في 2 مارس/ آذار استولت مليشيات كردية تتبع الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) على محطة ضخ في مدينة كركوك، مما تسبب في تعطيل تصدير النفط من المنشآت التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 150 ألف برميل يوميًا، إذ تطالب المجموعة المعادية لمسعود برزاني بتخصيص جزء من العائدات النفطية التي تتحصل عليها الحكومة الفيدرالية من حقول كركوك للمحافظة، التي لا تقع تحت سيطرة أربيل العسكرية، وفقًا لوكالة بلومبرغ، ووفقًا لموقع إذاعة كردستان 24.

قال أسو مامند رئيس المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني: "هذه الخطوة كانت تحذيرًا لحكومة بغداد للتوقف عن قمع أهل كركوك"، وقال مامند: "لن يتم السماح بنهب نفط كركوك"، جاءت تصريحات مامند على خلفية حديثه عن عدم التزام الحكومة المركزية في بغداد بإنشاء مصفاة لتكرير النفط في المحافظة (إلى جانب الوحدات الموجودة) والتوقف عن نقل نفط كركوك إلى محافظات أخرى.

وقال رئيس المكتب السياسي أيضًا إنه يعطي الحكومة المركزية أسبوعًا مهلة لتنفيذ تعهداتها، إذًا، كان تهديد الاتحاد الوطني الذي يتخذ من السليمانية مركزًا له، موجهًا إلى أربيل وبغداد معًا، اللتان تتقاسمان نفط كركوك، انتهى الأمر (مؤقتًا) باتفاق بين رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورئيس الاتحاد كوسرت رسول علي يفضي بالسماح باستئناف تصدير النفط من كركوك.

قبل أقل من أسبوع من سيطرة مليشيات الاتحاد على حقول كركوك، أفادت وكالة رويترز، إبرام أربيل اتفاقات مع مؤسسات مالية عالمية تسمح بتمويل مبيعات الأولى من النفط بصورة مسبقة على أساس طويل الأجل بدلًا من أسس قصيرة الأجل وإطالة فترة السماح، وكانت أربيل قد وقعت على اتفاق مع شركة روزنفت الروسية في أواخر فبراير/ شباط أيضًا لتمويل النفط بصورة مسبقة وبيعه من أجل الحكومة الفيدرالية، وستقوم روزنفت بتكرير النفط الذي ستحصل عليه من الإقليم، فمع الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها حكومة كردستان العراق على إثر هبوط أسعار النفط، تحاول أربيل دعم موقفها المالي.

أعطت تفاهمات الأوبك وما نتج عنها من تحسن تدريجي في أسعار النفط إشارة للمؤسسات المالية بتحسن قدرة أربيل على الوفاء بالتزاماتها نتيجة تحسن عوائدها النفطية

ربما أعطت تفاهمات الأوبك وما نتج عنها من تحسن تدريجي في أسعار النفط إشارة للمؤسسات المالية بتحسن قدرة أربيل على الوفاء بالتزاماتها نتيجة تحسن عوائدها النفطية، وتشير وكالة الطاقة العالمية إلى احتمالية ارتفاع أسعار النفط بصورة كبيرة بحلول عام 2022 نتيجة استمرار ضعف الاستثمار في قطاع النفط العالمي، وبذلك، ستصب الأسعار المرتفعة للنفط مستقبلًا، إذا تحقق توقع الوكالة في ظل استمرار الظروف الحالية، في دعم الثقة في قدرة أربيل على الوفاء بالتزاماتها أيضًا.

وبتقهقر تنظيم الدولة في شمال العراق، باتت أربيل في موقف جيوسياسي أفضل يعزز من موقعها قبالة المستثمرين الأجانب، خاصة المرتبطين بعواصم منخرطة سياسيًا وعسكريًا في الإقليم (كشركة روزنفت وعلاقاتها بدوائر صنع القرار في موسكو).

[[{"attributes":{},"fields":{}}]]

يوضح هذا الشكل تذبذبات سعر برميل خام البرنت منذ يناير/ كانون الثاني 2016 وحتى فبراير/ شباط 2017 والتي تتمثل في: 1. انخفاض سعر نفط البرنت لأدنى مستوى له منذ 12 شهرًا، 2. فشل محادثات الدوحة النفطية 3. اتفاق الأوبك، 4. اتفاق منتجي غير الأوبك على تقليص إنتاجهم، 5. ظهور تأثيرات اتفاق الأوبك السعرية (المصدر: الفينانشال تايمز)

إذًا، في وقت تحقق فيه أربيل مكاسب مالية وتعزز من ثقة المستثمرين الأجانب في إدارتها، كيف يمكن فهم تحرك الاتحاد الوطني الكردستاني في هذا التوقيت تحديدًا؟ يمكن وضع هذا التحرك في سياقين محتملين (ومتداخلين):

