يتربع المغرب على عرش الدول المنتجة للزعفران بعد الهند وإيران وأسبانيا، فهناك على مرتفع يفوق 1400 متر عن سطح البحر، وعلى بعد نحو 90 كيلومترا على محافظة "تارودانت" المغربية تقع بلدة "تالوين" المعروفة بزراعة الزعفران المغربي وإنتاج ما بات يعرف بـ "الذهب الأحمر".

"زعفران تالوين" الذي ينتسب إلى بلدتها ويكنى باسمها، منتج زراعي مغربي من أجود أنواع الزعفران عالميا، ذي الشعر الأحمر الذي ليس في أطراف شعره صفرة، ومن أفضله الطري، الحسن اللون، الزكي الرائحة، الغليظ الشعرة.

ينتشر الزعفران الحر المغربي في بلدة "تالوين" على مساحة تناهز 540 هكتارا بـ 5 مناطق من قبيل "أغادير ملولن" و"أسايس" و"تاسوسفي" و"سيدي احساين" و"أسكاون" في مواقع محاذية لمنطقة جبلية قريبة تدعى "سيروا" بسلسلة جبال الأطلس المتوسط.

 ويعد زعفران تالوين مصدر عيش ساكنيها الوحيد إلى جانب بعض من أعمال الزراعة المعشية، يتناولونه كل يوم مع شرب الشاي ويقدمونه للسياح المغاربة والأجانب نظرا لقيمته الغذائية والدوائية الهامتين، إذ يعتقد سكان البلدة أنه يعالج نحو 90 مرضا.

يحتاج جمع زهور الزعفران إلى قدر كبير من الخبرة، حيث يتطلب الحصول على غرام واحد من الزعفران الخالص والجاف حوالي 200 زهرة

تحتضن بلدة "الذهب الأحمر" كما تكنى، سنويا وبانتظام منذ عام 2007 مهرجانا يحمل اسمها "مهرجان تالوين للزعفران الحر"، لينافس اليوم منتجها دول الهند وإيران واليونان، فضلا عن ذلك فمنتجو "زعفران تالوين" الأصيل الرفيع يصل إلى 4 كيلوغرامات في الهكتار الواحد سنويا.

 ويتطلب الحصول على 500 غرام من "الذهب الأحمر" زراعة ما لا يقل عن 70 ألف زهرة يجب أن تكون كلها صحيحة وصالحة، كما أن الزعفران الطازج لتالوين بعد أن يتم تجفيفه يفقد الكثير من وزنه و 25 كيلوغراما منه يصير بعد التجفيف 5 كيلوغرامات فقط.

 ثمن الكيلوغرام الواحد يتراوح ما بين 10 آلاف و15 ألف درهم (3000 دولار أمريكي)، ويلزم ما بين 120 ألف و140 ألف زهرة لإنتاج كيلوغرام واحد من "زعفران تالوين الحر".

نساء الزعفران

تصل نسبة العائلات التي تقوم بزراعة الزعفران إلى 61 بالمئة عند سفوح جبل "توبقال"، حيث يعوّل سكان هذه المدينة الصغيرة على هذا الكنز لجلب المزيد من السياح.

ويتركز 90 بالمئة من إنتاج الزعفران المغربي في كل من "تالوين" وجارتها "تازناخت"، حيث يصل الإنتاج إلى حوالي 6 أطنان، وذلك بفضل الزيادة في المساحات المزروعة التي انتقلت من 600 هكتار سنة 2009 إلى 1650 هكتارا في الوقت الحالي.

ويعود إنتاج الزعفران بالدرجة الأولى إلى النساء اللائي يضطلعن بدور محوري في عملية جني المنتج لما تتطلبه من دقة، ما جعلهن يسهمن في جعل المنطقة تحتل مركز الصدارة في إنتاج وتسويق زعفران له جودة عالية من التعاونيات الزراعية.

تبلغ ذروة استهلاك المغاربة لمادة الزعفران في شهر يوليو، حيث تكثر المناسبات والاحتفالات التي تقدم فيها الوجبات بالزعفران كالدجاج المحمّر

ويحتاج جمع زهور الزعفران إلى قدر كبير من الخبرة، حيث يتطلب الحصول على غرام واحد من الزعفران الخالص والجاف حوالي 200 زهرة.

