ألقت الصراعات العسكرية والسياسية في ليبيا بظلالها على إنتاج النفط في دولة ريعية يعتمد 95% من اقتصادها على الذهب الأسود الذي يأتي من حقول في صحرائها إلى موانئ التصدير على سواحلها وأبرزها موانئ الهلال النفطي التي تتوسط البلاد وتشكل مركزا للتصدير.

موانئ الهلال النفطي:

وتحتوي منطقة الهلال النفطي على أربعة موانئ نفطية تغذيها عدد من الحقول والآبار المنتجة للنفط الخام.

1- ميناء السدرة:

يعد أكبر موانئ الهلال النفطي تصديرا للنفط الخام، يبعد 390 كيلو متر عن مدينة بنغازي شرق ليبيا، سعته التخزينية  6 ملايين برميل، وطاقته الإنتاجية نحو 400 ألف برميل يومياً.

2- ميناء رأس لانوف:

ثاني أكبر ميناء نفطي بالمنطقة من حيث التصدير، ويبعد 360 كيلو متر عن مدينة بنغازي، ويتكون من ثلاثة أرصفة، أول شحنة نفطية صدرت منه كانت في يناير 1985، ويتبع لشركة رأس لانوف لتصنيع النفط والغاز، وطاقته الإنتاجية حوالي 220 ألف برميل يومياً، وسعته التخزينية أكثر من 6 ملايين برميل.

3- ميناء الزويتينة:
 

يقع في مدينة إجدابيا ويبعد 130 كيلو متر عن مدينة بنغازي، وتبلغ سعته التخزينية من النفط الخام حوالي 6.5 برميل، وقدرته الإنتاجية حوالي 100 ألف برميل، وصدرت أول شحنة نفط خام منه بتاريخ 28 من شهر فبراير 1968، ويتبع لشركة الزويتينة للنفط.

4- ميناء البريقة:

يقع على بعد 250 كيلو متر عن مدينة بنغازي، أنشئ عام 1965، ويتبع لشركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز المملوكة للمؤسسة الوطنية للنفط، وقدرته الإنتاجية حوالي 120 ألف برميل يومياً.

إغلاق الموانئ

وليبيا التي تنتج 1.6 مليون برميل يوميا، قُبيل اندلاع الثورة عام 2011، لم يتوقع مراقبي الوضع الاقتصادي فيها أن يصل الاقتصاد إلى هذه الدرجة من السوء  بعد انخفاض إنتاج النفط، في النصف الأخير من عام 2013 ؛ بسبب إقدام مجموعة من منتسبي حرس المنشآت النفطية يقودهم إبراهيم الجضران، على إغلاق موانئ الهلال النفطي ومنع تصدير الشحنات القادمة من الحقول النفطية في 25 يوليو احتجاجاً على ما أسموه بـ”الفساد” في بيع النفط دون عدادات.

الأمر الذي دعا  المؤسسة الوطنية للنفط في منتصف أغسطس، إلى  إعلان حالة القوة القاهرة على موانئ الهلال النفطي المغلقة؛ لعدم قدرة المؤسسة على الإيفاء بالتزاماتها أمام الدول المستوردة للنفط.

الموانئ التي استمرت مغلقة لثلاثة أعوام فتحت في سبتمبر عام 2016  وبدء التصدير منها عقب سيطرت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بعملية عسكرية شنها على قوات إبراهيم الجضران، وسلمتها للمؤسسة الوطنية للنفط الموحدة التي يرأسها مصطفى صنع الله، وخرج حرس المنشآت النفطية منها الذي كان يسيطر على الموانئ  منذ عام 2011 وتسلّم حرس أخر تابع لحفتر يقوده مفتاح المقريف.

فتح الموانئ وإعادة التصدير

وأعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط -الذي وحدت إجراءات دولية، المؤسسة الوطنية  تحت قيادته عقب انقسامها نهاية عام 2014 إلى مؤسستين إحداها في طرابلس يقودها هو، وأخرى في بنغازي يقودها ناجي المغربي- ترحيبه بسيطرة قوات اللواء المتقاعد خليفة على الموانئ، وأعترف بحرس المنشآت المكلف منه وأعلن عن عودة تصدير النفط.

