ترجمة وتحرير نون بوست

مكنت الاجتماعات والمداولات السياسية التي خاضها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع قادة الدول المحورية في العالم، تركيا من نيل مكانة  مركزية وموضع تاريخي في صلب شبكة العلاقات الدولية. ففي واقع الأمر، لم تقتصر هذه اللقاءات على دعم العلاقات الثنائية، بل كان لها أبعاد سياسية وإستراتيجية مستقبلية أعمق بكثير.

في الواقع، لطالما تجادلنا فيما يتعلق بمجريات الأحداث السياسية العالمية، وحاولنا فهم حيثياتها وخباياها. ولكن أظن أنه، وفي الوقت الراهن، تعمل بعض الأطراف على إنشاء نظام عالمي ستعمد بعض الدول العظمى على قيادته والتحكم فيه. وقد تم طرح هذه المسألة على طاولة المحادثات وذلك خلال الزيارات الأخيرة التي أداها الرئيس أردوغان إلى بعض الدول.

وفي الأثناء، عمل أردوغان جاهدا لتمهيد الطريق حتى يضمن وجود تركيا كطرف أساسي في صلب هذه النواة العالمية. وعلى الرغم من كل العوائق والتحديات التي من المتوقع أن تواجهها تركيا، إلا أنها ستضطلع بدور بارز ضمن تلك النواة. في الحقيقة، يمكننا الجزم بأن تركيا قد احتلت ذلك الموقع منذ هذه اللحظة.

من جهة أخرى، يمكن القول أن لقاء الرئيس التركي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، كان ناجحاً. وخلال المرحلة القادمة، سيعتمد نجاح المباحثات بين الطرفين على مدى قدرة الزعيمان على إرساء علاقات جيدة وقوية، واعتماد لغة حوار مشتركة. والجدير بالذكر أن كلا الزعيمين يتميزان بالصراحة فضلا عن أنهما لا يتوانيان عن الحديث بشكل مباشر عن أي قضية قيد التباحث. وقد تجلى ذلك من خلال التصريحات والرسائل التي أدلوا بها لصالح وسائل الإعلام إبان لقاءهم الأخير.

على الرغم من كل ذلك، لم يستطع الطرفان تجاوز مرحلة عدم الثقة وحالة التوتر بينهما. ففي الواقع، لم تبادر الإدارة الأمريكية بطمأنة تركيا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، في حين لم يكن هناك أي مؤشر يؤكد تلاشي التهديدات أنقرة في المنطقة، والتي انبثقت بالأساس جراء السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة. عموما، لم يكن متوقعا أن يتحقق كل ذلك في أعقاب لقاء واحد بين أردوغان وترامب.

من جهة أخرى، أعتقد أن السبب وراء استمرار حالة التوتر التي تشهدها العلاقات التركية الأمريكية لا يعود إلى ترامب نفسه، وإنما إلى أسس النظام الأمريكي الذي يسير على نهج ثابت ويأبى أن يحيد على مخططاته المدروسة. وهذا المنطلق، يمكن القول أن مدى تطور العلاقات التركية الأمريكية سيبقى رهين من سينتصر، ترامب أم السياسة الأمريكية الثابتة.

في السياق ذاته، يتسم المناخ السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية بالتوتر، حيث أن ترامب يواجه تحديا حقيقيا فيما يتعلق بسبل التعاطي مع النظام الأمريكي نفسه. ففي الحقيقة، عجز ترامب عن السيطرة أو اختراق العديد من المؤسسات البارزة في صلب الدولة. ومستقبلاً، سنشهد ما إذا كان النظام الأمريكي سينجح في ترويض ترامب؟ أم أن ترامب سيتمكن من دفع السياسة الأمريكية لتبني وجهات نظره؟

وفي خضم هذه المرحلة، تثار العديد من التساؤلات حول مصداقية وجدية الوعود والتعهدات التي قدمها ترامب، على غرار تلك التي تعهد بها أثناء لقائه بنظيره التركي، وما إذا كان سيلتزم بتنفيذها على أرض الواقع؟ على العموم، سيكون من المنطقي للغاية أن نربط بين عدم تحقيق نتائج ملموسة إبان الاجتماع بين أردوغان وترامب، والتوتر الداخلي في قلب النظام الأمريكي الذي من شأنه أن ينعكس على صناع القرار في الدولة.

في الوقت الراهن، توجد حقيقة واحدة مثبتة تتمثل في أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والجيش الأمريكي يتبعان سياسة من شأنها أن تُهدد أمن المنطقة. ففي الواقع، تهدف هذه الجهات إلى تمزيق مختلف الدول في منطقة الشرق الأوسط فضلا عن محاصرة تركيا من الجنوب، من خلال إنشاء ممر لعبور المنظمات الكردية يصل الشمال الشرقي السوري بالشمال الغربي. في المقابل، لم تتردد تركيا في الوقوف في وجه هذه المخططات، والالتزام بسياسة عدم الانقياد لمطامع وأهداف الأطراف الأمريكية.

