وأدت العملية إلى قتل وجرح العديد من عناصر العصابة الإرهابية إضافة إلى تدمير عدد من الآليات.

اللواء العبادي: الطائرات الأردنية قادرة على الوصول إلى العمق السوري، ولا أعتقد أنها دخلت بدون علم النظام السوري، أو تنسيق مسبق معه

هجمات الجيش الأردني على تنظيم الدولة في الجنوب السوري لم يقابلها تعليق من قبل نظام الأسد، ما فسره البعض بأن هناك ارتياح ضمني لمثل هذه العمليات، وهو ما دفع عدد من المحللين إلى ترجيح مسألة التعاون الإستخباراتي العسكري بين الجيش الأردني وجيش النظام في سوريا، في تحول غير مسبوق للمواقف المسبقة.

فمن جانبه قال المحلل العسكري، اللواء المتقاعد محمد فلاح العبادي، إن "الغارة الجوية تمت بالتنسيق مع الجانب السوري، وحملت رسائل في طياتها، وخصوصا أنها أتت في ذكرى مقتل الطيار، معاذ الكساسبة، التي صادفت الجمعة".

العبادي يرى أن هناك تنسيقًا في الفترة الأخيرة بين الأردن والنظام السوري، لافتا إلى أن "الطائرات الأردنية قادرة على الوصول إلى العمق السوري، ولا أعتقد أنها دخلت بدون علم النظام السوري، أو تنسيق مسبق معه".

سلاح الجو الملكي الأردني تقصف مواقع تابعة لتنظيم الدولة بجنوب سوريا

لماذا الآن؟

 " إن أهمية توقيت الزيارة، مقارنة بغيرها من الزيارات، أنها جاءت بعد حسم النظام وحلفائه معركة حلب، والانتقال إلى أستانة، إضافة إلى أنها تتزامن مع تركيز العمليات القتالية في سورية على إخراج الجماعات الإرهابية خارج الأرض السورية، الأمر الذي سيكون له انعكاساته على الأردن في مناطق الجنوب السوري المتاخم للحدود الأردنية..بهذه الكلمات علقً الكاتب والمحلل السياسي عامر السبايلة، على زيارة العاهل الأردني لروسيا نهاية يناير الماضي.

السبايلة في تصريحات صحفية له  لفت إلى أن التنسيق مع روسيا يضمن للأردن استدامة قنوات الاتصال مع النظام السوري التي أصبحت ضرورية، على حد قوله، مضيفًا: "لا يوجد ما يمنع أي دولة اليوم من أن تخوض تجربتها الخاصة بإعادة تموضعها في ما يتصل بتحالفاتها وعلاقاتها الخارجية، مبررًا دوافع عمًان في التحول نحو موسكو بأن "المملكة في أمس الحاجة لتنويع خياراتها بما يضمن أمنها ويعالج مشكلاتها الاقتصادية".

نوفل: الأردن يسعى من خلال التحركات الجديدة التي تقودها روسيا في الساحة السورية إلى إيجاد دور رئيسي له في ظل ضعف الدور الأمريكي 

وفي تعليقه على التحركات الأردنية الأخيرة، قال أستاذ العلاقات الدولية الدكتور أحمد سعيد نوفل: إن التنسيق الروسي الأردني عاد للنشاط بشكل أكبر خلال الأشهر القليلة الماضية وخاصة في الكثير من القضايا المرتبطة بسوريا.

نوفل في تصريحات له  أشار إلى أن الأردن يسعى من خلال التحركات الجديدة التي تقودها روسيا في الساحة السورية إلى إيجاد دور رئيسي له في ظل ضعف الدور الأمريكي منذ إدارة باراك أوباما والتوجهات المتوقعة للرئيس الجديد دونالد ترامب، مشددًا على ضرورة أن يبحث الأردن عن حلفاء جدد لضبط الجانب الأمني على طول حدوده مع سوريا ولا يبقى في خانة الدور الأمريكي الذي ثبت فشله في ضبط الأمور في سوريا ولعب دور قوي.

وأوضح أن الزيارة الملكية إلى موسكو تسعى لاستباق الأحداث والتنسيق مع الروس على إدارة الوضع الأمني جنوب سوريا لمنع انتقال أي عناصر مسلحة تتبع جماعات جهادي إلى الداخل الأردني.

يبدو أن الأردن التي يتعلق أمنها واستقرارها بالعديد من الاحتمالات السياسية والعسكرية لاسيما في النطاق الإقليمي المجاور لها، حريصة اليوم أكثر من أي وقت مضى على التواصل بشكل مباشر مع من يملك الكلمة والقرار في تحريك أو وقف تلك الاحتمالات، وهو ما يدفعها إلى البحث عن شراكة عسكرية وسياسية مع الجانب الروسي، يضمن لها مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها من جانب، وفتح نافذة اتصال مع النظام السوري، تضمن الحفاظ على أمن حدودها الشمالية، واستقرار الأوضاع العسكرية في الجنوب السوري، من جانب آخر.