كثر الحديث مؤخرًا في الشارع المصري ووسائل الإعلام المختلفة الدولية والمحلية، عن صعود قيمة الجنيه مقابل الدولار، حيث هبط الأخير من متوسط 19 جنيهًا ليسجل في المتوسط 16.55 جنيه في بداية تعاملات اليوم.

كيف يتم تحديد سعر صرف العملة؟

في ظل النظام الذهبي (تقويم العملة بالذهب) كانت أسعار صرف العملات تتحدد انطلاقًا من العلاقة بين المقابل الذهبي للعملة مقارنة مع العملات الأخرى، وفي ذلك الوقت كانت أسعار الصرف تتمع بقدر كبير من الثبات، وتقلباتها تنحصر ضمن حدود ضيقة وهي حدود دخول وخروج الذهب.

بعد انقطاع العلاقة بين النقود الورقية والذهب، لم يعد للمحتوى الذهبي للعملة أي دور في سعر صرفها.

تقاس قوة العملة اليوم، وفقًا لنظرية تعادل القوة الشرائية "نظرية ريكاردو"، وتركز على مبدأ بسيط مفاده أن قيمة العملة تتحدد على أساس قدرتها الشرائية، ومن ثم فإن سعر الصرف التوازني يجب أن يعبر عن تساوي القدرة الشرائية الحقيقية للعملتين المعنيتين.

بمعنى، على سبيل المثال سلعة ما في سوق الولايات المتحدة تساوي 10 دولارات وذات السلعة تساوي في السوق المصري 100 جنيه، هذا يعني أن السعر العادل للجنيه مقابل الدولار يساوي 10 جنيهات.

الأموال الساخنة هي أموال فائضة عن حاجة المستثمرين في أسواق خارجية تمكنهم من المضاربة في بورصات الدول النامية بهدف جني أرباح سريعة ثم تخرج من السوق بمجرد حدوث أي هزة اقتصادية بعد أن تكون قد قامت بتسييل ممتلكاتها

لكن منذ تحرير سعر الصرف، خضع تحديد سعر صرف الجنيه لآلية العرض والطلب، فكلما زاد الطلب على الدولار في ظل ثبات عوامل أخرى (ثبات دخل المصادر الدولارية كالسياحة وغيرها) ارتفع سعره مقارنة بالجنيه، فمثلاً ارتفاع الواردات يؤدي إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية التي تدفعها مقابل الواردات.

مصادر مصر الدولارية

لم تشهد مصادر مصر الدولارية (السياحة، تحويلات المصريين العامليين بالخارج، قناة السويس، استثمارات أجنبية مباشرة، صافي الصادرات)، تحسنًا يبرر انخفاض قيمة الدولار مقابل الجنيه، مكتفيةً بتحسن طفيف نسبيًا في بعض المصادر.

لم تنتعش السياحة بعد على الرغم من المحاولات المبذولة من القائمين عليها أخيرًا، حيث أظهرت مؤشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع حجم الخسائر التي تكبدها قطاع السياحة خلال العام الماضي إلى 5 مليارات و406 ملايين و750 ألف دولار، نتيجة تراجع إجمالي أعداد السائحين إلى 558 ألف سائح منذ نهاية أكتوبر 2015 وحتى ديسمبر 2016 مقابل 10 ملايين و571 ألف سائح في الفترة المناظرة من العام السابق، بانخفاض قدره 10 ملايين و12 ألف سائح خلال عام.

كذلك تراجعت حصيلة إيرادات قناة السويس 3.3% بنهاية عام 2016 مسجلة خمسة مليارات دولار مقابل 5.2 مليارات دولار خلال العام السابق، وفقا لـ"بوابة معلومات مصر" التابعة لمجلس الوزراء.

