في الأول من مايو/ أيار من كل عام يحتفل العمال بيومهم العالمي والذي تعود بداياته إلى القرن التاسع عشر، تجسيدًا لدورهم والجهد المبذول لدعم قطار التنمية، ورسالة إلى القائمين على أمور الحكومات والشعوب للتذكير بمراعاة حقوقهم والعمل على تذليل الصعوبات التي تواجههم.

وفي مصر يحتفل العمال هذا العام وسط أجواء من القلق والترقب في ظل مناخ معيشي متردٍ، وسياسات اقتصادية ومجتمعية فاشلة، انعكست بدورها على واقع العمال، فساهمت في تشريد الملايين منهم بعد أن أغلقت آلاف المصانع، فضلاً عما يتعرض له المئات من العاملين المصريين لصور شتى من الانتهاكات والتضييق التعسفي ما بين الحين والآخر.

قرن من المعاناة

واجه عمالو مصر شلالات جارفة من المعاناة طيلة السنوات والقرون الماضية، ما بين ابتزاز لقدراتهم وتقليل من جهودهم وتعرضهم لأبشع صور الانتهاكات من كل الأنظمة والسياسات الحاكمة - أجنبية كانت أو مصرية - التي نظرت للعمال كونهم أداة في يد السلطة توظفها كيفما تشاء من أجل ترسيخ وجودها وتحقيق غاياتها.

وبعد نضال عمالي استمر لعقود ليست بالقليلة صدرت أول لائحة لتشغيل الأحداث وتحديد ساعات العمل لهم بصورة خاصة ولبقية العمال بصورة عامة وذلك في 1909، ثم كللت جهود العمال بعدها بتكوين أول اتحاد عام لنقابات العمال، أعقبه صدور قانوني العمال رقم 85 لسنة 1942 ورقم 41 لسنة 1944 الخاص بتنظيم النقابات العمالية وقانون التأمين الإجباري عن حوادث العمل.

وفي أعقاب ثورة يوليو 1952 تعرض العمال لسلسلة من الانتهاكات جرّاء حزمة القوانين التي صدرت لتنظيم العمل، والتي جاءت في معظمها في صالح أصحاب رؤوس الأموال، حيث بدأت  بإصدار قانون العمل الموحد رقم 91 لسنة 1959، أعقبه قانوني 47، 48 لسنة 1978 للعاملين المدنيين بالدولة والقطاع العام وذلك في أعقاب الانفتاح الاقتصادي الذي انحاز لأصحاب المال على حساب العمال في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

وفي عهد مبارك، تم إلغاء القانون رقم 91 لسنة 1959، واستبداله بقانون رقم 137 لسنة 1981 للعاملين بالقطاع الخاص، ثم قانون 203 لسنة 1991 الذي أحال عمال القطاع العام الذين تحولوا لقطاع أعمال عام إلى قانون العمل رقم 137 لسنة 1981، بعد أن كانوا محكومين بقانون رقم 48 لسنة 1978.

ثم جاء القانون رقم 12 لسنة 2003 للعاملين بالقطاع الخاص وقطاع الأعمال العام ليلغي العمل بالقانون رقم 137 لسنة 1981، لتستمر سياسة سيطرة رأس المال في التحكم بمصير العمال.

وفي عهد السيسي يتم الآن مناقشة قانون جديد للعمال يثار بخصوصه الكثير من الجدل خاصة أن البعض يصفه بالـ"كارثي" في ظل ما يحمله من بنود تصب هي الأخرى في مصلحة رجال الأعمال وأصحاب الأموال على حساب العمال، وهو ما ينذر بمستقبل ضبابي ينتظر عمال مصر.

 تعرض العمال لسلسلة من الانتهاكات جرّاء حزمة القوانين التي صدرت لتنظيم العمل، والتي جاءت في معظمها في صالح أصحاب رؤوس الأموال على حساب الطبقة العاملة

28.9 مليون عامل

في إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ حجم قوة العمل في مصر عام 2016 قرابة 28.934 مليون عامل، منها 21.934 مليون من الذكور و7 ملايين من الإناث، بزيادة قدرها 503 ألف عامل عن عام 2015، والذي بلغ 28.431 مليون عامل، منهم 21.726 مليون من الذكور و6.705 مليون من الإناث.

