منعت الإمارات العربية المتحدة طائرة الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي من الهبوط في مطار عدن الدولي، ورفضت تنفيذ قرارات رئاسية له في تغيير مدير مطار عدن الدولي ومناصب حكومية في عدن، وهو ما يثير تساؤلات عن دور الإمارات في التحالف العربي الذي تقوده السعودية في حربها على اليمن، وأهدافها التي تسعى لتحقيقه في العاصمة الاقتصادية والتجارية المطلة على باب المندب، وفيها من أكبر الموانئ في المنطقة (موانئ عدن).

الإمارات العربية المتحدة الدولة رقم 2 في التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية في حربها على اليمن من أجل "إعادة الشرعية"، قصفت يوم الأحد 12 فبراير قوات الحماية الرئاسية التابعة للرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي الذي تقول إنها تقاتل من أجل إعادته لحكم البلاد، وهو ما يخالف بنود وأساسيات التحالف، ويثير العديد من علامات الاستفهام حول دورها وأهدافها في البلد المنكوب.

وبالرغم أن الإمارات العربية المتحدة تولت زمام معركة الساحل الغربي لليمن بعد فشل المملكة العربية السعودية والقوات الموالية للرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي، وتحقيقها تقدم طفيف في الشريط المطل على البحر الأحمر وباب المندب ( ذوباب وكهبوب والمخا)، إلا أن الاشتباكات الأخيرة ومواقفها من الرئيس اليمني يظهر ملامح لسيناريوهات قادمة في المنطقة سنحاول قراءتها في هذا الموضوع.

ربما يشتد الصراع في اليمن إذا لم تستطع المملكة العربية السعودية من تأجيل هذا الصراع إلى ما بعد التسوية السياسية أو الانتهاء من الحرب

لا شك أن لتلك الاشتباكات تأثير سياسي وعسكري واقتصادي ولها سيناريوهات على الصعيد المحلي والدولي للنظرة إلى عدن لاسيما مع حماس الرئيس الأمريكي الجديد لوضع اليمن ساحة نارية لتصفية "وهم الصراع" الإيراني الأمريكي، من خلال الصناعة الإماراتية لقوات مضادة من السلفيين الجهاديين ضد جماعة إخوان اليمن والقوات الموالية لهادي والأحزاب التي تنادي للحفاظ على وحدة اليمن.

وقبل أن ندخل في تفاصيل ذلك اللقاء، لابد من الإشارة إلى خلفية معركة عدن وأهمها للإمارات العربية المتحدة التي خسرت عقد تشغيل موانئ عدن الدولي، بعد أن اكتشفت السلطات اليمنية أنها تعمل على تدميرها لصالح موانئ دبي العالمية.

أهداف خفية إماراتية

تعتبر الإمارات العربية المتحدة أن باب المندب هو امتداد طبيعي لأمنها القومي (موانئ دبي العالمية) التي طورتها على حساب إضعاف هذا الممر وممرات أخرى في الإقليم، وبذلك حاولت أكثر من مرة أن تحصل على إدارة الموانئ في عدن لكنها لم تفلح في جولات عدة عدى في شهر نوفمبر 2008 عندما وافق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح بإبرام اتفاقية لما أسموه وقتها بـ"تطوير الميناء".

استلمت شركة مواني دبي العالمية ميناء المعلا للحاويات ومحطة كالتكس في 1-11-2008م حسب اتفاقية الشركة المنصوص فيها على أن تكون 50% لمؤسسة موانئ خليج عدن و20% لشركة دبي و30% لرجل الأعمال بقشان، وعلى الرغم من امتلاك شركة دبي 20% إلا أنه تم منحها إدارة التشغيل بامتياز دون أي منافس وحق التصرف في المحطتين "كالتكس والمعلا"، لكنها لم تف بالاتفاق المبرم مع الحكومة اليمنية في تطوير الميناء، إلى أن تهالكت أدواته بالكامل، وعملت في نفس الوقت على تطوير موانئ دبي وتحويل الباخرات والسفن العملاقة التي تريد الصيانة إليها.

تم تجديد العقد في عام 2012 مع الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي، الذي طالب موانئ دبي بالتفاوض وإضافة شروط جديدة، لكن الأخيرة رفضت وكان ذلك سببًا في إلغاء الصفقة.

ومع إعلان السعودية تكوين تحالف عسكري "عاصفة الحزم" بمشاركة الإمارات ودول خليجية أخرى، كانت أنظار الإمارات تتجه صوب عدن والموانئ بصورة خاصة من أجل السيطرة عليها، وبسط نفوذها لضمان السيطرة عليها واستعادة أمجاد الاحتلال البريطاني، ولذلك كانت الدولة السباقة في إرسال قوات عسكرية وقادت الهجوم البرمائي على عدن في صيف العام 2015، حتى بعدما رفض الأمريكيون طلبهم بمساعدة القوات الخاصة الأمريكية.

