قبيل استسلام ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وقع الحلفاء الثلاث (بريطانيا، أمريكا، الاتحاد السوفيتي) في فبراير 1945 اتفاقية يالطا التي نصت على كيفية تقسيم ألمانيا النازية بعد الحرب بين الحلفاء، ومحاكمة القادة النازيين، وعلى استخدام المواطنين وأسرى الحرب الألمان كسخرة  يعملون لإعادة بناء الدول المتضررة من ألمانيا النازية.

تبدأ أحداث الفيلم في الدنمارك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث اقتاد الجيش الدنماركي أسرى الحرب الألمان للقيام بعمليات إزالة للألغام على طول سواحل الدنمارك.

يكلف العريف كارل راسموسن بالإشراف على أربعة عشر أسيرًا ومتابعتهم في أثناء عمليات إزالة الألغام، الأسرى كلهم شباب مراهقين لم يتجاوزوا العشرين، وجندوا من قبل هتلر قبيل انتهاء الحرب، وليس لديهم أي خبرة أو أدوات تساعدهم على القيام بمهمة خطيرة بهذا الحجم رغم ذلك، راسموسن الناقم على الاحتلال النازي لبلاده، لم يظهر أي شفقة تجاه هؤلاء الأسرى الذين لولا هزيمتهم لنكلوا به وببلده.

جسامة المهمة تضع ضغطًا مهولًا على الأسرى الشباب الذين يحلمون بالخلاص من المهمة من أجل العودة للوطن، فأي خطأ في العمل سيكلفهم حياتهم وأحلامهم، فهل سينجز الأسرى الشباب المهمة؟ وهل ستتغير نظرة العريف راسموسن تجاه هؤلاء الأسرى؟

أترون هذه الأعلام؟ بين هذه الأعلام خمس وأربعون ألف لغم أرضي، عليكم إبطالها وإزالتها جميعًا، عندما تنتهون من ذلك، يمكنكم العودة للوطن.. العريف راسموسن محدثًا الأسرى

السيناريو

كتب السيناريو وأخرج الفيلم المخرج الدنماركي مارتن زاندفليت صاحب أفلام تصفيق ورجل مضحك، وهما فيلمان يتناولان حياة الممثلين في الوسط الفني، والصراعات الداخلية التي يتعرضون لها بسبب إدمان الكحول وتوابع الانفصال والطلاق.

السرد في أرض الألغام بسيط جدًا وخال من استعراض العضلات، فالأحداث كلها في مكان واحد (شاطئ الألغام ومزرعة يمكث فيها الأسرى للمبيت)، وهدف الشخصيات واضح ومحدد، فالرقيب يريد أداء المهمة المكلف بها والأسرى يحاولون إنجاز المهمة من أجل العودة إلى الوطن.

نظرًا لأن المهمة غير عادية والفشل فيها يكلف حياة العامل، يجد المتفرج نفسه في حالة توتر شديد حينما يشاهد الأسرى يقومون بتفكيك الألغام، وقد نجح زاندفليت في توظيف هذا التوتر لصالح رؤية الفيلم، ففي ثوانٍ يشعر المشاهد بالتعاطف تجاههم، وبالسخط تجاه الحرب التي جعلتهم في هذا الموقف، الفيديو بالأسفل يوضح ذلك.

الفيلم يكشف الجانب المظلم لتاريخ الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية،  فبقبول الدنمارك عرض الحلفاء بتجنيد وتسخير فتيان ألمان من أجل القيام بمهمة خطيرة كإزالة الألغام، تكون قد خالفت اتفاقيات جنيف التي تحظر تسخير الأسرى من أجل إنجاز مهام خطرة على حياتهم، مرتكبة بذلك جريمة حرب.

ينضم أرض الألغام لقائمة الأفلام القليلة التي روت وجهة نظر المهزومين في الحرب، مثل أفلام القارب والسقوط، الفارق أن هذه الأفلام كانت ألمانية، بينما فيلمنا هذا دنماركي الجنسية وإن كان أغلب الحوار بالألمانية نظرًا لأن الأسرى الألمان هم أبطال الفيلم.

التمثيل والشخصيات

قام بدور شخصية البطل العريف راسموسن الممثل رولاند مولر، ظهر مولر في أدوار مساعدة من أشهرها فيلم اختطاف الذي يحكى قصة استيلاء قراصنة صوماليين على سفينة دنماركية وكيف تعامل طاقم السفينة مع الأزمة.

أرض الألغام أول بطولة لمولر، وقد استطاع إثبات نفسه على مستوى الأداء والنجومية والكاريزما، راسموسن عانى من أهوال الحرب التي خلفت دمارًا نفسيًا داخليًا يحاول السيطرة عليه وإصلاحه، هذه المعلومة  ليست مذكورة في الفيلم، ولكن أداء مولر نقلها للمشاهد، بالأخص في مشهد يلي وفاة أحد الصبية في أثناء العمل، أداء مولر وهو يحاول تهدئة الفتيان بعد الحادثة، تجعل المتفرج يدرك ويوقن أن شخصية راسموسن اضطرت للقيام بذلك مرات عديدة طول سنوات الحرب.