التقرير أشار إلى أن هناك نحو 25.331 مليون مشتغل بنسبة 87.5% مقارنة بـ3.603 ملايين عاطل بنسبة 12.5% من إجمالي أعداد القوى العاملة في مصر، بينما بلغ معدل البطالة بين الشباب في الفئة العمرية (15-29 سنة) من حمـلة المؤهــلات المتوسطة وفـــوق المتوسطة والجامعيـــة وما فوقهــــا 31.6% من إجمالــي قوة العمل في نفس الفئة العمرية.

12.5% نسبة البطالة في مصر حسب آخر إحصاء رسمي

7 آلاف مصنع مغلق

رغم الأعداد الغفيرة لحجم القوى العاملة في مصر، فضلاً عن إحصائيات البطالة المرتفعة بين الشباب والتي تتطلب التوسعة في رقعة الأنشطة الاقتصادية وزيادة روافد العمل ومنافذ الإنتاج، فإن الواقع يناقض ذلك بصورة كبيرة، وهو ما تكشفه التقارير والإحصائيات الرسمية.

في تقرير صادر عن اتحاد العمال نشرته صحيفة "الوفد" المصرية الحزبية، أشار إلى أن هناك ما يقرب من 8222 مصنعًا مغلقًا خلال السنوات الماضية، بينما أشارت دراسة أخرى لاتحاد المستثمرين إلى وجود 1500 مصنع متعثر، إلا أن أحدث التقارير الصادرة بهذا الشأن هو ما صدر عن اتحاد الصناعات والذي قدر عدد المصانع المغلقة في جميع محافظات مصر بنحو 7 آلاف مصنع.

التقرير رصد أن غلق هذه الأعداد من المصانع تسبب في تشريد ما يقرب من مليوني أسرة بعد أن فقدوا المصدر الأساسي وربما الوحيد للدخل، إضافة إلى تسبب غلق هذه المنافذ الصناعية الكبيرة في إهدار استثمارات تقدر بنحو 35 مليار جنيه (ملياري دولار).

أما عن أسباب تعثر هذه المصانع وغلقها، أشار اتحاد الصناعات عبر تقريره إلى بعض الأسباب منها الركود الاقتصادي الشديد خلال السنوات الماضية، الإغراق المتعمد من الأسواق الخارجية بمنتجات منخفضة الأسعار رديئة المواصفات، ارتفاع أسعار الخامات، كذلك الشروط البنكية المتعسفة لتمويل أصحاب هذه المصانع، وأخيرًا غياب دور الدولة في حماية هذه المصانع والعاملين فيها من خلال تيسير الإجراءات والقروض وجدولة الديون.

إغلاق 7 آلاف مصنع متعثر وخسارة استثمارات قرابة 35 مليار جنيه وغياب دور الدولة أبرز الأسباب

سياسات فاشلة

استكمالاً لما أورده تقرير اتحاد الصناعات بشأن أسباب تعثر المصانع ودفعها للغلق كأحد المؤشرات على تراجع المنظومة الاقتصادية، فإن هناك أسباب أخرى لا تقل أهمية عن تلك التي أوردها التقرير وفي مقدمتها السياسات الفاشلة المتبعة من قبل السلطات في إدارة الملف الاقتصادي.

التباين الواضح في قائمة أولويات الحكومة مقارنة بالواقع المعيشي وما يحتاجه المواطن يجسد وبصورة كبيرة حجم الفشل في التعامل مع العديد من الملفات الاستثمارية الراهنة، فحين يتذيل المواطن تلك القائمة ويتم تجاهل واقعه المتردي على حساب مشروعات ربما يأتي حصادها بعد عشرات السنين وربما لا يأتي من الأساس، فهذا دليل فشل بحسب الكثير من الخبراء.

