يوم الثلاثاء الماضي، فاجأت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، شعبها بدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة، التي تتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان البريطاني، فضلا عن أن التصويت على هذا الإجراء يُعتبر شكليا.

والجدير بالذكر أن هذه الانتخابات، التي من المزمع عقدها في الثامن من حزيران/ يونيو القادم، ستكون أكبر ثالث انتخابات أُجريت في البلاد في ظرف سنتين. في الواقع، شهدت المملكة المتحدة انتخابات برلمانية سنة 2015، بالإضافة إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حزيران/ يونيو الماضي.

ما السبب وراء إجراء انتخابات جديدة في الوقت الراهن؟

ورد في التصريحات التي أدلت بها تيريزا ماي خارج مقرها في "داوننغ ستريت"، أن الحكومة في حاجة إلى تفويض جديد تزامنا مع دخول المملكة المتحدة في مفاوضات متوترة مع الاتحاد الأوروبي حول شروط مغادرة البلاد للاتحاد. وقد استلمت ماي منصب رئيس الوزراء خلفا لديفيد كاميرون، الذي استقال السنة الفارطة في أعقاب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

يبدو من الجلي أن ماي تستشعر نيل فرصة سياسية من خلال هذه الانتخابات علما وأن المحافظين يمثلون أغلبية ضئيلة في البرلمان، بفارق 17 مقعدا فقط

علاوة على ذلك، يبدو أن رئيسة الوزراء البريطانية ترغب في التأكد من موافقة الناخبين على البركسيت بشكل مباشر. وفي هذا الصدد، قالت تيريزا ماي "لقد خلُصت إلى أن السبيل الوحيد لضمان الاستقرار خلال السنوات القادمة يتمثل في إجراء هذه الانتخابات، فضلا عن السعي إلى الحصول على دعمكم للقرارات التي يتوجب علي اتخاذها".

ماذا غيّرت رئيسة الوزراء البريطانية رأيها؟

وفقا لما لاحظه صحفي واشنطن بوست، آدم تايلور، فإن دعوة ماي إلى عقد انتخابات مبكرة تتناقض مع تصريحاتها المتكررة، التي أشارت فيها إلى أن هذه الانتخابات لن تُجرى إلا عند انتهاء ولاية البرلمان سنة 2020. لذلك يبدو من الجلي أن ماي تستشعر نيل فرصة سياسية من خلال هذه الانتخابات علما وأن المحافظين يمثلون أغلبية ضئيلة في البرلمان، بفارق 17 مقعدا فقط.
وخلافا لذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى ارتفاع شعبية ماي، ناهيك عن أن المحافظين أصبحوا يتمتعون بموقف قوي لتعزيز مكانتهم على حساب حزب العمال المنافس، الذي يعيش حالة من الفوضى. من جهة أخرى، ستساعد الانتخابات المبكرة ماي على كسب دعم الشعب قبل أن يتعمق الانقسام داخل صفوف البريطانيين المتخوفين من ضريبة الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ماي: "نحن الآن بحاجة إلى انتخابات عامة. في الوقت الراهن، لا نملك سوى فرصة واحدة ولن تتكرر لتنظيم الانتخابات"

وفي هذا السياق، أوضحت ماي، "نحن الآن بحاجة إلى انتخابات عامة. في الوقت الراهن، لا نملك سوى فرصة واحدة ولن تتكرر لتنظيم الانتخابات، وذلك في الوقت الذي سيوافق خلاله الاتحاد الأوروبي على تبنّي موقفه التفاوضي وقبيل انطلاق المحادثات التي تتمحور حول تفاصيل الخروج".

ما علاقة الانتخابات بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

في حال حققت ماي وحزبها من المحافظين فوزا عريضا، وهو ما يتوقعه الكثيرون، فإن هذه الانتخابات سوف تمدّها بالقوة الكافية، في الوقت الذي تصب فيه جل اهتمامها على المحادثات مع بروكسل. بالإضافة إلى ذلك، تسعى ماي إلى إتمام مهمة خروج بريطانيا التي وُصفت "بالصعبة"، والتي سينجر عنها التخلي عن دخول السوق الأوروبية الموحدة، فضلا عن التفريط في العديد من الامتيازات التي يتمتع بها أعضاء الاتحاد الأوروبي.

وفي حال حققت أحزاب المعارضة نتائج جيدة في الانتخابات، فقد يؤدي ذلك إلى التخفيف في نسق المفاوضات ويدفع بتيريزا ماي إلى تقديم تنازلات. في الأثناء، لن يتضمن أي من السيناريوهات الآنف ذكرها إبطال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي تعليق عن هذه الأحداث، قال الصحفي مايكل بيرنبوم إن "ماي استغلت الفترة الحالية بغية ربح المزيد من الوقت، في الفترة التي تُجرى فيها مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. في المقابل، غابت الديناميكية المطلوبة التي رافقت استفتاء العام الماضي".

