لا يزال مسلسل ملف علاقة ترامب مع الروس مستمرًا، فما إن تنتهي حلقة تبدأ أخرى وبصورة أقوى مما سبق، حتى إن الجمهوريين ضاقوا ذرعًا من ترامب والملف الروسي وشطحات الرئيس وسياساته الخارجية، ومن جهة ترامب فما يكاد يلملم التسريب وينفيه حتى يظهر تسريب آخر. 

بطل القصة الأخيرة ليس من فريق ترامب كما سبق، إذ لم تكن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى واشنطن قبل أسبوع فأل خير على ترامب وفريقه، علمًا أن الرجل لم يزر الولايات المتحدة منذ العام 2013، فما إن عاد لافروف إلى بلاده حتى أثارت "واشنطن بوست" عاصفة انتقادات جديدة على ترامب تتهمه فيه بكشف معلومات أمنية حصلت عليها وكالات الاستخبارات الأمريكية من أجهزة أمنية أجنبية حليفة للولايات المتحدة وصفتها الصحيفة بأنها معلومات "سرية" تتعلق بخطط داعش لتنفيذ اعتداءات إرهابية على متن طائرات مدنية.

معلومات سرية

ادعت "واشنطن بوست" أن الرئيس ترامب أبلغ وزير الخارجية الروسي لافروف والسفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسيلياك خلال اجتماعه بهما في البيت الأبيض "معلومات سرية" متعلقة بتنظيم الدولة "داعش" وصلته عن طريق أحد حلفاء واشنطن. 

لم ينف البيت الأبيض القصة بل عمل على التخفيف من أثرها، إذ قال مستشار الأمن القومي الجنرال هربرت ماكماستر إن الرئيس لم يكشف عن مصدر المعلومات وطريقة الحصول عليها والذي يُعتقد أنه بريطاني أو إسرائيلي، وأضاف ماكماستر أن اللقاء مع لافروف كان متناسقًا مع قواعد تبادل المعلومات، واعتبر أن المعلومات التي تشاركها الرئيس مع لافروف لم تعرّض الأمن القومي أو أي مصدر معلومات للخطر. 

إسرائيل تتخوف من وصول معلومات سرية وحساسة لإيران وسوريا، والمعلومات التي أدلى بها ترامب للافروف أثارت غضب أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية

تتعلق المعلومات بخطط داعش لاستخدام أجهزة إلكترونية في تفجير طائرات مدنية في الجو، وقد ذكر ترامب هذا الكلام في معرض التحذير من مخاطر التنظيم على الأمن الدولي، والأضرار التي لحقت بموسكو في عملية إسقاط الطائرة المدنية الروسية في شرم الشيخ كما ذكر ماكماستر.

ما أزعج الصحافة الأمريكية والمعارضة من ديمقراطيين وجمهوريين أن تلك المعلومات التي حصلت عليها وكالات استخبارات أمريكية جاءت من أجهزة أمنية أجنبية حليفة للولايات المتحدة، وهذا سيقوض التحالف الأمريكي مع تلك الدول ويجعلها تتحفظ على إبداء أي معلومات سرية لأمريكا خشية إفشاء ترامب بها للغير.

أضف أن هذا الأمر سيُظهر الإدارة الأمريكية بموقف الجهة التي لا يُؤتمن عندها الأسرار وستتحفظ الدول عن التعاون معها في هذا المجال، وهذا سيلقي بظلال ثقيلة على علاقة واشنطن بحلفائها في المنطقة وتعاونها معهم في القضاء على داعش في سوريا والعراق والملفات الأمنية الأخرى، والأمر له حساسية عالية، فالجهة التي تم البوح لها بالمعلومات ليست حليفة لواشنطن ولكثير من الدول في المنطقة ولديها خطط ورؤى ببسط نفوذها على المنطقة. 

لافروف وريكس تيلرسون وزيري خارجية كل من الولايات المتحدة وروسيا 

وفي أولى ردات الفعل الأجنبية على هذا الأمر ذكرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية اليوم الأربعاء أن نقل ترامب للمعلومات الاستخباراتية التي حصلت عليها الولايات المتحدة من "إسرائيل" إلى لافروف وكيسلياك أثارات غضب أجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية"، ومخاوف من وصول معلومات سرية وحساسة لإيران وسوريا، علمًا أن البيت الأبيض رفض التعليق أن مصدر المعلومات التي كشف عنها ترامب هي "إسرائيل". 

وأكدت الصحيفة ما نقلته وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة، من أن التقديرات تشير إلى أن الحديث عن معلومات كانت قد نقلتها "إسرائيل" للولايات المتحدة، مع التأكيد أن سبيل الوصول لهذه المعلومات والحصول عليها كان حساسًا للغاية، في كل ما يتعلق بسوريا، وقد دعت الأجهزة الاستخباراتية "الإسرائيلية" إلى إعادة النظر وإعادة تقييم طبيعة وشكل تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة في ظل تولي الرئيس ترامب للسلطة. 