كذلك حين يغيب الفكر المبدع والمشروعات ذات الصبغة الإنتاجية عن فكر وعقل القائمين على أمور الاقتصاد في الوقت الذي يتم فيه الاعتماد على سياسة الاقتراض والمنح والتبرعات من هنا وهناك، في محاولة لمعالجة الثغرات وسد الديون بطريقة أشبه بـ"الترقيع" و"التسكين المؤقت"، فهذا أيضًا دليل فشل ذريع لا يمكن المرور عليه مرور الكرام.

البعض وصف قرار تعيين الفريق مهاب مميش رئيسًا للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس بأن "مصر تدار وكأنها عزبة"

ومن الشواهد التي تعكس فشل السياسات المتبعة في إدارة الملف الاقتصادي تعيين غير المتخصصين في الأماكن الحساسة وهو ما ينعكس بصورة أو بأخرى على المعدل الإجمالي للإنتاج بكل تفاصيله، حيث تخضع آلية التعيين في معظم المناصب إلى الشللية والعلاقات الشخصية والمحسوبية بعيدًا عن الكفاءة وهو كارثة بكل المقاييس تدفع مصر وعمالها ثمنها الباهظ.

وليس أدل على ذلك من القرار الصادر منذ أقل من 24 ساعة فقط بتعيين الفريق مهاب مميش، رئيسًا للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بجانب رئاسته لهيئة قناة السويس، خلفًا للدكتور أحمد درويش، وزير التنمية المحلية السابق، والذي تمت إقالته بالأمس.

العديد من ردود الفعل المستنكرة لهذا القرار جاءت في معظمها بشأن هذا السؤال: كيف يتولى ضابط بحري مسؤولية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والتي تعد أمل مصر تقريبًا الوحيد في التنمية وجذب الاستثمارات الأجنبية؟ وهو ما دفع بعض المحللين إلى وصف دلالات هذا القرار بأن "مصر تدار وكأنها عزبة".

جدل بشأن تكليف الفريق مهاب مميش برئاسة المنطقة الصناعية لقناة السويس

744 احتجاجًا و13 محاولة انتحار خلال عام

غلق المصانع وما ترتب عليه من تشريد للملايين من العمال وأسرهم، فضلاً عن السياسات الفاشلة المتبعة، وما يترتب عليها من كوارث، ساهم في رفع منسوب الاحتجاجات المطالبة بحقوق العمال وهو ما كشف عنه مؤشر الديمقراطية في تقريره عن الفترة من أول مايو 2016 وحتى نهاية أبريل 2017، حيث رصد ما يقرب من 744 احتجاجًا شهدتهم محافظات مصر في هذه الفترة.

المؤشر أوضح أن من بين الـ744 احتجاجًا نحو 244 للمطالبة بزيادة الأجور والحصول على المستحقات المالية، مما ترتب عليه محاكمة 186 عاملاً وفصل وإيقاف 2691  بسبب مطالبهم المعلنة والتي تم التعبير عنها عبر صور الاحتجاجات المختلفة.

ومن الملاحظ انخفاض معدلات الاحتجاج العمالية هذا العام مقارنة بالعام الماضي والذي شهد 1117 احتجاجًا، وهو ما أرجعه المؤشر إلى الإجراءات القمعية التي أسهمت بشكل كبير في التضييق على الحراك الاحتجاجي العمالي.

أما عن طبيعة تلك الاحتجاجات، أوضح التقرير أن 708 احتجاجات بنسبة 95% من الاحتجاجات العمالية هذا العام جاءت بصورة سلمية تصدرتها الوقفات الاحتجاجية، فيما جاءت الاحتجاجات العنيفة على حد وصف التقرير في صورة عنف ضد النفس في 13 محاولة انتحار منهم حالتي انتحار فعلي، و11 حالة لقطع الطريق و9 حالات إغلاق شركات ومنع دخول موظفين، و3 حالات اعتداء على منشآت ومسؤولين.

