أعلن "فرانسوا هولاند "الرئيس الفرنسي، بعد هجمات باريس عام 2016، أن بلاده تُراجع مشروع تعديل دستوري بإدراج حالة الطوارئ في الدستور، وإسقاط الجنسية عن الأفراد الذين يحملون جنسيات مزدوجة ممَّن يثبت ارتباطهم بالإرهاب، بمن فيهم أولئك الذين وُلدوا في فرنسا، ولكن تلك لم تكن الحالة الأولى التي يُستخدم فيها سحب الجنسية كعقاب، فما هو سحب الجنسية؟

قام قانون المدينة على تنظيم التجارة بين الأفراد، ذلك بعد اكتشاف الإنسان لعدم قدرته على استقلاليته والانفراد بانتاجية احتياجاته، وبعد تنظيم الروابط بين سكان المدينة الواحدة، كان على المدن الاتصال ببعضها البعض، والتجارة فيما بينها، وكان هناك حاجة لتنظيم عمليات التجارة بين المدينة والأخرى، ليظهر بعد ذلك قوانين المدن أو "قوانين الاقتصاد الدولي" بعد تأسيس قوانين الاقتصاد الداخلي.

وذلك بعد تأسيس كل مدينة على حدة مستقلة بذاتها ولها روابط بما يجاورها من دول، جاء مفهوم الجنسية، وهي ببساطة الإثبات القانوني للانتماء إلى الدولة، نتج عنها تلك العلاقة القانونية التي ترسم لكل من الفرد والدولة الواجبات والحقوق تجاه بعضهما البعض، والتي من ضمنها أيضًا قانون منح الجنسية.

شهد التاريخ حالات مختلفة لمنح الجنسيات، فعلى سبيل المثال كانت الأُسس الدينية من الأُسُس المعمول بها في منح الجنسية في المَلَكيات الأوروبية القديمة، ففي فرنسا مثلًا كان اعتناق المسيحية الكاثوليكية وحده يُضفِي الصفة الوطنية على اليهود والبروتستانت، إلا أن الآن تختلف القوانين من دولة لأخرى،  فبعضها يتخذ محل الولادة سببًا كافيًا في منح الجنسية، والآخر يتخذ الرابطة بالأم أو الأب سبب كاف لمنحها أيضًا.

منح الجنسية عمل سيادي

تُصنف بعض البلاد العربية الآن عملية منح الجنسية كونها "أعمال سيادية"، وهذا ما يصفه الدستور الكويتي والليبي وكذلك في الإمارات العربية المتحدة، وهي بحكم الفلسفة التقليدية للقانون، تعني أعمال إدارية خارج ولاية القضاء، فلا يجوز للمحاكم أن تنظرها أو تلغيها، ممَّا يُعطِي مساحة مطلقة للحكومة في هذه الأعمال، بحُجَّة أنها تمسُّ سيادة البلاد الخارجية والداخلية.

في فرنسا، الدولة التي استحدثت فكرة "الأعمال السيادية"، فيعتبر قانونها أن الجنسية من اختصاصات القضاء الإداري بالفعل، لكن بعض التشريعات العربية التي استوحت قواعدها من القانون الفرنسي القديم لا تزال كما هي، ومِن ثَمَّ لا يحق لمواطنيها التقاضي للحصول على حقهم في الجنسية، ولا الاحتجاج على سحبها منهم.

بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فإن هناك ما يقارب 10 ملايين شخص بلا جنسية حول العالم، بالرغم من أن معهد معدومي الجنسية والتضمين يقول إن العدد يتجاوز الـ 15 مليونًا، حيث وصفتهم المفوضية بـ "الأشباح القانونية" و عرضة لانتهاكات حقوق الإنسان ولا يملكون دربًا للعدالة.

بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فإن هناك ما يقارب 10 ملايين شخص بلا جنسية حول العالم

لمن حق الجنسية؟


من مظاهرات "بدون الكويت" من لم تُمنح لهم الجنسية الكويتية منذ عقود

إذًا لا يحق للمواطنين التدخل في الحصول على حقهم في الجنسية، وكذلك لا يحق لهم الاحتجاج أو الاعتراض على سحبها منهم، فهل يكون سحب الجنسية ميزة تتفضل بها الدولة على المواطنين؟ وهل يكون سحبها نوعًا من أنواع العقاب، من الممكن جدًا أن يتم بصورة جماعية عبثية؟

على الرغم من أن سحب الجنسية كان مقبول دوليًا وحتى مجتمعيًا في حالات "الخيانة الوطنية" أو قضايا التخابر لصالح دولة أخرى، إلا أنه وبدعوى من جرائم الإرهاب المتكررة دوليًا، أصبح "الإرهاب" أيضًا على قائمة الأسباب المقبولة قانونيًا ومجتمعيًا لسحب الجنسية، كان هذا ما فعلته تونس تجاه المنضمين لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وارتكابهم لجرائم إرهابية، حيث أثارت مسألة التعديلات على القوانين التي تخص سحب الجنسية ومنع المواطنين من العودة جدلًا بين مؤيد ومعارض في تونس.

رأينا ذلك في فرنسا بعد حالات الإرهاب المتكررة في العام الماضي، بعد أن أعلن الرئيس الفرنسي إسقاط الجنسية عن الأفراد الذين يحملون جنسيات مزدوجة ممَّن يثبت ارتباطهم بالإرهاب، بمن فيهم من كان مولودًا في فرنسا، كما كان ذلك في كل من الكويت والبحرين، بعد أن سحب السلطات الجنسية من كثير من المعارضين بتهمة الإضرار بمصالح البلاد العُليا.

سحب الجنسية في الإمارات


حذت الإمارات حذو الكويت في تعديل القوانين الخاصة بسحب الجنسية، وأقرّت تعديلًا في القضية الشهيرة عام 2011 بسحب الجنسية عن 6 من مواطنيها كانوا قد حصلوا على الجنسية بالتجنس، وذلك لاتهامهم بالتعاون مع منظمات إرهابية عالمية، ليتم تعديل القانون الخاص بسحب الجنسية في الدستور الإمارتي، لينص بأن المادة 16 من قانون الجنسية الاماراتي رقم 17 لسنة 1972 والقانون المعدل عليه،  تنص على أنه تسحب الجنسية عن المتجنس إذا قام بعمل يعد خطرًا على أمن الدولة وسلامتها أو شرع في ذلك، أو إن كانت له علاقة بمنظمات إرهابية.

لا يتدخل القضاء في مسألة سحب الجنسية من مواطني البلد في أغلب البلاد العربية، بل يتكلف بهذا الأمر الجهاز التنفيذي فحسب، و تختص به وزارة الداخلية

مُنح حق سحب الجنسية لوزارة الداخلية في الكويت بشكل شبه مطلق، حيث اعتبرت محكمة التمييز الكويتية "من أعمال السيادة" التي لا تمتد سلطتها إليها، باعتبار الدستور الكويتي الجنسية بمثابة "منحة" تتفضل بها الدولة على المواطن، ومن حقها منحها متى أرادت وسحبها متى أرادت أيضًا.

رفض مجلس الأمة الكويتي على بسط سلطة القضاء في قضايا سحب الجنسية

لا يتدخل القضاء في مسألة سحب الجنسية من مواطني البلد في أغلب البلاد العربية، بل يتكلف بهذا الأمر الجهاز التنفيذي فحسب، و تختص به وزارة الداخلية و جهاز الشرطة في أغلب الأمر، ولهذا تتم عملية سحب الجنسية في البلاد العربية بصورة أكثر سرعة من نظيرتها الأوروبية.

ازدواجية الجنسية جريمة

ففي بعض الدول الأوروبية يتكلف القضاء في الحكم بسحب الجنسية، وخصوصًا في القضايا التي تخص الأمن العام ضد المتهمين بالإرهاب، فتمتد الدعوى في المحكمة لسنوات قبل البت بالحكم، إلا أن في البلاد العربية، فسحب الجنسية سلاح سهل بالنسبة للسلطة الحاكمة ضد المعارضة.