الاحتمال الأول (أسعار النفط): كلما زادت فرص تعافي أسعار النفط، زادت حوافز اتخاذ خطوات تصب في صالح استفادة السليمانية ماليًا من هذه الزيادة، ولذا فإن تحرك مليشيات الاتحاد للضغط على كل من أربيل وبغداد، تتيح للسليمانية الحصول على مكاسب أولية في مراحل مبكرة ربما تمهد لها الحصول على مكاسب أكبر عندما تشهد أسعار النفط ارتفاعًا كبيرًا في بداية العقد المقبل، بالإضافة إلى ذلك يحفز تراجع عجز موازنة حكومة أربيل الفرقاء الأكراد للضغط للحصول على حصص أكبر منها.

الاحتمال الثاني (السياسة الإيرانية): وقعت كل من بغداد وطهران على مذكرة تفاهم في 20 من فبراير/ شباط من العام الحالي لدراسة مشروع إنشاء أنبوب نفط يمتد من مدينة كركوك لتكرير نفط المحافظة في مصافي تكرير عبدان الإيرانية، فقد تهدف الخطوة التي اتخذها الاتحاد الوطني الكردستاني إلى إرسال رسالة لبغداد وطهران معًا مفادها عدم قبول السليمانية بهذا المشروع دون إشراك الاتحاد أو عدم قبولها بالمشروع برمته من الأساس.

وفي وقت سابق، خططت حكومة أربيل لإنشاء أنبوب نفط ينطلق من كوي سنجق ليعبر من برفيز خان ثم إلى قلب كرمنشاه بغرب إيران إلى مصافي النفط الإيرانية، إلا أن اتفاقًا نهائيًا بين أربيل وطهران لم يتم حتى الآن بشأن الأنبوب، وفقًا للكاتب الإيراني بيجان خاجه بور، اشترطت بغداد آنذاك ضم نفط كركوك لتصديره إلى إيران.

التقارب المعروف بين الاتحاد الوطني الكردستاني وإيران يصل إلى درجة لعب الأخيرة أدوار وساطة بين فرقاء داخل الاتحاد، وهو ما يدلل على درجة قرب طهران للاتحاد

على الرغم من أن التقارب المعروف بين الاتحاد الوطني الكردستاني وإيران يصل إلى درجة لعب الأخيرة أدوار وساطة بين فرقاء داخل الاتحاد، وهو ما يدلل على درجة قرب طهران للاتحاد، فإن الاتحاد على الأرجح يتمتع بمساحة تمكنه من المناورة مع طهران أيضًا، إذا كانت الخطوة الأخيرة تهدف إلى إرسال رسالة لطهران (وهناك شائعات عن تهريب الاتحاد نفط كركوك إلى إيران، مع وجود تقارير قديمة عن تهريب النفط لإيران).

يجب التركيز أيضًا على دور موسكو المتزايد في المشرق العربي الذي أصبح رقمًا في ديناميكيات علاقات القوى الكردية ببعضها وربما بعلاقتها بطهران أيضًا.

في منتصف فبراير/ شباط عُقد في موسكو مؤتمر للأحزاب والفصائل الكردية اشترك فيه كل من حزب الاتحاد الديموقراطي الاتحاد الوطني الكردستاني (PYD)، والأهم، حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) المحظور في إيران، ولكن غاب عن المؤتمر الحزب الديموقراطي الكردستاني الحاكم (KDP) في أربيل (المدعوم من قبل أنقرة)، ولكن يظل اشتراك حزب الحياة ذا دلالة مهمة تشير إلى اختلاف أولويات موسكو عن أولويات طهران في الشرق الأوسط رغم شراكتهما.

منذ التدخل الروسي في سوريا، بات دور موسكو في الملف الكردي مؤثرًا، وهو دور يبدو أنه سيكون له بصماته في الاقتصاد أيضًا بإبرام روزنفت اتفاقات مع أربيل، فإذا كان لطهران مشاريعها لاستيراد النفط من شمال العراق لتكريره، فإن روزنفت ترغب في استيراد النفط لتكريره أيضًا.

بالتأكيد، من المبكر جدًا القول إن طهران وموسكو ستكونان في منافسة شرسة بكردستان العراق، ولكنهما لاعبتان لهما مصالح اقتصادية في مساحة جغرافية واحدة تضعهما في خانة المنافسة بصورة عامة، ولكن في المقابل، ربما تعطي هذه التطورات مساحة أكبر للقوى الكردية في الداخل العراقي للمناورة والتفاوض للحصول على أكبر قدر من الامتيازات في ظل الأهمية المتزايدة التي يكتسبها نفط الإقليم الكردي.