"إن زرتني سأكون بين اللوز
كنت المسافة بين سقوط المطر
وانبعاث الزهور

على تلةٍ تخضر تحت قوس قزح

سوف أخرج من داخل الأرض في الليل
كفًا رخامية تحمل القمر الجديد قدح
فاغتسلوا في النهور

وانتظروا لحظتي.."

تلك هي الكلمات اللي اختارها الشاعر الفلسطيني "حسين البرغوثي" لتُكتب على شاهد قبره، والذي تحل ذكرى وفاته في الأول من مايو كل عام منذ أن رحل عنّا عام 2002.

وفي شهر فبراير - شباط - من كل عام يزهر شجر اللوز، وهو ما يطلق عليه "نوّر اللوز" لأن زهره أبيض كندفات الثلج، واللوز أول ما يزهر من الأشجار في فلسطين فيشجع غيره من الأشجار أن تلحق به وتزهر.

واختار حسين أن يكون بين اللوز عندما يرحل، فإن أردت أن تبحث عنه توجه مباشرةً إلى اللوز، لا تلتفت يمينًا أو يسارًا، فقط إلى أقرب شجرة لوز مزهرة وستجد حسينًا يسكن بين الزهور.

ولد حسين في الخامس من مايو سنة 1954 بقرية كوبر شمال غرب رام الله، وقضى طفولته في التنقل بين رام الله حيث أقامت والدته، وبيروت حيث عمل والده كحارس عقار، حسين من شعراء ما بعد الحداثة، وكتب عددًا من المسرحيات لفرق عربية وعالمية، بالإضافة إلى أغانِ كتبها لعدة فرق موسيقية، ودوّن حسين سيرته مرتين، الأولى عندما كان يحضر للدراسات العليا بمدينة سياتل في الولايات المتحدة وهي ما أطلق عليها "الضوء الأزرق"، والمرة الثانية قبيل وفاته - في أثناء مرضه بالسرطان - تحت عنوان "سأكون بين اللوز".

يستهل حسين حديثه في سيرته الذاتية الثانية "سأكون بين اللوز" بأنه عاد إلى رام الله، وهي التي وصفها حسين بالجمال الذي تمت خيانته، يعود  للمرة الأخيرة حيث قرر أن يعيش آخر أيام حياته بها، وأن يبني بيتًا لزوجته وابنه ليعيشا به من بعده ويزرع محيطه بأشجار اللوز.

كتب مريد البرغوثي عن حسين: "جبال كوبر ووديانها وحقول لوزها وشوارع رام الله وممرات جامعة بيزرت تعرف حسين البرغوثي من شَعره الطويل المتموج الخصلات على وجه بالغ الجمال، ومن ابتسامته وصندله البسيط وملابسه المهملة التي غالبًا تيشيرت وشورت، والمقاهي تعرفه من جلساته محاطًا بمحبي الأدب والشعر من طالباته وطلابه والمعجبين بكتاباته وشخصيته، في مستشفى رام الله لا يعرفه أحد، كان عليه أن ينتظر النتيجة الرهيبة من يدي ممرضة خاصمتها الوسامة وتركت لها ملامح لا تشجع على التفاؤل بأي شيء تكون هي مصدرًا له، عندما تأكد من براءته من الإيدز رقص مبتهجًا، بالسرطان، السرطان معركته وحده، لن يشمل ابنه آثر ولا زوجته بترا".

وحسين عندما استلم نتيجة تحاليله التي ظهر بها أنه برئ من الإيدز ولكن مصاب بسرطان الغدد اللمفاوية رقص فعلًا مبتهجًا في طرقات المعمل، ولكن عندما خرج إلى الشارع أدرك أنه يحتضر فقال: "لم أبك ولا مرة في الجحيم نفسها ولكن عندما خرجت منها بكيت! جاء دوري الآن لا لكي أشعر لا ببترا ولا بآثر، بل بنفسي ونجاتها".

مات حسين برام الله دون أن يشعر به أحد سوى أهله وعائلته الصغيرة، لأنه مات وسط ضجيج الانتفاضة.

أغنية رصيف المدينة، كلمات حسين البرغوثي

يحكي حسين عن طفولته التي قضاها مع أمه وأهلها في رام الله بين ما يبدو حقيقي، وما يبدو أنه من اختلاق ذاكرة طفل، ويخلط كل هذا بمعايشته للمرض، ورغم وصفه لحالته بعد أول جلسة كيماوي، وشعوره بأن الوصول لآخر الردهة بالمشفى أمر مستحيل، فإن الكتاب كله لا يحمل بين طياته الحزن، فلحسيّن أسلوب خاص لا يشبه ولا يقترب منه أي كاتب آخر، يصل به إلى العمق الإنساني الذي لا يراه ولا يبحث عنه أحد، فبينما يكتب ما أشبه بالهذيان وعدم الترابط، تجده مترابطًا ومقنعًا ومنطقيًا، فتصدق بأن هناك حيّة صفراء، تلدغ، ثم تطير وتزغرد، وبأن الأموات خرجوا من سباتهم العميق وتوعدوا للمرأة التي حركت عظامهم بأن يأخذوا ابنتها معهم.

ولأن حسينًا شاعر، فيخرج الكلام منه على أنه شِعر، فكل قصصه وذكرياته تأتي وكأنها خرجت للتوّ من كتاب ألف ليلة وليلة، فننبهر ونهز رؤوسنا كأطفال مصدقين.

كل البهاء والجمال في العالم يعرف حسيّن، وكل أشجار اللوز، فطوبى لحُسين الذي علّم القلب احتمال السكاكين.