ترجمة وتحرير نون بوست

في بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، تبدو سجلات الوفيات في المشرحة مثل قراءة فصل من جحيم دانتي! صفحة بعد صفحة لأسماء أشخاص اجتثت رؤوسهم بالمناجل أو بالتعذيب أو بالإعدام خارج إطار القانون أو إطلاق النار أو بالانفجارات أو الحرق. الرائحة المنبعثة من الجثث تقول تجعل من المستحيل أن يبقوا هنا لفترة طويلة، وفي الأيام مثل تلك التي تعيشها بانغي، تُسجل فقط أعداد القتلى ثم تُدفن الجثث في مقابر جماعية، بلا أسماء وبلا أسباب وفاة.

أرقام المشرحة تشير إلى حصيلة العنف الطائفي في أفريقيا الوسطى المستمر منذ أشهر، والذي حصد عشرات الآلاف من الأرواح وشرد أكثر من ذلك.
“سيليكا”، هم مجموعة من المقاتلين المسلمين استطاعوا حصار بانغي والإطاحة بالحكومة أوائل عام 2013 إلا أنهم فقدوا قوتهم وبعض الأرض. ردا على ذلك، كثفت الميليشيا المسيحية المعروفة باسم “المنجل” من هجماتها ضد المسلمين المدنيين في الأماكن التي هرب منها “السيليكا”.

وفي محاولة لتهدئة الوضع، جاءت قوات حفظ السلام الدولية للبلاد، وعُين رئيس جديد للبلاد في واحدة من أسوأ الوظائف على كوكب الأرض! لكن العنف مستمر بلا هوادة. قبل أيام مزقت أجساد اثنين من المسلمين بوحشية قرب مطار بانغي الدولي بينما كان المشاهدون يهللون ويصورون المشهد بهواتفهم.

في 14 يناير الماضي، وفي مدينة بويالي التي تبعد قرابة 200 كم شمال العاصمة، فاطمة يامسا، امرأة مسلمة كانت في شاحنة أوقفت عند نقطة تفتيش من قبل أعضاء ميليشيا مسيحية، وعندما علمت أنها على وشك الموت، سلمت طفلها الرضيع الذي كان يبلغ من العمر 7 أشهر لامرأة مسيحية بجانبها. عاش الطفل ومُزقت أمه بالمناجل مع امرأتين آخرتين وأطفالهما الأربعة على بعد خطوات من مسجد في المنطقة. زرت ذلك المسجد بعد ذلك، وكانت دماء النساء والأطفال لا تزال هناك.

هذه المجزرة لم تكن سوى الفصل الأخير من سلسلة من العنف الوحشي في بويالي. قبل ذلك بعدة أيام، سيطرت الميليشيات المسيحية على المدينة من السيليكا وبدأوا في ذبح سكان المدينة من المسلمين! 
عندما وصلت إلى المدينة، بعد فترة ليست طويلة، كان متطوعو الصليب الأحمر يدفنون الجثث التي ألقيت في الآبار ما جعلها غير صالحة للشرب مما جعل المتطوعون يغلقون تلك الآبار كذلك.

وفي مخيم للنازحين المسلمين قابلت دايرو سوبا، في الخامسة والعشرين من عمره، حكى لي أنه أُصيب بالرصاص في ركبته أثناء هجوم الميليشيا المسيحية على بويالي، ديبريلا، الأخ الأكبر لدايرو، بالإضافة لأبيه وعمه مُزقوا بالمناجل حتى الموت، قُتل في ذلك اليوم 34 من المسلمين بما فيهم عمدة القرية.
وفي نفس اليوم لاحقا، عاد المقاتلون السيليكا إلى المنطقة، ردوا على المسيحيين المدنيين كذلك، أعدموا بعضهم في الشوارع، بينما قتلوا آخرين أثناء محاولتهم الفرار، ثم قبضوا على القس البروتستانتي في القرية قبل أن يقطعوا عنقه ويحرقوا أكثر من 960 منزلا من منازل المسيحيين في المدينة.