يخلو ردّ فعل زعيم حزب العمال، جيريمي كوربين -على الانتخابات المفاجئة- من أي إشارة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

كما أضاف بيرنبوم أنه "لا يستطيع أي زعيم توجيه تهديد حقيقي لماي من خلال حشد أصوات مناهضة للبريكسيت. من جهته، يخلو ردّ فعل زعيم حزب العمال، جيريمي كوربين، على الانتخابات المفاجئة من أي إشارة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي تعتبر القضية السياسية المركزية في بريطانيا. ويُعتبر ذلك إشارة إلى مخاوف كوربين من أن أي محاولة منه لعكس قرار سنة 2016 سيتسبب في نفور جزء كبير من قاعدته".

ما خطب حزب العمال؟

يعيش حزب المعارضة الرئيسي حالة من الفوضى، وبالتالي، قد يؤدي ذلك إلى خوض أسوأ عرض انتخابي منذ سنة 1918. خلال جميع الانتخابات الوطنية السابقة التي شارك فيها الحزب، لوحظ تأييد جزء من قاعدة الطبقة العاملة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمنابر المناهضة للمهاجرين. من ناحية أخرى، ذاق حزب العمل مرارة الخسارة خلال الانتخابات الخاصة، التي عُقدت في شباط/ فبراير في الدائرة الانتخابية بشمال إنجلترا، حين فاز مرشح عن المحافظين بالمقعد الذي لطالما استأثر به حزب العمال منذ سنة 1935.

يواجه كوربين حاليا ردود فعل أخرى داخل حزبه، ذلك أن البعض من أعضاء حزب العمال في البرلمان يحثّونه على إعادة النظر في موافقته على سياسة رئيسة الوزراء والعدول عن رأيه

في الحقيقة، يكمن جزء من المشكلة التي يمر بها حزب العمال في شخص زعيمه الحالي، جيريمي كوربين، اليساري المتعنت الذي أمضى عدّة أشهر في دوامة صراع داخلي مع جناح حزب العمال الأكثر اعتدالا. وفي هذا الصدد، أفادت الصحفية كارلا آدم أن "استطلاعا للرأي قد أجري مؤخرا أظهر أن غالبية ناخبي حزب العمال لن يقبلوا كوربين رئيسا للوزراء في حال دخل في منافسة مع تيريزا ماي".

في الواقع، لم يكن كوربين متحمسا لمعارضة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما أنه أيّد يوم الثلاثاء الماضي قرار ماي حول إجراء انتخابات جديدة. ونتيجة لذلك، يواجه كوربين حاليا ردود فعل أخرى داخل حزبه، ذلك أن البعض من أعضاء حزب العمال في البرلمان يحثّونه على إعادة النظر في موافقته على سياسة رئيسة الوزراء والعدول عن رأيه.

هل بمقدور أي حزب آخر مواجهة تيريزا ماي؟

تبدو مواجهة أي حزب لرئيسة الوزراء الحالية أمرا بعيد المنال. في الحقيقة، شهد "حزب استقلال المملكة المتحدة" اليميني المتطرف، الذي قاد في مناسبة واحدة دعوات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تهديدا على وجوده من قبل المحافظين. أما الديمقراطيون الليبراليون، الذين هُزموا في انتخابات سنة 2015، فيأملون في فرض أنفسهم من جديد.

وفي شأن ذي صلة، صرح زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، تيم فارون، "إذا كنتم ترغبون في تجنب خروج بريطانيا الكارثي من الاتحاد الأوروبي، وفي حال كنتم تريدون أن تظل بريطانيا جزءا من السوق الموحدة، وإن كنتم ترغبون في العيش داخل بلد منفتح، ومتسامح وموحد، فهذه هي فرصتكم". خلافا لذلك، حتى إذا نجح الحزب في كسب قاعدة أساسية، فمن المرجح أن يكون ذلك شبيها بقاعدة حزب العمال.

وماذا عن اسكتلندا؟

من جهتها، وصفت زعيمة الحزب القومي الأسكتلندي، نيكولا ستارجن، قرار تيريزا ماي بالدعوة إلى إجراء انتخابات "بالخطأ السياسي الفادح". في الأثناء، من المتوقع أن يحتفظ حزبها بهيمنته على مقاعد اسكتلندا في وستمنستر، كما أنه من المرجح أن يمتلك الجرأة الكافية ليفتح مسألة استقلال اسكتلندا مجددا. في الواقع، رفضت ماي الطلب الذي قدمته نيكولا ستارجن الشهر الماضي حول إجراء استفتاء ثانٍ في سبيل حصول اسكتلندا على استقلالها.

قد تؤدي الانتخابات العامة الجديدة إلى تعميق الأزمة السياسية المستمرة في أيرلندا الشمالية

في هذا السياق، أشارت صحيفة "ذي إيكونوميست" إلى أن "إجراء تصويت مماثل، قد قوبل بالرفض لأنه يعد تصرفا غير مسؤول في الوقت الذي لم تتضح فيه بعد شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي". وأضافت الصحيفة أنه "لمن الصعب أن نشاهد عدم إبداء رد فعل مماثل حول تنظيم انتخابات عامة الآن في بريطانيا". في غضون ذلك، قد تؤدي الانتخابات العامة الجديدة إلى تعميق الأزمة السياسية المستمرة في أيرلندا الشمالية.
 
المصدر: واشنطن بوست