أما تحويلات المصريين العاملين بالخارج فلم تشهد تغيرًا، حيث بلغت عائدات العمالة المصرية 20 مليار دولار خلال عام 2016، وهو ما بلغته الحصيلة خلال عام 2015، بيد أن عدد العاملين بالخارج يبلغ نحو 12 مليون مصري، وهذا الرقم لا يتناسب مع هذا العدد، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن تحويلات العمالة المصرية انتعشت بعد قرار التعويم، حيث ارتفعت بنسبة 11.8% في الربع الأخير من العام الماضي.

بينما قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على أساس إجمالي إلى 12.5 مليار دولار خلال العام الماضي، وتراجع عجز الميزان التجاري بنسبة 17.4% بنحو 42.64 مليار دولار مقابل 51.6 مليار دولار عام 2015، بعد ارتفاع الصادرات 8.65% وانخفاض الواردات 10.56%، حيث بلغت حصيلة الصادرات 20.285 مليار دولار، في مقابل 18.670 مليار دولار في 2015، بينما تراجعت الواردات إلى 62.925 مليار دولار من 70.277 مليار دولار في 2015.

بالنظر لنتائج المصادر الأساسية للدولار في مصر خلال عام 2016، نجد أن هذه النتائج لا تستطيع أن تفسر سبب ارتفاع قيمة الجنيه مقابل الدولار، إذًا ما الأسباب الحقيقية وراء انخفاض الدولار؟

الأموال الساخنة

رجح خبراء ومصرفيون أن السبب الرئيس خلف هبوط قيمة الدولار عائد إلى الأموال الساخنة التي تلقاها البنك المركزي في الآونة الأخيرة، حيث ساهمت هذه الأموال في زيادة المعروض الدولاري وسط انخفاض في الطلب بسبب الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة للحد من الاستيراد.

الأموال الساخنة هي أموال فائضة عن حاجة المستثمرين في أسواق خارجية تمكنهم من المضاربة في بورصات الدول النامية "الاقتصادات الناشئة" بهدف جني أرباح سريعة ثم تخرج من السوق بمجرد حدوث أي هزة اقتصادية بعد أن تكون قد قامت بتسييل ممتلكاتها.

منذ تحرير سعر الصرف، خضع تحديد سعر صرف الجنيه لآلية العرض والطلب، فكلم زاد الطلب على الدولار في ظل ثبات عوامل أخرى (ثبات دخل المصادر الدولارية كالسياحة وغيرها) ارتفع سعره مقارنة بالجنيه

أهم مميزات هذه الأموال تحقيق السيولة النقدية في الأجل القصير، وزيادة حجم التعاملات المالية، أما عيوبها فيأتي على رأسها تحقيق أرباح لمستثمرين مغامرين ومحترفين على حساب صغار المتعاملين في سوق المال، كما أن حركة الأسهم التي تبدو نشطة بسبب الأموال الساخنة تعطي توجهات غير حقيقية عن السوق كما تعطي انطباعات غير حقيقية عن حجم المشروعات، والوضع الاقتصادي، مما يـؤدي إلى عدم وجود تفسيرات اقتصادية لحركة السوق وصعود وهبوط الأسهم.

في مزاد المالية الأسبوع الماضي لطرح سندات خزانة بقيمة 12 مليار جنيه، لسد عجز الموازنة العامة للدولة، بلغت نسبة المكتتبين من الصناديق الخارجية على هذه السندات 97% أي ما يعادل 650 مليون دولار.

بمعنى أن سوق تعاملات العملة تلقت 650 مليون دولار تم تحويلها للجنيه لاستثمارها في سندات الخزانة بسعر دولار في المتوسط 18 جنيهًا للاستفادة من معدل الفائدة المرتفع على هذه السندات، وعادةً ما تتراوح نسبة هذه السندات بين 6 أشهر إلى سنة، وبالتالي فإن هذه الأموال ستغادر مرة أخرى بعد الاستفادة من معدل الفائدة المرتفع مقارنة بدول المنشأ لهؤلاء المستثمرين، فضلاً عن الاستفادة من فرق العملة وقت بيعه بـ18 جنيهًا وسعره الحالي.