على مر العصور، ورغبة في تحسين الحياة على كوكب الأرض، اجتهد البشر في اختراع العديد من الأدوات والأجهزة العبقرية، التي ساعدت بشكل كبير وفعال في تيسير سُبل البقاء على الأرض وفهم العالم الكبير من حولنا. كما استطاعوا عبر البحث والتنقيب من الوقوف على فائدة الكثير من الأشياء، لتصبح اكتشافات علمية مذهلة، استطاعت مسار الإنسانية.

وعند الرغبة في وضع قائمة محددة بأعظم هذه الاكتشافات العلمية المؤثرة، نجد صعوبة كبيرة في اختيار اكتشاف ما، وترك آخر. فمعظم الاختراعات التي صنعها الإنسان، وأكثر الاكتشافات العلمية والتقنيات  الحديثة التي توصل لها الباحثون والعلماء، أثرت بشكل كبير جدا وملحوظ في حياة قطاع كبير جدا من البشر، وساهمت في تحسين الحياة، وتوفير سبل المعيشة.

بل وربما تكون قد ساهمت بشكل أو آخر في بقاء الجنس البشري على وجه الأرض، بداية من اكتشاف النار، و مرورا بالكهرباء أم الاختراعات جميعا، والكتابة والنقود والبوصلة والآلات الموسيقية، والمجهر الإلكتروني الذي فتح عيوننا وأذهاننا على عوالم كانت خافية علينا منذ الأزل، والقمر الصناعي والتلفاز والراديو والهاتف الذي وفر لنا إمكانية التواصل والتخاطب حول العالم، وإنتهاءً  بالاستنساخ، الذي طبق لأول مرة على النعجة دوللي، والذي رغم المشاكل الأخلاقية التي يثيرها، إلا أن أهميته تكمن في تخليق أعضاء بديلة -كالكلى والقلب والكبد- كفيلة بإنقاذ ملايين البشر، و تقنية النانو تكنولوجي والسفر إلى الفضاء الخارجي.

وبالرغم من كثرة هذه الاختراعات والاكتشافات التي تحيط بنا من جانب، إلا أن وضع قائمة بأهم هذه الاختراعات والاكتشافات، يُعد أمرًا عسيرًا جدا، فكل الاختراعات والاكتشافات بتأثيرها الإيجابي على حياة البشر وبتأثيرها السلبي مثل تفجير الذرة، -والذي ارتبط في أذهاننا  بتفجيري هيروشيما ونجازاكي، لكنه عاد و وفر طاقة سلمية رخيصة، وساهم في إنقاذ حياة المصابين بالسرطان من خلال علاجهم إشعاعيا-، تعد اختراعات/اكتشافات عظيمة ومهمة.

في هذا التقرير، جمعنا بعض أهم وأعظم الاكتشافات العلمية، التي أحدثت ثورة حقيقية هائلة خلال التاريخ الطويل للبشرية، والتي ساعد اكتشافها في نجاة البشر وبقائهم حتى الآن..

الأكسجين Oxygen

الكيميائي كارل فيلهلم شيله

الكيميائي والصيدلاني السويدي "كارل فيلهلم شيله"، كان أوّل من اكتشف عنصر الأكسجين كعنصر كيميائي مستقل سنة 1771.  إلّا أنّه لم ينشر أبحاثه إلّا سنة 1777 تحت عنوان "أطروحة عن الهواء والنار". وفي تلك الأثناء، وفي سنة 1774 قام جوزيف بريستلي وبشكل منفصل ومستقل باكتشاف العنصر أيضًا أثناء البحث في آليّة عمليّة الاحتراق.

وكان العالم كارل فيلهلم شيله قد قام أثناء أبحاثه على مفهوم الاحتراق بتسخين مركّبات مثل أكسيد المنجنيز الرباعي أو فوق برمنجنات البوتاسيوم مع حمض الكبريتيك المركّز (كان يدعى حينها زيت الزاج)، فحصل على غاز عديم اللون. كان الغاز الناتج يساعد على عمليّة الاحتراق، فأسماه شيله باسم هواء النار، ونسبه إلى مصدره فأسماه أيضًا هواء الزاج، ووجد أيضًا أنّ الهواء العادي يتكوّن من ذلك الهواء المساعد على الاشتعال، ومن هواء غير مساعد على الاشتعال، أسماه الهواء الفاسد.

خرطوم توصيل الأكسجين الأنفي

 وعلى الرغم من اكتشاف هذا الغاز من قبل هذَين العالِمَين، إلّا أنّ دوره الفعلي في عمليّة الاحتراق لم يكن قد فُهم بعد، إلى أن أتى العالم أنطوان لافوازييه ووضّح من خلال تجاربه سنة 1774 أنّ الاحتراق لا يطلق الفلوجستون كما كان يعتقد آنذاك، إنّما يتم عن طريق الارتباط مع عنصر كيميائي موجود في الهواء المساعد على الاحتراق.