إن القتال على ساحل البحر الأحمر وإغلاق مطار عدن الدولي نتيجة اختلاف الإمارات العربية المتحدة مع الرئيس هادي، يفاقم من الأزمة الإنسانية اليمنية المتردية في الأصل، ويعرض حياة الملايين للخطر وربما للموت جوعًا

وبعد أن سيطرت على عدن، تعاونت مع قوات انفصالية بعضها مدعومة من إيران وأخرى مكونة من قوات محلية تم تدريبها في الإمارات للسيطرة على الوضع الأمني، وبدأت تحارب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن) على اعتبار أنهم من أدوات الرئيس اليمني السابق، فضلا عن إشرافها على ترحيل أبناء الشمال من عدن إلى مناطقهم على اعتبار أنهم (من تنظيم القاعدة أو أدوات لها) كما أطلق عملائها في عدن على ذلك.

تمكنت الإمارات من ترسيخ قوتها وسيطرتها على مطار، واستمالت الجماعات الجهادية من السلفيين لعداء الإخوان المسلمين، وعملت توازن بين القوى المحلية وغذت إلى أفكارهم أهمية انفصال عدن (الخليجية) عن اليمن، وفي نفس الوقت عملت على تمديد قواتها صوب حضرموت وسقطرى في البحر العربي ساعية منها لبناء قواعد عسكرية هناك.

وبعد النجاح الذي حققته عسكريًا في عدن والشريط الساحلي، شعت الإمارات بالضغط على الرئاسة المنية بتوقيع عقد لمدة 99 عامًا من خلاله يتم تحويل جزيرة سقطرى اليمنية إلى قاعدة عسكرية إماراتية وإدارة الموانئ البحرية اليمنية لنفس المدة، وهو ما رفضته المملكة العربية السعودية وحثت هادي بعدم قبول ذلك.

حاولت الإمارات مرة أخرى بعد عودة هادي إلى عدن، بإرسال عبد الله بن زايد إلى هادي، وبطائرة هبطت في فناء القصر الذي يمكث فيها هادي دون علمه إلا حين وصوله قبل ربع ساعة، إلا أن هادي رفض مقابلته.

ميلشيا انفصالية موالية للإمارات ساهمت في السيطرة على عدن

هذا الموقف كان كفيلًا بأن تمنع الإمارات العربية السعودية الرئيس هادي من العودة إلى عدن بعد زيارة قصيرة إلى كل من قطر والسعودية، لكن طائرته هبطت في سقطرى.

هذا الموقف جعل الرئيس هادي يصدر قرارًا بتغيير السلفي الجهادي صالح العميري الذي رقته الإمارات من إمام مسجد وقيادي سلفي قبل اندلاع الحرب، إلى رتبة مقدم وعُين على رأس كتيبة ضمن لواء زايد السلفي والذي شكلته الإمارات وتتولى وحدات تابعة له مهمة حماية مطار عدن الدولي، إلا أنها رفضت ذلك.

أراد هادي أن يتعامل مع هذا "التمرد" بحزم وأرسل قوات الحماية الرئاسية لتنفيذ القرار بقوة؛ إلا أن الإمارات كان حزمها أقوى، وقصفت الحماية الرئاسية ومنعتها من الاقتراب من مطار عدن.

التأثير العسكري

الخلافات المبكرة التي دبت وسط قوات التحالف العربي لاسيما القوات الموالية للإمارات العربية المتحدة وأجندتها، تظهر ملامح المرحلة القادمة، حتى وإن انتصر التحالف العربي في حربه على الحوثيين والقوات الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، فإنها ستعيد الصراعات القديمة الأزلية التي كانت سببًا في لجوء الرئيس اليمني الحالي عبده ربه منصور هادي إلى شمال اليمن في 1986م.

وهو صراع نفوذ بين قوى مختلفة، وهو امتداد لصراع يناير «طغمة وزمرة» ونفوذ من ورائهم الآن اﻻمارات وأداتهم السلفيين والحراكيين من جانب، والسعوديين وأدواتهم اﻻخوان شماﻻ وجنوبا من جانب آخر.

مع إعلان السعودية تكوين تحالف عسكري "عاصفة الحزم" بمشاركة الإمارات ودول خليجية أخرى، كانت أنظار الإمارات تتجه صوب عدن والموانئ بصورة خاصة من أجل السيطرة عليها

والصراع بين "الزمرة والطغمة" صراع تاريخي يتجدد الآن بين المنتصرون في يناير 86 يطلق عليهم الطغمة أو أبناء المثلث الضالع ردفان يافع على الزمرة أو من يطلق عليهم "ابين شبوة" بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وكان الرئيس هادي من ضمن الذين خسروا هذه المعركة وفروا إلى اليمن الشمالي حينها.