بحسب التقرير فقد تصدر شهر مايو 2016، بإجمالي 84 احتجاجًا، تلاه نوفمبر بـ78 احتجاجا عماليًا، ثم شهر مارس 2017 بـ77 احتجاجًا، أما فبراير 2017 فشهد 71 احتجاجًا، تلاه أكتوبر 2016 بـ67 احتجاجًا، ثم يونيو 2016 بـ61 احتجاجًا، بالإضافة إلى 50 احتجاجًا لكل من سبتمبر وديسمبر لنفس العام ومثلهما لشهر أبريل 2017، بينما شهد يوليو 2016 ما يقارب 46 احتجاجًا، فيما احتل يناير 2017 المركز الأخير في ترتيب أشهر الاحتجاج العمالي بعدما شهد 40 احتجاجًا عماليًا.

القبض على 186 عاملاً وفصل وإيقاف 2691 آخرين بسبب المطالبة بحقهم خلال عام

القطاعات العمالية المحتجة في الفترة من مايو 2016 وحتى نهاية أبريل 2017 (مؤشر الديمقراطية)

إدانة دولية

في أول رد فعل دولي على الانتهاكات التي يتعرض لها عمال مصر، طالبت منظمة العفو الدولية الحكومة المصرية بالوقف الفوري للانتهاكات ضد العمال، مشيرة إلى أن عشرات العمال فصلوا أو حوكموا أو احتجزوا للمطالبة بحقوقهم.

المنظمة في بيانها الصادر بمناسبة ذكرى عيد العمال قالت: " ألقي القبض على عشرات العمال والنقابيين في مصر، أو احتجزوا، أو تم فصلهم من عملهم، أو حوكموا أمام محاكم عسكرية، لمجرد أنهم مارسوا حقهم في حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، وحرية التجمع".

 وأضافت في بيانها: "في غمرة أزمة اقتصادية متصاعدة في مصر وموجة من الإضرابات العمالية في القطاعين العام والخاص والصناعات التي يملكها الجيش، تستخدم الحكومة سلسلة من الإجراءات التأديبية والجنائية للتضييق على العمال والنقابيين، وهي تسعى كذلك لتعديل القوانين القائمة لتشديد القيود على حقوق العمال".

من جانبها وصفت نجية بونعيم، مديرة الحملات في المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية في تونس، الانتهاكات التي تمارس ضد العمال في مصر بأنها نوع من التأديب تقوم به السلطات المصرية تستهدف العمال والنقابيين لمعاقبتهم وردعهم عن التجمع أو الإضراب، وينبغي ألا تكون مطالبة العمال بحقوقهم وتعبيرهم عن مظالمهم جريمة جنائية.

منظمة العفو الدولية تتهم الحكومة المصرية باستخدام سلسلة من الإجراءات التأديبية والجنائية للتضييق على العمال والنقابيين

#عيد_العمال

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالعديد من المشاركات والآراء التي عكست واقع عمال مصر في عيدهم، حيث قال المحامي الحقوقي خالد علي: "عيد العمال يأتي في ظل سياسات اقتصادية مجرمة، وخيارات سياسية قمعية وطبقية وفاشلة".

وأضاف خلال تغريده له على حسابه الشخصي على "فيسبوك": "في ظل سياسات اقتصادية مجرمة، وخيارات سياسية قمعية وطبقية وفاشلة، يأتي #عيد_العمال وهم بين شقي الرحى في نضال يومي ضد الفقر والتهميش والقهر الاجتماعي والاقتصادي بحثًا عن الكرامة والعدالة الاجتماعية"، وأضاف: "فيا كل صناع الحياة والخير دمتم أحرار، ومن كفاحكم ونضالكم نستمد الأمل والعزيمة والعطاء".

كما دشَن مغردون هاشتاج #عيد_العمال للتعبير من خلاله عن آرائهم بشأن واقع العمال في ذكرى الاحتفال بيومهم العالمي، حيث سخر البعض من تجاهل السيسي لمطالب العلاوة السنوية للعمال

وآخر سخر من واقع العمال

وكتب آخر مستنكرًا مطاردة شريحة كبيرة من العمال وسجن البعض الآخر