وللأكسجين أهميّة حيويّة كبيرة جدًا، فبدونه لا يمكن للحياة على سطح الأرض أن تستمر. فهو أساس عملية التنفّس الخلوي عند الإنسان والحيوانات، كما يدخل في عملية التركيب الضوئي عند النباتات.  بالإضافة إلى ذلك فهو أساس عملية الاحتراق، كما يسهم في عمليات التآكل. وهو أكثر العناصر الكيميائيّة وفرةً في الأرض من حيث الكتلة، وهو ثالث أكثر العناصر وفرةً في الكون بعد الهيدروجين والهيليوم.

الكهرباء Electricity

أبراج توليد الكهرباء

أعظم الاكتشافات وأم الاختراعات، والتي سهلت الحياة على كوكب الأرض وجعلت البقاء فيه ممكنا. والعالم الإنجليزي مايكل فاراداي، هو صاحب الفضل في اكتشاف الكهرباء، بسبب اكتشافه للمبادئ الرئيسية التي يقوم عليها الحث المغناطيسي electromagnetic induction، وضعف النفاذية المغناطيسية diamagnetism و التحليل الكهربائي electrolysis عام 1821.

العالم الإنجليزي مايكل فاراداي

كما أنه أول شخص قام بإنتاج تيار كهربائي،  وذلك عن طريق تحريك سلك من خلال مجال مغناطيسي.

وجدير بالذكر أن فاراداي استخدم هذا المبدأ في بناء المولد الكهربائي البدائي، الذي يُعد الجد الأكبر للمولدات الكهربائية عالية القدرة المتعارف عليها حاليا.

الحمض النووي DNA

الحمض النووي

الأحماض النووية DNA  هي السجل الكامل لكل المعلومات البيولوچية التي تحدد التركيبة الفسيولوچية والتشريحية للكائنات الحية. وتستطيع الأحماض النووية تكوين بروتينات، وكربوهيدرات وليبيدات. كما أنها هي التي تكوّن الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين.

 فالـ DNA هو عماد وجود الكائنات الحية على مختلف أنواعها، فهو يحمل الشفرة التي يتخلق منها الجنين من البويضة المخصبة، وهو الذي يحمل الاختلاف بين البشر، من حيث: الجنس (ذكر وأنثى)، والشكل، واللون.

وبدأت قصة اكتشاف هذا الحامض في خمسينات القرن الماضي، حيث كان هناك سباق محموم بين فريقين، أحدهما من جامعة لندن ويتألف من موريس ويلكنز و روزليند فرانكلين وفريق آخر من جامعة كامبريدچ يتكون من فرانسيس كريك وجيمس واطسون. وقد تمكن فريق كامبريدچ في عام 1953، من اكتشاف الشكل الحلزوني للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين DNA، وتبين أنه مركب من سلاسل من الأحماض النووية. وأدى ذلك الاكتشاف  إلى التعرف على كيفية تخزين المعلومات الوراثية، وحفظها، وكيفية نقلها من جيل لآخر.

وحصل كلا من واطسون وكريك على جائزة نوبل في الطب عام 1962 بسبب هذا الاكتشاف العظيم.

 وجدير بالذكر أن عالم الأحياء السويسري فريدريك ميسشر، هو أول من قام عام 1869 في ألمانيا، بعزل مواد غنية  بالفوسفات من نواة خلية دم بيضاء وأطلق عليها اسم (nuclein)، مما مهد إلى التعرف على حمض الدنا DNA كحامل للصفات الوراثية.

وبجانب وظيفة الأحماض النووية كمخازن للمعلومات في الكائنات الحية فهي تقوم أيضا بحمل إشارات في أعضاء الأحياء، ويمكنها تحفيز تفاعلات  حيوية.

الجاذبية Gravity

إسحاق نيوتن يفكر في أسباب سقوط التفاحة على الأرض

قد تكون قصة اكتشاف الجاذبية، أشهر قصص الاكتشافات العلمية وأكثرها إثارة. فلقد أخبرونا صغارا أن عالم الرياضيات والفيزياء الإنجليزي السير إسحاق نيوتن، اكتشف الجاذبية بعدما سقطت تفاحة من على شجرة كان يجلس تحتها عام 1664. حيث لفتت هذه الحادثة التي تتكرر مئات المرات انتباهه، وأخذ يفكر لماذا لم تصعد التفاحة إلى أعلى وما سبب سقوطها على الأرض؟. ولماذا سقطت التفاحة بشكل عامودي ولم تسقط ناحية اليمين أو اليسار؟. حتى استنتج أن هناك شيء أثر على التفاحة وجعلها تسقط على الأرض.

