فيما تقترب تركيا من انطلاق الاستفتاء على التعديلات الدستورية في الـ16 من شهر نيسان القادم والذي تم اعتماده بعد تصويت 339 نائبًا في البرلمان على مقترحات تغيير 18 مادة في الدستور مما أدى إلى تمرير خيار الاستفتاء إلى الشعب والذي ستقرر نتيجة أصواته تحول تركيا إلى النظام الرئاسي بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان أو البقاء على النظام الحالي، وفي كلا الحالتين ستواجه تركيا مرحلة جديدة حيث إن نجاح الاستفتاء سيعزز موقف أردوغان وحزبه كما أن حصوله على نتيجة ضعيفة لا تؤهل الاستفتاء للنجاح - وهذا غير مرجح حاليًا - سيؤدي إلى توجيه ضربات للحزب من كل الأطراف المعادية له ولهذا فإن الجميع يجري حساباته سواء معسكر المؤيدين أو المعارضين.

وفي هذه الحسابات الآنفة الذكر تعد أصوات الأكراد في تركيا من الأصوات المهمة بالنسبة للمؤيدين والمعارضين، فرغم أن الرئيس أردوغان قد يشعر بالراحة بالنظر إلى حصوله على أكثر من 50% في الانتخابات الرئاسية وكذلك نسبة 49% التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية بمعنى أن حزب العدالة يمثل 50% تقريبًا، كما أن إضافة أصوات حزب الحركة القومية الذي حصل على 11 % في انتخابات نوفمبر تشكل راحة أكبر، حيث إنه بحسبة بسيطة مع الأخذ في الاعتبار وجود احتمالات قوية لانقسامات في حزب الحركة القومية بقيادة الجناح الذي تقوده ميرال اك شينار والذي توجه له اتهمات بالعلاقة مع جماعة غولن، فإن نسبة المؤيدين للاستفتاء من المرجح أن تتخطى 55% على أقل تقدير خاصة مع الروح القوية التي تولدت بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 من تموز.

أصوات حزب الشعوب تراجعت في انتخابات نوفمبر إلى 10% بعدما كانت 13% في حزيران 2015 وحسب الاستطلاعات الأخيرة فإنها تراجعت إلى 6 أو 7%

لكن مع هذا تبقى احتمالات أخرى قائمة في ظل رفض بعض الأحزاب الكردية للتعديلات ولهذا فإن أصوات المجتمع الكردي مهمة جدًا في التأثير على النتيجة، ومن المعلوم أن أصوات حزب الشعوب تراجعت في انتخابات نوفمبر إلى 10% بعدما كانت 13% في حزيران 2015 وحسب الاستطلاعات الأخيرة فإنها تراجعت إلى 6 أو 7%، لكنها قد تتصاعد أيضًا مع التقدم نحو الاستفتاء.

وفي هذا السياق فقد أعلنت مجموعة أحزاب كردية على رأسها حزب الشعوب الديمقراطية ومنها حزب المناطق الديمقراطية وحركة المرأة الحرة ومجلس المجتمع الديمقراطي موقفها من الاستفتاء القادم على التعديلات الدستورية وقالت إن الشعب سيقول "لا"، وبررت ذلك بأن الدستور المقترح لا يتحدث عن أي حل للقضية الكردية ولا يلبي حقوق الشعب وحريته ولا يعترف بهم وبحقوق أكبر لهم في التعليم واللغة الكردية، وبالتالي لن تكون هذه المؤسسات مؤيدة للدستور الذي يتضمن التصويت أيضًا على التحول للنظام الرئاسي.

إن المشكلة الأخرى بالنسبة لهذه الأحزاب الكردية اليسارية هو أن التعديلات الدستورية بما فيها النظام الرئاسي قد تم التوافق عليها بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية الذي يعد الخصم الأساسي لحزب الشعوب الديمقراطية، حيث يعتبر حزب الحركة القومية أن حزب الشعوب هو الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني المصنف على أنه منظمة إرهابية في تركيا، وقد سبق أن منع حزب الحركة القومية فرصة تشكيل حكومة من أحزاب المعارضة كان قد اقترحها زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، وإذا نجح الاستفتاء فإن حزب الحركة القومية سيكون شريكًا أو له حصة في النظام الرئاسي الجديد ولن يستطيع حزب العدالة الحديث مرة أخرى عن عملية السلام مع الأكراد.