حيث قال المتحدث باسم وزارة الداخلية الإيرانية من قبل بأن ازدواجية الجنسية في إيران تُعامل معاملة الجريمة

لا يكن الحكم بسحب الجنسية في القضايا الإرهابية فقط، بل تستخدمه بعض الدول تجاه حاملي الجنسية المزدوجة، كالكويت مثلًا وكذلك إيران، حيث قال المتحدث باسم وزارة الداخلية الإيرانية من قبل بأن ازدواجية الجنسية في إيران تُعامل معاملة الجريمة في القانون الإيراني، ويحق لوزارة الداخلية الحكم بسحب الجنسية الإيرانية في تلك الحالة.

عانى الكثير من النشطاء السياسيين في البحرين من الحرمان من الجنسية لمجرد اعتراضهم على السلطة سواء كان علنًا في الصحافة أو على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، وامتدت الظاهرة إلى كثير من دول الخليج العربي أيضًا، فكان أيضًا في سلطنة عُمان، بعد أن خطت الأخيرة خُطى الكويت والإمارات في تعديل قوانين سحب الجنسية.

كشفت الجريدة العمانية الرسمية عن تفاصيل التعديلات على المرسوم السلطاني الخاص بإصدار قانون الجنسية العمانية والذي تضمن عقوبة تسقط الجنسية العمانية عن المعتنقين لأفكار "مضرة" والمحكومين في قضايا تمس أمن الدولة.

الأفكار الدينية قد تكون سببًا في إسقاط الجنسية

الداعية الإعلامي نبيل العوضي

تتخذ بعض الدول من المعتقدات الدينية سببًا في منح الجنسية من عدمه، لذا تقضي بعض الدساتير بإسقاط الجنسية لكل من يحمل أفكار دينية متطرفة تتسبب في الفتنة الطائفية في البلاد، يأتي الداعية الكويتي "نبيل العوضي" مثالًا لذلك حينما أسقطت الدولة جنسيته الكويتية بسبب هجومه المباشر على وزارة الداخلية من خلال حسابه على تويتر اعتبرته الدولة سببًا كافيًا لإشعال الفتنة واتهمته بتأييد "جبهة النصرة" في سوريا، تلى ذلك إسقاط الوزارة للجنسية عنه.

لم يكن الحال مختلفًا كثيرًا في مصر، فكان هناك الكثير من الدعاوي القضائية المتداولة لإسقاط الجنسية المصرية عن عدد كبير من المواطنين، إمًا بسبب انتماءاتهم السياسية أو بسبب عملهم الإعلامي خارج البلاد، وتأتي تلك الدعاوي تزامناً مع تزايد المطالب من قِبل إعلاميين مؤيدين للسلطة المصرية بسحب جنسية كل من يعارض السلطة الحاكمة، بحجة تحريضهم على العنف في مصر، أو سحب الجنسية من قيادات بجماعة الإخوان المسلمين.

لم يكن الهجوم على أعضاء جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل تم إسقاط الجنسية على أيقونات بارزة اشتهرت في خصومة مع النظام الحاكم في مصر، فكان منهم محمد البرادعي بعد أن رُفعت دعوة تدعو بإسقاط الجنسية عنه و كذلك الإعلامي باسم يوسف أيضًا بعد اتهام كليهما بـ "الخيانة".

لا يتضح سبب اتجاه الدول لقرار سحب الجنسية ومنع العودة إلى البلد بدلًا من معاقبتها للمتهم به جنائيًا وفقًا لقوانينها الخاصة بعقوبات الجرائم الجنائية و جرائم الإرهاب و التجسس و الخيانة الوطنية كذلك، إلا أن سحب الجنسية مؤخرًا لم يكن فقط وسيلة لحماية الأمن القومي، بل كان أيضًا سلاحًا في يد العديد من الأنظمة السياسية و وسيلة مباشرة للقمع السياسي للتخلص من المعارضة بشكل دبلوماسي.