ثم أخذ يفكر في الأسباب حتى توصل إلى وجود جاذبية على الأرض تجذب الأشياء نحوها، وأن مجموع القوى التي تجذب الأشياء، هو مركز الأرض وليس في مكان آخر. وتوصل نيوتن إلى أن القوة التي جذبت التفاحة نحو الأرض ليست لها مسافة محددة بل أبعد مما نتصور. وكان دوما يتساءل هل تمتد هذه الجاذبية إلى القمر؟ وكان يجيب على جميع تساؤلاته بأن قوانين الجاذبية هي السبب في الحفاظ على توازن جميع الأجسام والكائنات والأجرام السماوية، وأخذ يبحث في موضوع الجاذبية الأرضية ما يزيد عن عشرين عامًا.

سقوط الأشياء بفعل الجاذبية

وقد فسّر اكتشافه هذا لماذا تسقط كل الأشياء، وأثبت أن حركة الأجسام على الأرض والأجسام السماوية يمكن وصفها وفق نفس مبادئ الحركة والجاذبية.  وعن طريق اشتقاق قوانين كيبلر من وصفه الرياضي للجاذبية، أزال نيوتن آخر الشكوك حول صلاحية نظرية مركزية الشمس كنموذج  للكون.

وينص قانون الجاذبية العام على أنه توجد قوة جذب في الكون بين أي جسمين و هذه القوة تتناسب بشكل طردي مع حاصل ضرب الجسمين و تتناسب بشكل عكسي مع مربع المسافة بين الجسمين.

ومن أعظم فوائد قانون الجذب العام هو مساعدته في اكتشاف بعض الكواكب فبسببه اكتشف هرشل كوكب أورانوس ثم كوكب نبتون وبلوتو بعد ذلك بواسطة آخرين.

البسترة Pasteurization

العالم الفرنسي لويس باستير في معمله

قبل أن يبدا العالم الفرنسي لويس باستير تجاربه مع الكائنات الحية الدقيقة/الميكروبات في عام 1860، لم يكن أحد يعلم ما الذي يسبب الأمراض. فباسيتر لم يكتشف فقط أن نمو الكائنات الحية الدقيقة الممرضة  Pathogenic Bacteria  هي ما تسبب في إفسادالحليب والبيرة والنبيذ، لكنه اكتشف أيضا قدرة الحرارة على والمطهرات على قتل هذه الميكروبات الممرضة، عن طريق تسخين السوائل مثل الحليب للقضاء على معظم البكتيريا والعفن الموجود بالفعل داخله.

لويس باستير يقوم بعملية البسترة

 و استنتج باستير من فكرة فساد المشروبات، أن الكائنات الحية الدقيقة التي تصيب الحيوانات والبشر تسبب الأمراض، واقترح وجوب منع دخول الكائنات الدقيقة إلى جسم الإنسان، مما قاد جوزف ليستر لتطوير أساليب التطهير في الجراحة، وبدأ الأطباء في غسل أيديهم وتعقيم أدواتهم مما ساهم في حفظ الملايين من البشر.

وعملية البسترة -التي نُسبت إلى مكتشفها لويس باستير- هي عملية تسخين لسائل ما على درجة حرارة معينة ولمدة كافية، ثم تبريده تبريدا مباشرا وسريعا، بغرض  القضاء على جميع أنواع البكتريا الممرضة والضارة والإنزيمات التي تسبب فساد  هذه المادة وجعلها غير صالحة لتغذية الإنسان.

البنسلين Penicillin

أليكسندر فيلمنج مكتشف البنسلين

البنسلين، هو أول وأقدم وأهم المضادات الحيوية التي تم اكتشافها. اكتشفه العالم الاسكتلندي أليكسندر فيلمنج عام 1928، عندما تعرضت إحدى مزارع البكتريا التي كان يعمل عليها  للهواء وتسممت. حيث لاحظ فيلمنج أن البكتريا تذوب حول الفطريات في المزرعة التي أعدها في المعمل. فاستنتج من ذلك أن الفطريات تفرز مادة قاتلة للبكتريا العنقودية. فأطلق على هذه المادة اسم البنسلين أي العقار المستخلص من العفونة.

صورة توضح المنطقة الخالية من البكتيريا حول فطر Penicillium notatum بفعل إفراز الفطر للمضاد الحيوي البنسلين

وقد أدى اكتشاف البنسلين إلى إنقاذ ملايين الأرواح، وساعد في اكتشاف الكثير من المضادات الحيوية  الأخرى واكتشاف عقاقير سحرية أخرى. ولا يزال البنسلين هو أكثر هذه العقاقير انتشارا حتى يومنا هذا. ويمكن القول أنه لولا اكتشاف المضادات الحيوية، لكانت أمراض مثل التهاب الحلق وقرحة المعدة والخراريج، أمراض مميتة قاتلة.