قد لا تكون المعلومات المدلى بها بدرجة عالية من الأهمية، ولكن المشكلة تكمن في طريقة الحصول على تلك المعلومات وجمعها من المصدر وحساسية تلك المصادر، ومن المؤكد أن الروس سيعرفون من أين تم الوصول للمعلومات وستتخذ الخطوات اللازمة حيال هذا الأمر. 

وزارة الخارجية الروسية نفت أمس الثلاثاء أن الرئيس الأمريكي كشف عن معلومات سرية عن عملية مزمعة ضد تنظيم الدولة داعش، وذكر المتحدث باسم الكرملين عقب لقاء لافورف بترامب أن اللقاء لم يسهم في إعطاء انطباع بتحسن العلاقات الأمريكية الروسية، واعتبر الكرملين أنه لا يزال من المبكر الحديث عن تحسن في العلاقات مع الولايات المتحدة، عقب اجتماعات وزير الخارجية الروسي في واشنطن. 

دعت الأجهزة الاستخباراتية "الإسرائيلية" إلى إعادة النظر وإعادة تقييم طبيعة وشكل تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة

تساءل البعض عن سبب إعطاء ترامب معلومات لدولة غير حليفة لأمريكا، حيث تشهد العلاقات بين روسيا وأمريكا تردٍ غير مسبوق وتدني في الثقة إلى أسوأ درجاتها منذ نهاية الحرب الباردة، وتحوم حولها شبهات عن قيامها بأعمال تجسسية للتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإذا كان إعطاء الرئيس للمعلومات عفويًا فهو يدلل على افتقاره للخبرة السياسية الذي حذر منه الكثير إبان ترشحه للانتخابات، واستمرار عدم اهتمامه بالتعاون والتنسيق مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أو أن ترامب أراد التباهي أمام الروس بأن لديه معلومات سرية عن تنظيم "داعش" تجذب الروس للتعاون مع إدارته في سوريا. 

إلى ذلك فإن ترامب وضع البيت الأبيض في موضع لا يحسد عليه، فتارة ينفي وتارة يؤكد الأخبار التي توردها الصحافة الأمريكية، كما أن المعلومات التي استندت إليها الصحف تعود لمسؤولين عارفين بمجريات الحوارات في أثناء لقاءات الرئيس مع المسؤولين الروس، وهذا يكشف حجم الفوضى الموجودة في البيت الأبيض.

ترامب وفي تغريدة له دافع عن كشفه لتلك المعلومات، قائلاً: "كرئيس للولايات المتحدة أردت مشاركة روسيا باجتماع مفتوح في البيت الأبيض، وهذا حقي المطلق، بمعلومات تتعلق بالإرهاب وسلامة الملاحة الجوية، وذلك لأسباب إنسانية، إضافة إلى أنني أريد دفع روسيا لاتخاذ خطوات أكثر ضد تنظيم داعش والإرهاب" وهو ما يؤكد تسريبات صحيفة واشنطن بوست عن تلك المعلومات.

الجدير بالذكر أن الدستور الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات الكشف أمام مسؤولي دول أخرى عن معلومات سرية، إلا أن ذلك يجب أن يكون في سياق سياسة وخطة متكاملة تأخذ بعين الاعتبار المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأمن الأمريكي وأمن الدول الحليفة التي قدمت هذه المعلومات لأجهزة الاستخبارات الأمريكية.

وعلى إثر هذا طالبت أصوات معارضة بمحاكمة الرئيس على أدائه السيء في الحكم، والأضرار التي يلحقها هذا الأداء بمصالح الولايات المتحدة والتجربة الديمقراطية الأمريكية، وأن ما جرى يعد سابقة خطيرة وتزامنت مع إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية "جيمس كومي" الأسبوع الماضي.

ويتعرض الجمهوريين لضغوط متزايدة بضرورة التصدي للرئيس والبدء بالتحقيق السياسي معه، وثمة من لوّح أن هذه الواقعة ليست كغيرها وأنها تمثل بداية النهاية بالنسبة لمسيرة ترامب الذي لم يمض له في السلطة سوى أقل من 4 شهور، أما الديمقراطيون فهناك أقلية منهم بدأت تناقش سبل الرد على ترامب بعد هذه الواقعة الخطيرة.

تصفية حسابات أم ماذا!

استكمالاَ للحرب المستعرة بين وكالة الاستخبارات الأمريكية وترامب، وعلى وقع إقالة ترامب لرئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي نفى البيت الأبيض ما نشرته صحيفة "النيويورك تايمز" أن الرئيس طلب من كومي قبل إقالته وقف التحقيقات في قضية مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين.