 ويتم جني زهرة الزعفران بين منتصف أكتوبر ومنتصف نوفمبر خلال ساعتين أو ثلاث ساعات قبل تفتحه في الصباح الباكر بعيدا عن حرارة الطقس لتجنّب الذبول الذي يحدث ساعات قليلة بعد تفتح الزهرة بمجرد تعرضها لأشعة الشمس. ويعتبر الزعفران الذي تم جنيه عندما تكون الزهور متفتحة كليا من الدرجة الثانية من حيث الجودة نظرا لضياع مذاق النبتة.

 ويتنقل جامعو الزهور وسط الممرات وما بين الخطوط أثناء عملية الجني، أين تتواجد على مقربة منهم من الجانبين الزهور مع الحرص على عدم إتلاف زهر البصلات الأخرى التي لم تتفتح بعد وهم يرفعون أصواتهم بالمواويل الأمازيغية الدافئة.

وتؤخذ الزهرة من الأساس ما بين إبهام وسبابة اليد وتقطع بواسطة الأظافر، وهذا ما جعل العديد من النساء يتخصصن في الجني في حين يتكفل الرجال بعملية الزرع والري والحماية من النباتات الطفيلية، ويجمع المحصول في سلات صلبة لتجنب التكدس وتكسّر السمات.

يستخدم الزعفران في العديد من وسائل العلاج المغربية التقليدية كمحفز يساعد على التبول والهضم، ويستخدم أيضا لعلاج الأمراض المزمنة مثل الربو والروماتيزم

وترسل الزهور بعد الجني في نفس اليوم إلى منزل أو حظيرة لفصل السمات (الزعفران الحقيقي) عن الأجزاء الأخرى للزهرة، إذ يجب أن تنجز هذه العملية مباشرة بعد الجني.

وتتحكم الاحتياطات المتخذة أثناء فصل السمات في جودة المنتج، فتجفف تحت الظل أو على النار، ويفقد الزعفران خلال هذه العملية من 4 إلى 5 بالمئة من وزن الزهرات الطرية. ويمكن أن توفر عمليات التجفيف الدقيقة للزعفران مدة تخزين طويلة إذا كان معزولا عن الضوء والهواء في الحاويات الزجاجية المغلقة بإحكام والموضوعة في مكان جاف، ويمكن بهذه الطريقة الإبقاء على جودة الزعفران لأكثر من 3 سنوات.

ملك التوابل

وعلى الرغم من أن الزعفران ملك التوابل، إلا أنه يأتي على رأس المنتجات الغذائية الأكثر عرضة للغش والتزوير؛ إذ يعمد الكثير من الباعة إلى خلط خيوط الزعفران الأصلية مع خيوط حمراء لبعض النباتات الشبيهة، بحيث لا يستطيع المشتري العادي التمييز بينها نظرا لقوة رائحة الخيوط الأصلية.

وتجعل ندرة الزعفران الأصلي ذي النوعية العالية سعره مرتفعا، فالزهرة التي تحوي خيوط الزعفران تتطلب ظروفا مناخية خاصة تجمع في الوقت نفسه بين حرارة الصيف وبرودة الشتاء ورطوبته.

وتبلغ ذروة استهلاك المغاربة لمادة الزعفران في شهر يوليو، حيث تكثر المناسبات والاحتفالات التي تقدم فيها الوجبات بالزعفران كالدجاج المحمّر.

يتركز 90 بالمئة من إنتاج الزعفران المغربي في كل من "تالوين" وجارتها "تازناخت"

 ويرتبط ارتفاع أو انخفاض سعر الزعفران بحسب العرض والطلب، خصوصا الكمية التي تصدر سنويا إلى الخارج، إذ كلما كانت كبيرة قل العرض داخل الأسواق المغربية وارتفع ثمنها.

 ويكثر الطلب على الزعفران في الأسواق الخليجية، حيث يدخل كوصفة مهمة في المطبخ الخليجي وكذلك في إعداد القهوة العربية ومشروب الحليب بالزعفران.

 ويستخدم الزعفران باعتباره دواء عشبيا طاردا لتشنجات وانتفاخ البطن، حيث كان الأوروبيون في العصور الوسطى يستخدمون الزعفران لعلاج التهابات الجهاز التنفسي والاضطرابات مثل السعال ونزلات البرد والحمى القرمزية والجدري والسرطان ونقص الأكسجين والربو، وأيضا اضطرابات الدم والأرق والشلل وأمراض القلب واضطرابات المعدة والنقرس والنزيف الرحمي المزمن واضطرابات العين.