الأشعـة السينـية X-Rays

العالم الفيزيائي الألماني كونراد رونتجن مكتشف الأشعة السينية

في عام 1895، اكتشف الفيزيائي الألماني كونراد رونتجن مصادفة، أشعة كهرومغناطيسية غير معروفة له، دون أن يدري بأنه قد اكتشف الأشعة السينية التي ستلعب دورا حيويا وفعالا، في مجالات الطب والصناعة والأمن حتى يومنا هذا.

كان رونتجن يعمل في مختبره بمعهد الفيزياء بجامعة يوليوس-ماكسيميليانس على أنابيب الكاثود، ويراقب الأضواء الصادرة من تجربته على هذه الأنابيب، عندما لاحظ أن زجاجا على مسافة بعيدة -كان لا يجب أن يصله الضوء- بدأ يشع، رغم أن هناك لوحا خشبيا وورقة من الكربون بين مصدر الإشعاع والزجاج.

أصابت رونتجن الدهشة، ولم يخرج لمدة أسابيع من مختبره الذي يقع فوق غرفة نومه، وبقي يبحث في سبب هذه الظاهرة. وفي 22 ديسمبر  1895، أخد رونتجن أول صورة لجسد إنسان، كانت  يد زوجته، وفي عام 1901 كان أول من يحصل على جائزة نوبل في الفيزياء.

صورة أشعة سينية ليد زوجة العالم الألماني كونراد رونتجن

وأطلق رونتجن على الأشعة الكهرومغناطيسية التي اكتشفها بالإنجليزية، أشعة X -أي الأشعة السينية باللغة العربية- فيما سميت في ألمانيا أشعة رونتجن، نسبة له.

وتجلّت فائدة هذه الأشعة في الحرب العالمية الأولى، عندما بدأ الأطباء في استخدامها على نطاق واسع، في اكتشاف الكسور وفي فحص الالتهابات البكتيرية.

 واليوم تستعمل الأشعة السينية في العمليات الجراحية، وتستخدم في مجالات الفحص الأمني في فحص الحقائب، ويُفحص بها المواد في المجال الصناعي.

التخدير  Anesthesia

إجراء عملية جراحية دون تخدير

بحث الإنسان منذ الأزل عن طرق لتسكين الآلام، كي يتمكن من يعملون في مجالات الطب من اجراء العمليات الجراحية لمساعدة المرضى. وأسفر هذا البحث عن اكتشاف بعض العقاقير، ذات الأصل النباتي، والتي تقلل من الإحساس بالألم، وتجعل المريض يغيب عن وعيه.

ومن بين هذه العقاقير كان الأفيون Opium ، والقنب Hemp، نوبات اللُفاح Mandrake. لكن أياً من هذه الأنواع لم يثبت جدارته في قتل الآلام نهائيًا، لأنها ضعيفة التأثير عند استخدامها بتركيزات ضئيلة، في حين تفضي التركيزات العالية منها إلى الموت. في حين جُربت المشروبات الكحولية لإحداث التخدير، لكنه ومع أول استخدام للمشرط، عاود المرضى الإحساسُ بالألم والوعي.

وبعد محاولات دؤوبة، تم اكتشاف علم التخدير الحديث على يد الكيميائي جوزيف بريستلي الذي اكتشف غاز الضحك /أوكسيد النيتروجين، وتم اجراء أول عملية جراحية باستخدام غاز الضحك/أوكسيد النيتروجين، عام 1844م على يد طبيب الأسنان الأمريكي هورس ويلز في عملية خلع سن، لكن نسبة الغاز كانت خاطئة، مما جعل المريض  يصرخ من الألم.

لكن أثر غاز الضحك كان يتلاشى بعد مدة وجيزة، مما جعل اعتماده كمادة مخدرة في العلمليات الجراحية، أم صعب.

رسم لأول عملية جراحية أُجريت تحت تأثير الإيثير بواسطة د. ويليام مورتون

وفي عام 1846 اكتشف د. ويليام مورتون في أمريكا، المفعول المخدر للإيثير، وقام باستخدامه في البداية على كلبه كي يتمكن من تحديد الكمية المناسبة لإحداث الغياب عن الوعي، ثم استخدمه على نفسه وقام بخلع أحد أسنانه.  ثم استخدمه أخيرا  في استئصال ورم من رقبة أحد الشباب الأمريكيين، وتم ذلك بنجاح.

في عام 1947، استخدم الجراح الأمريكي هنري بيجلو خليطا من الإيثير والكلوروفورم في إجراء عملية جراحية طويلة، وجدير بالذكر أنه لولا اكتشاف التخدير، لما استطاع الأطباء اجراء أي جراحات طبية معقدة وطويلة.