علمًا أن الصحيفة نشرت وثيقة رسمية تمثل مذكرة كتبها كومي، وفي حال التثبت من صحتها فستعتبر دليلاً على تدخل الرئيس في التحقيقات الجارية بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية وهذا يفتح المجال لاستدراجه إلى المحاكم والقضاء.

البيت الأبيض ينفي طلب الرئيس من جيمس كومي قبل إقالته وقف التحقيقات في قضية مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين

وبعد مقال النيويورك تايمز ضجت أروقة الكونغرس بأحاديث الأعضاء الديمقراطيين بأحاديث عن سعيهم أن تؤدي هذه الوثيقة إلى تمهيد الطريق أمام محاكمة الرئيس واستكمال التحقيقات بعلاقة حملته الانتخابية مع روسيا. 

جيمس كومي رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية 

وحسب مذكرة كومي التي نشرت "نيويورك تايمز" مضمونها، فإنه "في نهاية اجتماع في البيت الأبيض في 14 من فبراير/ شباط الماضي، أي في اليوم التالي لاستقالة مستشار الأمن القومي مايكل فلين، طلب الرئيس من نائبه مايك بينس، ووزير العدل جف سيشون، مغادرة المكتب البيضاوي، ليعقد محادثات منفردة مع كومي".

وتقول المذكرة التي كتبها كومي بعد الاجتماع مباشرة: "ترامب بادر إلى الطلب منه وقف التحقيقات مع فلين"، وقال له "أتمنى أن يكون بإمكانك أن تدع هذه المسألة جانبًا، وأن يكون باستطاعتك إيجاد طريقة واضحة لإنهاء الأمر، ومساعدة فلين على الخروج من هذه القضية"، وأضاف ترامب، بحسب مذكرة كومي، إن "فلين لم يرتكب أي خطأ"، لكن كومي بقي صامتًا ولم يرد على طلب الرئيس، واكتفى بالقول عن فلين "أتفق معك في أنه إنسان جيد".

لا تزال التحقيقات جارية بحق مسؤولين في إدارة ترامب قد تؤدي إلى تورط أشخاص في التعاون مع روسيا

يُذكر أن ترامب ومنذ توليه السلطة يعاني من انتكاسات كبيرة في إدراته، فمنذ الأسبوع الأول له في البيت الأبيض وبعد إصداره قرار بمنع المسافرين من سبع دول غالبية مواطنيها من المسلمين للدخول إلى الولايات المتحدة إضافة إلى حظر قبول الولايات للاجئين، علقت محكمة فيدرالية في ولاية واشنطن العمل بالقرار، معتبرة إياه بأنه انتهاك صارخ للدستور الأمريكي الذي يمنع التمييز على أساس الدين، وهي أولى انتكاسات الرئيس. 

أصدر قرارًا آخر بحظر جديد تضمن تفاصيلًا أكثر، حيث نصّ على إغلاق حدود الولايات المتحدة أمام مواطني إيران وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن لمدة 90 يومًا، وأمام جميع اللاجئين لمدة 120 يومًا، ومرة أخرى علقت المحاكم الفيدرالية العمل بالمرسوم الجديد. 

وفي إطار قضية تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية لصالح الرئيس ترامب، أودت بإقالة مستشار الأمن القومي مايكل فلين بعد اعترافه بتضليل الإدارة بشأن لقائه مع السفير الروسي في واشنطن قبل تسلمه منصبه وتكلمه عن العقوبات الأمريكية ضد روسيا، ولا تزال التحقيقات جارية بحق مسؤولين في إدارة ترامب قد تؤدي إلى تورط أشخاص في التعاون مع روسيا، حيث ذكرت الصحافة الأمريكية أن وزير العدل جيفرسون سيشنز أنه تحدث مرتين العام الماضي مع السفير الروسي وأنه تجنب قول ذلك عندما سُئل خلال جلسة تأكيد توليه المنصب عن أي اتصالات بين الحملة الانتخابية للرئيس ترامب ومسؤولين روس.

في النهاية لا بد أن تصرفات ترامب وسياساته الارتجالية المثيرة للجدل منذ ترشحه للانتخابات هي المسبب الأول لهذه الحملة من الصحافة ضده، وهي حملة تحمل في مضامينها حقائق عن علاقته بالروس وتدخلهم في الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب، وما هذا المسلسل المستمر من التسريبات سوى حلقات متواصلة ما إن يخرج من إحداها حتى يدخل في أخرى، في نهاية الأمر قد تودي إحداها إلى ضربة قاضية للرئيس بالأخص مع إصرار مؤسسة التحقيقات الفيدرالية والصحافة الأمريكية كشف أي التباس للرئيس مع الروس.