مولر جسد شخصية شرسة وحانقة على الاحتلال النازي، وتحاول لملمة أشلائها من آثار الحرب، تتساءل حائرةً عن مدى أخلاقية الأوامر التي تكلفها بجعل صبية يزيلون ألغام، المشهد التالي في أول الفيلم لن يجعلك تصدق أن شخصية كهذه لها هذا البعد الإنساني، أزعم أن هذا الدور سيفتح الأبواب لمولر للظهور في أفلام الحركة والدراما في هوليود.

قام بدور سباستيان شومان الممثل الشاب لويس هوفمان الذي يبلغ من العمر تسعة عشر عامًا،  وظهر في عدد من المسلسلات التي تذاع في التلفاز الألماني، شومان شخصية شجاعة، لا يؤثر نفسه على من حوله ويثق بوعد العريف في العودة للوطن حال إتمام المهمة، ولذلك يتحمل مخاطر العمل، رغم تساقط زملائه واحد تلو الآخر ضحايا انفجارات للألغام، وهو من أكثر الشخصيات التي سيتعاطف معها المشاهد.

قام بدور هيلموت مورباخ الممثل السويسري جويل باسمان، مورباخ هو أكبر زملاءه سنًا وأعلاهم رتبةً، على عكس شومان، مورباخ لا يهتم سوى بمحاولة النجاة بنفسه ولا يثق في العريف، ويوقن أنها مسألة وقت وسيعدمه الحلفاء رميًا بالرصاص بعد انتهاء المهمة، يسخر من الصبية حينما يتكلمون عن أحلامهم في أرض الوطن وينهاهم عن التمسك بالأمل كى لا يتعلقوا بسراب زائل.

قام الأخوان إميل وأوسكار بيلتون بدور الأخوين التوأم فيرنير وإرنست ليسنر الذين يحلمان بالعودة لألمانيا من أجل إعادة بناء الوطن وتأسيس شركة مقاولات خاصة بهما، وهما من الشخصيات التي ستحطم قلب المتفرج لما سيتعرضان له في الفيلم. 

الإخراج والتصوير

خرج هذا الأداء الاستثنائى بفضل استراتيجية اتبعها زاندفليت قامت على وضع فريق العمل في نفس ظروف القصة التي يحكيها الفيلم، حيث صور زاندفليت في شاطئ كان ملغمًا في فترة الحرب، ونصح مولر بألا يقترب من الشباب وألا يصادقهم، مما خلق حالة انزعاج حقيقي لدى الشباب منه.

لم يبلغ زاندفليت الممثلين الشباب بتوقيت موت شخصياتهم، فكان الممثل الشاب منهم يعمل مع زملائه في النهار، ثم في اليوم التالي يبلغ زاندفليت الممثل بأن عليه الرحيل لانتهاء دوره، دون أن يعطي أحدهم فرصة ليودع فريق العمل، مما جعل طاقم التمثيل في قلق وتوتر، لأن في أى لحظة قد يطلب منه الرحيل.

استخدم زاندفليت أسلوبًا إخراجيًا قريبًا من الوثائقي، وهو ما جنبه الوقوع في فخ المبالغة، وتحويل الفيلم لبكائية مملة، فوظف اللقطات القريبة بكثافة بالأخص في أثناء عمل الأسرى على نزع الألغام من أجل التركيز على معاناة الأسرى النفسية والجسدية بسبب سوء التغذية والمرض، هذا الأسلوب من أهم العناصر التي خلقت التوتر لدى المشاهد.

لوحة الألوان التي استخدمها زاندفليت اعتمدت على ألوان البني والأصفر والأزرق الباهتة، وهو ما كان متماشيًا مع حالة الوهن والضعف الجسدي المصاب بها الأسرى.

استعان زاندفليت بزوجته كاميلا نودسن كمديرة للتصوير التي اعتمدت على حركة كاميرا محمولة شبيهة بالوثائقية وبإضاءة مزجت بين الناعمة والحادة في مشاهد الشاطئ الخارجية، بينما في المشاهد الداخلية بالأخص داخل الأكواخ التي يسكن بها الأسرى استعانت بإضاءة خافتة ذات ظلال قوية وحادة أضافت لحالة الوحشة والعزلة التي يشعر بها الأسرى.

شريط الصوت من أقوى عناصر العمل، بالأخص تصميم صوت الانفجارات وتفكيك الألغام، فهو من العناصر التي ساعدت في بناء الإثارة والترقب لدى المتفرج.

عرض الفيلم في مهرجان تورنتو ومهرجان طوكيو في 2015 ونال إعجاب الجمهور والنقاد، فاز الفيلم بجوائز الفيلم الدنماركي (البوديل) عن فئة أحسن فيلم، أحسن ممثل لمولر، وأحسن ممثل مساعد لهوفمان، فاز أيضًا في جوائز الفيلم الأوروبي عن فئة أحسن تصوير وملابس ومكياج. اختارته الدنمارك في العام الماضي ليمثلها وليصل لتصفيات الأوسكار النهائية كأحسن فيلم أجنبي.

رابط الفيلم على موقع IMDb