وهذا ما يبين من خلال سحب الإمارات لمجاميع السلفيين والقوات من "المقاومة الجنوبية" جبهات الحرب في جيزان والمخا، وهو ما يشير ذلك إلى تأخير معركة الساحل الغربي دون تعطيلها.

لكن ذلك من شأنه أن يقوي القيادات الجهادية الأخرى في محافظة تعز اليمنية التي تعج بالجماعات الجهادية الخطرة والعائدة من الحرب في سوريا والعراق، وهو ما يعني أن هناك ترتيبات لجعل اليمن ساحة دولية لمحاربة الإرهاب وإبقائه ساحة صراع وتصفية حسابات أزلية، إن لم يدرك اليمنيين ذلك ويقبلون الحل السياسي والسلمي قبل أن يصبحون ذات يومًا وهم في وضع الهدف لقناصات العالم المتوحش.

إلى أين يؤدي هذا الصراع؟

الصراع المحتدم في عدن بين القوى المختلفة والقديمة المتجددة يأتي أيضًا ضمن مخطط أمريكي يهدف إلى لمنح السلفية الجهادية دور وحضور وسيطرة لتقديمها أمام الرأي العام العالمي بان القاعدة وداعش أصبحت القوة المسيطرة على الجنوب كما يوحي ذلك في الوقت الحالي أن القوى المتصارعة تستعين بالمجاميع والقيادات سلفية جهادية.

وفي المدى القريب، ربما يشتد الصراع "إذا لم تستطع المملكة العربية السعودية من تأجيل هذا الصراع إلى ما بعد التسوية السياسية أو الانتهاء من الحرب"، ويتوسع دوائره، ويدفع ذلك الوضع العام في الجنوب نحو الفوضى الذي من شأنه أن يهيئ الأرضية لتعاظم تمدد داعش والقاعدة اللذان سيتقاتلان على النفوذ في النهاية.

وحينما ترى أمريكا بأن أصبحت الجنوب اليمني تحت سيطرة الجماعات الجهادية بمختلف أطيافها، ستدعو إلى التحرك العسكري المباشر نحو الأراضي اليمنية تحت ذريعة محاربة خطر مسمى الإرهاب، وربما سيكون هدفها كل جماعات الإسلام السياسي دون استثناء (إخوان، سلف، قاعدة، داعش، حوثية).

وفي كل الأحوال يبدو أن هناك مؤشرات من خلال الاجتماعات الدورية التي ترعاها الإمارات العربية المتحدة لإعلان انفصال وشيك في اليمن، يخدم مصالحها فقط، وهو من شأنه أن يدخلها مع الخليج العربي في مشاكل وخصوصًا المملكة العربية السعودية التي لا تريد أن يكون الانفصال نتاج حرب قادتها على اليمن، لأن ذلك يعزز من تحذيرات صالح الذي قد يظهر للشعب اليمني أن تحذيراته كانت حقيقية، وبالتالي سيلتف حوله اليمنيون لاستعادة الدولة اليمنية الواحدة من جديد كما حصل في صيف 1994م.

الخلاصة

الصراع في عدن صراع نفوذ وهو امتداد لصراع يناير "طغمة" و "زمرة" ونفوذ من ورائهم اﻻن اﻻمارات وأداتهم السلفيين والحراكيين والسعوديين وأدواتهم اﻻخوان شماﻻ وجنوبا، وما حدث في مطار عدن يأتي في إطار هذا الصراع.

منعت الإمارات العربية المتحدة طائرة الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي من الهبوط في مطار عدن الدولي، ورفضت تنفيذ قرارات رئاسية له في تغيير مدير مطار عدن الدولي ومناصب حكومية في عدن

معركة الساحل الغربي لليمن لن تتعطل نتيجة لهذه الحرب لكنها قد تتعرض لنكسة مؤقتة بعد أن بدأت الإمارات العربية المتحدة تسحب مجاميعها من السلفيين والجنوبيين إلى عدن تحسبًا لمواجهة محتدمة مع القوات الموالية للرئيس اليمين عبده ربه منصور هادي.

وعلى كل، فإن القتال على ساحل البحر الأحمر وإغلاق مطار عدن الدولي نتيجة اختلاف الإمارات العربية المتحدة مع الرئيس هادي، يفاقم من الأزمة الإنسانية اليمنية المتردية في الأصل، ويعرض حياة الملايين للخطر وربما للموت جوعًا.