يدور على ساحة الإعلام الرسمي المصري، وجُلُّ الإعلام المصري صار الآن رسميًّا أو في معناه، أن الأزهر أخفق في مهمته، وأن الجماعات التكفيرية نجحت في التوسع واستقطاب أفراد يقومون بعمليات إجرامية تقض مضاجع الآمنين وتثير البلبلة وتعبث بالاستقرار.

صار هذا الإعلام يهاجم الأزهر بغطاء من السلطة التي باتت تُكَرِّرُ بعد التفجير الأليم للكنيستين بطنطا والإسكندرية ضرورة تجديد الخطاب الديني، في استمرار لفكرة تُلِحُّ عليها ولا تفتأ تذكرها، تعتبر أن الخطاب الديني به مشاكل تؤدي إلى تمدُّدِ الجماعات التكفيرية وانتشار التطرُّف، ويختفي في هذا السياق الحديث عن التقصير الأمني والسياسي والاقتصادي، والوعد المتكرر بعدم تكرار مثل هذه الحوادث، بل ويبرز في المقابل الادعاء بنجاح السلطة في مواجهة الإرهاب، الأمر الذي يدفع الإرهاب للتنقل من مكان لآخر، إثباتًا لهذا النجاح!

لنتجاوز هذه النقطة، ونتساءل عن مدى صحة هذا التصور، في الحقيقة فإن هذا التصور مُنْتَقِضٌ بأمريْنِ ظاهريْن:

الأول.. عدم اتحاد المرجعية بين هذه التيارات والفكر الذي يدعو إليه الأزهر وقام على أساسه.

والثاني.. سعي قيادة الأزهر للتأكيد على المعاني التي يُطالبه بها الإعلام خلال السنوات الماضية وحتى الآن، واتساق ذلك مع أفكاره ومنهجه.

دعاة الهجوم على الأزهر، الكثير منهم في الحقيقة متطرفون مستبدُّون في الطرح

المشكلة الكبرى التي يتجاهلها دعاة الهجوم على الأزهر، أن تجديد الخطاب الديني للأزهر بحق، للتأكيد بصورة أكبر على معاني التسامح والإخاء والمساواة والتوحُّد والبناء والعمل والوسطية والبذل والعطاء، لا يمكن أن يأتي إلا بنتائج عكسية بالنسبة لهم، حيث إن هذه المعاني النبيلة والقيم السامية لا يمكن أن تتحقَّقَ بغير التأكيد على قيم العدل وحرية الرأي والتعبير والعمل والكرامة والنزاهة والشفافية، فخطاب بغير هذا التوازن لا يمكن أن يكون مؤثرًا في أحد، وهذه القيم تتعارض مع ما يقصده دعاة الهجوم على الأزهر، لأن الكثير منهم في الحقيقة متطرفون مستبدُّون، لدرجة أنهم ينعون على الأزهر عدم تكفيره لهذه التنظيمات.

وهو باب لو فُتح لما أمكن للأزهر ولا لغيره أن يمنع من تكفير أحد لارتكابه كبيرة من الكبائر، فضلاً عن عدم جواز هذا التكفير، فهؤلاء لا يعنيهم العدل الذي نرى بنيانه ينهار تحت رغبة حثيثة في اجتثاث فصائل وأطياف سياسية واجتماعية، فيسعون لتعميق انقسام مجتمعي، وكراهية للآخر، وتمييز فجٍّ ضد فئات كثيرة بالمجتمع، هؤلاء لا يؤمنون بالحرية، ويَطْرَبُونَ لتكميمِ الأفواه وتقييدِ حركةِ المجتمع، الذي صارت كرامتُه منتهكة، وقواه خائرة، وثرواته المادية والبشرية ضائعة.

ينتشر التطرف في هذه البيئة الخصبة من الظلم والتمييز وانتهاك كرامة البشر وتقييد حركة المجتمع، حينئذ يصبح التطرف وسيلة للتغلب والخروج على الأطر القانونية التي كان يجدر بها أن تنظم حركة المجتمع فتقيدها، وتمكن البشر من حقوقهم فتحرمهم منها، فيجد الإنسان في التطرف وسيلة ليكون زعيمًا لنفسه يشعر بحريتها، وإن كان في الظاهر تابعًا لما يُسمَّى بأمير أو خليفة أو قائد، ولكنه يشعر بحريته في خروجه عن سلطان الدولة وأطرها القانونية والتنظيمية، وإمكان انتقامه منها، ثأرًا من انتهاكها لكرامته أو لعدم تطبيقها لتصوراته الخاصَّة عن الدين وإدارة العلاقات الاجتماعية والسياسية بداخلها أو لغير ذلك من دوافع.

يريد دعاة الهجوم على الأزهرِ أن يتحمَّلَ الأزهرُ وحدَه عبء مواجهة هذا التصور عند هؤلاء المتطرفين

يريد دعاة الهجوم على الأزهرِ أن يتحمَّلَ الأزهرُ وحدَه عبء مواجهة هذا التصور عند هؤلاء المتطرفين، بإقناعهم وإقناع الآخرين ممن يُحتمل أن ينحرفوا نحو التطرف والغلو أن يثقوا بالدولة وأن يؤمنوا بعدلها، وأن يُصَدِّقوا أنهم لا يتعرَّضون لأي نوع من أنواع الظلم بها، وأن كرامتهم محفوظة، ولا تمييز ضدَّهم، وليس ثمة فئة أو فئات محدودة تستأثر بخير هذا الوطن، فيما يرزح الباقون تحت وطأة الفقر والبطالة وسوء الخدمات الصحية والتعليمية، وأن قضايا الوطن تناقش بشفافية ووضوح يشعر معها المرء بانتمائه لهذا الوطن وحقه في إبداء رأيه ومناقشته والأخذ به.