وقبل أن يُعاد تصدير النفط  بسيطرة حفتر، كانت هناك محاولات لفتح الموانئ برعاية الرئاسي عقب اتفاق الأخير مع الجضران الذي أعلن انتماءه للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وسماه رئيسا لجهاز حرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى، إلا أن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط لم يبارك الخطوة قائلا :”إنه من الخطأ مكافأة رئيس جهاز حرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى إبراهيم الجضران على إغلاقه الموانئ النفطية أكثر من ثلاث سنوات”

وفي ديسمبر 2015 أعلن شيخ قبيلة المغاربة- التي ينتمي لها الجضران، وتقع منطقة الهلال النفطي في مناطق نفوذها- صالح لطيوش عن اتفاق مع آمر حرس المنشآت السابق إبراهيم جضران على فتح الموانئ النفطية في15  ديسمبر، وذكر جضران شروطا لتنفيذ الاتفاق وهي: تشكيل لجنة تحقيق مستقلة من القضاة للتحقيق في مسألة بيع النفط دون عدادات وشبهة السرقة، وتشكيل لجنة رقابة من مختلف مناطق ليبيا لمراقبة كيفية التصرف في المال العام، وصرف نصيب برقة من عائدات النفط وفق القانون رقم 58 الذي حدده دستور 1951.

وفي 15 ديسمبر من نفس العام رفض جضران فتح الموانئ النفطية لفشل الوصول إلى اتفاق مع الحكومة، وأعلن رئيس الحكومة منح جهود الوساطة مزيدا من الوقت قبل اتخاذ خطوات أخرى لإنهاء الأزمة، ويبقى الخلاف بين الطرفين حول توزيع عائدات النفط.

خسائر إغلاق الموانئ

وقدر ديوان المحاسبة خسائر إغلاق الموانئ النفطية مايزيد عن الـ 70 مليار دولارعلى مدار 3 سنوات، وذلك في الفترة ما بين أغسطس 2013 ونهاية العام 2015.

ولفت الديوان في تقريره إلى هبوط إنتاج النفط إلى 146 ألف برميل يوميا، مقابل إنتاج عام 2012 الذى بلغ مليونا و500 ألف برميل يوميا، بنسبة انخفاض بلغت 73% .

وأشار الديوان إلى أن إجمالي ما فقدته ليبيا من إنتاج النفط يصل إلى 385 مليون برميل خلال الفترة نفسها، وهي خسائر عائدات قدرها بقيمة 20 مليار دولار.

الصراع العسكري:

ويهدد الموانئ النفطية صراعا عسكريا بين ثلاثة أطراف :

سرايا الدفاع عن بنغازي، وحرس المنشآت النفطية(قوة دفاع برقة سابقاً)، و قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

أولا سرايا الدفاع عن بنغازي :وهي عبارة عن كتائب من ثوار بنغازي وأجدابيا يقودها عسكريين وثوار هدفهم الدخول إلى مدينة بنغازي لدعم مجلس شورى ثوار بنغازي واستعادة السيطرة على المدينة التي يسيطر على أجزاء كبيرة منها حفتر منذ 2014.

ثانيا حرس المنشآت النفطية والقاطع الحدودي أجدابيا وهما قوتان متحالفتان متمركزتان في مدينة أجدابيا وموانئ الهلال النفطي يقود تلك القوة إبراهيم الجضران آمر حرس المنشآت النفطية وبشير أبو ظفيرة، تهدف هذه القوة إلى استعادة دورها في الموانئ النفطية ومدينة أجدابيا بع أن أخرحها حفتر من في سبتمر عام 2016.

ثالثا قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر :وتمثل قوات حفتر في تلك المنطقة ثلاث كتائب هي 302 أو ما تعرف بالجوارح ويقودها داوود القابسي وكتيبة 101 ويقودها محمد بسيط،  والكتيبة 152 بإمرة عبدالحكيم معزب، غضافة إلى تشكيل سلفي مدخلي مسلح يدعى كتيبة التوحيد. وكل تلك الكتائب لها عداوات مع الجضران الذي تراه مستحوذا على السلطة في تلك المناطق منذ عام 2011.