على الرغم من أن حزب الشعوب له شعبية ومؤيدين في الوسط الكردي في تركيا إلا أن هذا لا يعني أن كل الأكراد سوف يصوتون بلا في الاستفتاء القادم

وعلى الرغم من أن حزب الشعوب له شعبية ومؤيدين في الوسط الكردي في تركيا إلا أن هذا لا يعني أن كل الأكراد سوف يصوتون بلا في الاستفتاء القادم فحتى بعض المنتمين لهذه الأحزاب والمؤسسات ربما سيصوتون بنعم، وهناك عدد كبير من الأكراد هم أعضاء في حزب العدالة والتنمية ويقدرون بأكثر من 10% من الأكراد في تركيا، كما أن حزب الهدى بار الكردي المعروف بتدينه قد يكون من الذين يصوتون بنعم للتعديلات الدستورية فضلاً عن أن الوسط الكردي لا يشعر بكثير من الراحة من انسجام الموقف بين حزب الشعوب الديمقراطية وحزب الشعب الجمهوري الذي لا يستطيع أن يقدم وعود جدية للمكون الكردي.

ومع ما ذكرنا من تراجع في شعبية حزب الشعوب فإنه لن يستطيع أن يحصل على نفس النسبة التي حصل عليها في انتخابات حزيران 2015 حتى وعلى الرغم من حالة التعاطف في أوساط الحزب مع اعتقال نوابه وبعض الإجراءات تجاه البلديات التي يديرها حيث تقيدت حركة قادة الحزب ونوابه بعد اعتقال رئيسي الحزب على خلفية اتهامهما بدعم حزب العمال الكردستاني.

وبالنظر إلى التحركات التحضيرية لحزب الشعوب الديمقراطية في حملة رفض التعديلات لا تكاد تجد تحركات موازية لما يقوم به حزب الشعب الجمهوري في حملات الرفض بل إن تحركات حزب العدالة في الوسط الكردي تكاد تكون أكبر ومن ذلك الاجتماع مع ممثلين ونخب من 23 عشيرة كردية في مدينة فان مؤخرًا.

يرى الحزب الكردي الرئيسي أن النظام الرئاسي والدستور الجديد سيكون عائقًا أمام تحقيق حكم ذاتي للأكراد في تركيا

يرى الحزب الكردي الرئيسي أن النظام الرئاسي والدستور الجديد سيكون عائقًا أمام تحقيق حكم ذاتي للأكراد في تركيا خاصة مع الصفقة التي عقدت بين حزبي العدالة والحركة القومية ولهذا فإن الحزب الكردي الأساسي سيقول لا! ولكن وضعه الحالي لا يؤهله لرفض فعال يمكن أن يقلق العدالة والتنمية.

ولكن الأمر لا يقف عند الشروط الداخلية فحسب ولا بد من قراءة وضع المكون الكردي في كل المنطقة، وعلى الرغم من العلاقات الجيدة مع مسعود برزاني والسياسة التي يوازن فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إدارة العلاقة مع إقليم كردستان العراق إلا أن المخاوف من التأثير السلبي على الصوت الكردي في الاستفتاء سيتعزز في حال استمرت الحملة التركية على مدينة منبج والتي بدأت بوادرها قبل يومين، مما سيعزز النفس القومي لدى الأكراد وبالتالي قد يبدد جهود أي حملات لحزب العدالة في الوسط الكردي.

ولهذا سيحاول حزب العدالة والتنمية كسب أكبر قدر من الأصوات من المكون الكردي وقد ينجح في جزء من ذلك معتمدًا على الوعود بالتغيير للأحسن وقدرته في تغيير القناعات لصالحه تعتمد على مدى قدرته في مواجهة الحملات المضادة للتعديلات الدستورية سواء من حزب الشعب الجمهوري أو حزب الشعوب الديمقراطية، والنتيجة الأساسية أن الصوت الكردي مهم جدًا في تحديد نتيجة عملية الاستفتاء القادمة.