الحقيقة التي لا لبس فيها، أنَّ من يكاد يدَّعي لنفسه العصمة، فلا ينسب إليها خطأ ولا يقبل لها نقدًا، أن يُقِرَّ بتحمُّل مسؤولية انتشار التطرف والإرجاف في الأرض، وأن ينسبه إلى أفعاله وتصرفاته وسياساته!

إخفاق الأزهر الحقيقي

ما أخفق فيه الأزهر حقًّا ليس عدم قدرته على التجاوب مع رغبة السلطة والمتطرفين العلمانيين في تكفير المتطرفين، وتبني خطاب ديني معين ذي مواصفات محددة، بل على العكس، إخفاقه الحقيقي في انزلاقه نحو الظهور في مشاهد سياسية أدت إلى حدوث شرخ وانقسام مجتمعي يصعب لَأْمُه في أمد منظور، ودخوله في علاقات مع أطراف في الداخل والخارج قللت من هيبته وأضعفت من مكانته، واستمراره على مواقف صار من المقطوع إلحاقها الضرر به، واتخاذه خطوات تتعلق بالإصلاح استجابة لعوامل خارجة عنه وليست نابعة منه سواء في خطابه أم مناهجه أم حركته.

تقليص التعامل مع التراث وليس مزيدًا من التفاعل معه، وهو ما انعكس سلبًا على كيفية استخدام أدوات ووسائل الفقه وأصول الفقه والعقيدة والمنطق والتجربة التاريخية الحضارية للمسلمين

كثيرٌ من هذه الخطوات على سبيل المثال تعلَّقَ بتقليصِ التعامل مع التراث وليس مزيدًا من التفاعل معه، وهو ما انعكس سلبًا على كيفية استخدام أدوات ووسائل الفقه وأصول الفقه والعقيدة والمنطق والتجربة التاريخية الحضارية للمسلمين، في بناء منهاج خطاب وحركة وعمل ونظم، يؤدي إلى تغيير واقع التفاعل مع هذه العلوم وتحقيق المكانة اللائقة للمؤسسة الأزهرية في المجتمع وتوجيهه فيما يخصها من مساحات ومجالات، الأمر الذي أثَّر سلبًا على مستوى المنتسبين إليه وأضعف تفاعلهم مع الواقع ومستجدات العصر.

اتجاهان مختلفان

من المهم أيضًا في هذا السياق الانتباه إلى أن دائرة حركة الأزهر المنتجة لتطور وإصلاح حقيقي مختلفة عن دائرة عمل تنظيمات التكفير والتطرف والغلو، وأدوات الفريقين مختلفة، فالأزهر يحتاج إلى بيئة من حرية الحركة والعمل له ولغيره من تشكيلات المجتمع الطبيعية، حتى يحدِثَ أثرًا في واقع الناس وأفكارهم، ويستجيب لتحديات العصر والواقع بالشكل اللائق، وشيء من هذا بدأ في الحصول عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، حين عمل الأزهر كمنصة للتوافق المجتمعي، وبات يُصْدِرُ وثائقَ تؤكِّدُ على الحريات العامَّة وصيانة الكرامة الإنسانية وحقوق المرأة وغيرها. 

تتقلصُ مكاسبُ الأزهرِ التي حازها بعد ثورة يناير، وتتراجعُ مكانتُه في المجتمع

وكانت هذه الوثائق مرجع العاملين في هذه المجالات، يُلِحُّون على تأكيد أنهم في سعيهم، كلٌّ في مجاله، ينطلقون مما قرَّرَتْه وثائق الأزهر، ثم حين انحاز قادة الأزهر لنظام 3 من يوليو، وكانوا محل إجلال وإكبار هذا النظام، وظنُّوا أن وضعًا أفضل سيحصلون عليه بعد توترٍ أصاب علاقتهم مع جماعة الإخوان، أصيبوا بخيبة أمل، بعد أن رأوا آراءهم يَضْرِبُ بها نظام 3 من يوليو عرض الحائط، وتتقلصُ مكاسبُ الأزهرِ التي حازها بعد ثورة يناير، وتتراجعُ مكانتُه في المجتمع، وتلوكُ سيرتَه بالسوء ألسنةُ أراذلَ لا خَلَاقَ لهم، ولم يعد الأزهر يُطلب للإسهام بجهده ورأيه، بل صار يُطلب للقيام بأدوار معيَّنة، وفي كثير من الأحيان، لا يمكن له ولا لقادته القيام بها.

أما التنظيمات المتطرفة فهي تعمل في هذه البيئة المقفرة، حيث الحريات مقيدة، والمجال العام مغلق، وعلماء التوسط والاعتدال محجوبون عن العامة، خشية أن تُسمع مطالبتهم بالحرية والكرامة والعدل مع دعوتهم للإخاء والتسامح والسلام.