 أما المصريون القدامى فاستعملوه كمنشط جنسي، كما يستعمل كعامل مضاد للأكسدة في مجال المنتجات الدوائية ومستحضرات التجميل وكمكمل غذائي ومضاد للاكتئاب.

على الرغم من أن الزعفران ملك التوابل، إلا أنه يأتي على رأس المنتجات الغذائية الأكثر عرضة للغش والتزوير

ويستخدم الزعفران في العديد من وسائل العلاج المغربية التقليدية كمحفز يساعد على التبول والهضم، ويستخدم أيضا لعلاج الأمراض المزمنة مثل الربو والروماتيزم، كما أنه مفيد في علاج البرد والسعال، كما يستخرج منه مسحوق يستخدم في علاج حب الشباب والعديد من الأمراض الجلدية، كما تستخدم عجينة من الزعفران كعلاج للكدمات.

تطوير وتسويق

ويسعى المغرب إلى تدارس الإمكانيات المتاحة لدية للنهوض بزراعة الزعفران والوصول به إلى آفاق رحبة، وذلك عبر تطوير التقنيات الزراعية من أجل تثمين منتجاتها وفتح أسواق محلية ودولية أمام الفلاحين للتصدير بطرق حديثة تعطي قيمة كبيرة لهذا المنتج باهظ الثمن.

وأبرز المعهد المغربي للبحث الزراعي الجهود التي يبذلها المغرب من أجل تطوير مادة الزعفران والتي جاءت ضمن ديناميكية كانت المملكة قد أطلقتها خلال "مخطط المغرب الأخضر"، حيث تشكل زراعة الزعفران أحد أهم المنتجات المغربية التي تشغل عددا كبيرا من المزارعين في مناطق جبلية بالجنوب المغربي، وخاصة منها منطقة "تالوين" بإقليم "تارودانت".

يؤكد رئيس الفيدرالية المغربية للزعفران محمد بلحسين، أن قطاع الزعفران في المغرب يحتاج إلى بطاقة تقنية على أساس علمي في المعارض الدولية من أجل إيجاد أسواق أكثر خارج المغرب.

يتربع المغرب على عرش الدول المنتجة للزعفران بعد الهند وإيران وأسبانيا

وأوضح بلحسين لصحيفة " العرب" اللندنية، وهو أيضا رئيس المجموعة ذات النفع الاقتصادي "دار الزعفران" بمنطقة تالوين، على هامش مشاركته في المعرض الدولي للفلاحة "الأسبوع الأخضر" ببرلين في دورته الـ81 لعام 2016، أن “عملية تسويق الزعفران تحتاج إلى إعداد بطاقة تتضمن معطيات علمية محددة حول الزعفران”.

وأشار إلى أن المستهلك الغربي متطلب وأول شيء يسأل عنه هو ما إذا كانت البطاقة التقنية قد تمت المصادقة عليها من جهة علمية متخصصة وتتضمن توضيحات حول منتج الزعفران ومحتوياته وقيمته الغذائية ومنافعه الصحية، وذلك رغم حصول زعفران "تالوين" على التسمية الأصلية المحفوظة، ما يضمن قبوله في دوائر التوزيع الدولي.

وأضاف أن التوضيحات التي يقدمها عارضو الزعفران لفائدة الزوار من المستهلكين وأيضا لزبائن سبق أن تذوقوا الزعفران المغربي، تقوم فقط على شرح مباشر من خلال بعض الكتيبات التي تبرز مراحل إنتاج الزعفران من الزرع إلى غاية الجني، وبعض المعلومات حول استعمالاته، لكنها تظل معلومات تفتقد إلى الجانب العلمي الملموس.

وحصل الزعفران المغربي على تسمية المنشأ "زعفران تالوين" سنة 2010، كما تم في هذا السياق تأسيس "دار الزعفران" بمدينة تالوين، والتي شكلت وسيلة ناجعة لتثمين هذه المادة الغذائية النادرة، وبالتالي تحسين الأوضاع المادية للمزارعين الذين يتعاطون هذه الزراعة.