مراحل التوتر في الهلال النفطي

مرت مراحل التوترات في الهلال النفطي بين المكونات الثلاثة المذكورة  بثلاث مراحل وسبق ذلك في عام 2015 عملية الشروق التي أطلقها المؤتمر الوطني العام “لتحرير المواني النفطية من الجضران” قبل أن تتغير خريطة التحالفات بعد معاداة حفتر للجضران والتيار الفيدرالي الذي يدعمه الجضران.

في 18 سبتمبر 2016 شنت سرايا الدفاع عن بنغازي بالتعاون مع قوات حرس المنشآت النفطية التي يقودها  إبراهيم جضران الموالي لحكومة الوفاق الوطني، هجوماً مسلحا على موانئ الهلال النفطي في محاولة لاستعادتها، إلا أنها قوبلت بقصف من طائرات تابعة لحفتر.

وفي 7 ديسمبر 2016 أعلنت غرفة تحرير وتأمين الحقول والموانئ النفطية المشكلة بقرار وزير الدفاع  بحكومة الوفاق الوطني العقيد المهدي البرغثي، إطلاقها عملية عسكرية لاستعادة السيطرة على موانئ الهلال النفطي و”تحريرها”  من قوات حفتر، بالتعاون مع سرايا الدفاع عن بنغازي، إلا أنه جرى استهداف آلياتهم من قبل طائرات حفتر مرة أخرى، وانسحابهم إلى جنوب الهلال النفطي.

في الثالث من مارس الجاري شنت سرايا الدفاع عن بنغازي، هجوماً مسلحا يعد الثالث على موانئ الهلال النفطي، للسيطرة وطرد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي سيطرت على موانئ الهلال النفطي في 14 سبتمبر 2016، بعدما كانت تحت سيطرة قوات حرس المنشآت النفطية بقيادة آمر الجهاز إبراهيم جضران الموالي لحكومة الوفاق الوطني. وأعلنت قوات السرايا سيطرتها على الموانئ، وتسليمها لحرس المنشآت بقيادة إدريس بوخمادة الذي كلفه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق.

وفي 14 من مارس أعلنت قوات حفتر استعادة السيطرة على الموانئ النفطية بعد ما أعلنت عن هجوم بري وجوي وبحري وانسحبت قوات سرايا الدفاع عن بنغازي وحرس المنشآت النفطية إلى منطقة الجفرة جنوب الهلال النفطي.

توقعات ومسارات الصراع

ويتوقع مراقبون أن تعيد سرايا الدفاع عن بنغازي تقدمها نحو موانئ الهلال النفطي متحالفة مع حرس المنشآت النفطية خلال الفترة القريبة القادمة.

ويرى المراقبون أن انسحاب السرايا هو خطوة لترتيب الصفوف، موضحين أن ما يدفع تلك القوة (السرايا وحرس المنشآت) إلى العودة الهلال النفطي رغبة كل منهما إلى العودة إلى مناطق نفوذه.

وبحسب المراقبين، فإن حسم معركة الهلال النفطي لصالح سرايا الدفاع وحرس المنشآت النفطية سيترتب عليه عودة الحرس إلى منطقة نفوذه القبلية والمناطقية التي تسيطر عليها قبيلة الزوية المنافسة لهم في أجدابيا، ممثلة في قادة كتائبها محمد أبسيط وعبدالحكيم معزب، وسيمثل الانتصار في معركة الهلال النفطي خط إمداد آمن لقوات سرايا الدفاع عن بنغازي في طريقها نحو مدينتها للسيطرة عليها ودعم صفوف مجلس شورى ثوار بنغازي هناك.

ويعتقد المراقبون أن أطرافا دولية ستجعل من ظروف التقدم ممكنة بدعمها لتلك القوة التي تدين بالولاء لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من المجتمع الدولي التي يرفضها حفتر ويعترض طريق تلك القوة.

المصدر: ليبيا الخبر