وفي واحد من المنازل المحترقة، وجد السيليكا امرأة حامل غير قادرة على الحركة، قيدوا يديها وقدميها ثم ألقوا بها في النيران، أنقذها السكان، عندما قابلتها لاحقا كانت يديها محترقتان تماما بينما كانت تصرخ من الألم.
المجازر التي ارتكبها السيليكا تؤشر إلى تراجع قوتهم، حيث أن المجموعة تنفذ هجمات رهيبة دفاعية أكثر من أي وقت مضى في انتقام متزايد.
الأزمة بدأت عندما هاجمت الميليشيات المسيحية المناطق التي تضعف فيها سيطرة السيليكا شمال البلاد وقتلوا السكان المسلمين عشوائيا، تدخلت القوات الفرنسية لاحقا، لكن سفك الدماء ازداد، وبعد شهر أُطيح بالرئيس الذي عينته السيليكا من قبل القوى القوى الإقليمية والدولية ثم فر إلى منفاه في بنين. 

العديد من قادة السيليكا يهربون الآن، أحيانا بمساعدة قوات حفظ السلام، وكما قال لي أحد ضباطهم “كل ضابط مسؤول عن نفسه الآن، وكلنا يحاول العثور على طريقة للخروج”
وفي الوقت نفسه تُترك المجتمعات المسلمة أمام غضب “المناجل” والمدنيين المسيحيين. منذ ديسمبر الماضي، المجتمعات المحلية المسلمة تباد واحدا بعد الآخر، الرجال والنساء والأطفال قُتلوا بلا رحمة.

في بانغي، تواجه مجتمعات مسلمة بأكملها تهديدا وجوديا، المنازل أُحرقت وهُدمت بعد نهبها، المساجد دُمرت تماما من قبل الحشود المسيحية التي تهتف “نحن لا نريد أي مسلم في بلدنا، سنقضي عليهم جميعا، هذه البلاد تنتمي للمسيحيين”
بعض الأحياء قررت أن تغادر بحياتها في رحلة تمتد لمئات الأميال إلى تشاد في الشمال. والآخرون الذين قرروا البقاء يعرفون أن التوترات وصلت إلى مرحلة الغليان، بعد أن أُعدم رجل مسلم، فتحت الميليشيا المسيحية النار على جنازته، القوات الفرنسية وصلت في وقت متأخر فثار المسلمون ضدهم ما أدى إلى أن يطلقوا النار عليهم أيضا ما أدى لقتل مسلم وجرح آخر. 
قوبل وصول الفرنسيين في البداية بقدر من التفاؤل، لكن الأمر لم يعد كذلك، إلا أن واحدا من القوات الأفريقية التي انضم إليها الفرنسيون قال لي “ما نراه هنا يدكرنا بما حدث في رواندا في 1994، لكن هذه المرة لن نسمح لـ1994 أن تتكرر”

موجة العنف المناهضة للمسلمين أطلقتها الميليشيات المسيحية، والآن يبدو من الصعب احتواء رد فعل الميليشيات المسلمة. والفرنسيون الذين يبلغ عددهم 1600 جندي ليسوا كافين لإيقاف الدم، ولا يُتوقع أن تكون هناك فرصة لإيقاف القتل بدون قوة من حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بأكثر من 6000 جندي

قس الكنيسة المعمدانية يرعى الآن رضيع فاطمة يامسا، وعندما سألته عن أسباب النزاع قال “إنها ليست دينية، لبل سياسية”، وتابع “إنهم يعاملون البلاد على أنها شركاتهم الخاصة، نحن نحتاج إلى ديمقراطية حقيقية يرعى فيها السياسيون الجميع”

هناك دفقات صغيرة من الأمل ، فبالنسبة للبعض في الغالبية المسيحية، اندحار السيليكا يعني عودتهم إلى ديارهم التي هُجروا منها في 2013. كما أن أحد الآباء الكاثوليكيين أحضر أكثر من 700 من المسلمين إلى كنيسته لحمايتهم أثناء هجوم من الميليشيات، وأدى صلاة الأحد مع رعايا كنيسته في حضور المسلمين وبوجود متعلقاتهم ومنها المصاحف التي أُحضرت داخل الكنيسة للحفاظ عليها.

المصدر: فورين بوليسي