وفي شأن ذي صلة، أعلنت الولايات المتحدة أن حزب العمال الكردستاني الإرهابي يعتبر شريك لها في العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة، كما لم تتوان عن مده بالأسلحة. وبالتالي، تعتبر كل الوعود التي قدمها البيت الأبيض فيما يتعلق "بمكافحة الإرهاب" مجرد أكاذيب سياسية. فقد لجأت واشنطن لاستخدام مصطلح "مكافحة المنظمات الإرهابية" كتعلة لتبرير مواقفها تجاه المنظمات الإرهابية الكردية، وذلك خدمة لمصالحها السياسية الخاصة.

من جانب آخر، تمثل السياسات المعتمدة من قبل الإدارة الأمريكية في كل من سوريا والعراق تهديدا للدولة التركية. في السياق ذاته، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى خلق صراع داخلي في قلب الدولة التركية وذلك من خلال محاولة الانقلاب الفاشلة التي جدت في تموز/يوليو الماضي. وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على أن الولايات المتحدة لديها نية مبيتة ضد تركيا، ولن تتمكن واشنطن من حجب تلك الحقيقة مطلقا على الرغم من محاولات التقارب في العلاقات بين البلدين.

في الوقت الراهن، من الواضح أن السياسة التي وضعها ترامب لم تنضج بعد، في حين أن الولايات المتحدة تصر على اتباع سياسة النظام الأمريكي الثابتة. وعلى الرغم من كل الانتقادات التي وجهتها أنقرة لواشنطن على خلفية تسليحها للمنظمات الكردية في سوريا، تصر الإدارة الأمريكية على انتهاج هذه الإستراتيجية، وذلك بغية تغيير الخريطة السياسية في المنطقة وليس  مكافحة الإرهاب" كما تزعم.

وفي هذا الصدد، لسائل أن يسأل هل سيتمكن أردوغان من إقناع ترامب بالعدول عن سياسته فيما يتعلق بتسليح الأكراد؟ في الواقع، من المرجح أن يتمكن أردوغان من تحقيق ذلك في حال نأى ترامب بنفسه عن السياسة الأمريكية المتبعة. ومن هذا المنطلق، ستواجه تركيا عائقا واحدا يتمثل في مدى قدرة ترامب على التحكم في السياسة الأمريكية، فضلا عن مدى التزامه بالوعود والتعهدات التي قدمها. وكما ذكرت آنفاً، تطور العلاقات التركية الأمريكية سيبقى رهين الطرف المنتصر الذي سيتمكن من فرض سياسته في الولايات المتحدة، النظام الأمريكي أم ترامب.

من جهة أخرى، ليس هناك أي مؤشر يدل على أن واشنطن تنوي العدول عن سياستها في المنطقة، وبالتالي، ستواصل تهديدها لأمن واستقرار تركيا. في المقابل، لن تقف أنقرة مكتوفة الأيدي حيال ذلك، وستعمل جاهدة على التصدي لتلك المخططات، مما قد يجبرها على التدخل للحفاظ على أمنها القومي.

وفي الأيام القادمة، سينصب اهتمام العديد من الجهات الدولية على السياسة التي ستتبعها الإدارة التركية لمواجهة هذه التهديدات، خاصة وأن المنظمات الكردية قد أخذت تحشد عناصرها للسيطرة على طول الحدود السورية-التركية. وفي حال نجحت في ذلك، ستقوم مباشرة بمهاجمة تركيا. في المقابل، لن تضطر تركيا للتصدي للمنظمات الكردية فقط وإنما ستواجه أطرافاً دولية عديدة، في الوقت الذي ستشرع فيه الولايات المتحدة بتنفيذ مخططها للإطاحة بتركيا.

من جهة أخرى، سيشهد العالم بروز نظام عالمي جديد سيتولى قيادته بوتين وأردوغان وترامب في حال تمكن من تجاوز أسس السياسة الأمريكية الثابتة. ففي واقع الأمر، نجح كل من بوتين وأردوغان في تجاوز القوالب السياسية العالمية الجاهزة. ومن المثير للاهتمام أن كلا الزعيمين وخلال فترة حكمهما الأولى، قد تبنيا القوالب السياسية العالمية الجاهزة وذلك بغية إقامة علاقات سياسية ناجحة، ولكنهم استطاعوا فيما بعد، التغلب عليها وفرض وجهات نظرهم الخاصة.

فبالنسبة لروسيا، بادر بوتين بإنشاء نظام سياسي يرتكز على أسس وقواعد جديدة إبان اندثار الاتحاد السوفييتي، حيث قام بإعادة بلورة وتشكيل الدولة الروسية والقوى الداخلية من جديد. كما عمد إلى تغيير السياسة الروسية بشكل جذري، حيث دفع جميع المواطنين الروس للالتفاف حول قيادتهم. وإثر نجاحه في ارساء نظام داخلي، يستجيب لطموحاته، تحول إلى السياسة الخارجية، حيث سعى جاهدا لترك بصمته على خارطة السياسة العالمية.

من جانبه، قاوم الرئيس أردوغان قواعد النظام التركي الداخلي الذي ورثه عن سلفه. وقد تمكن بعد مسيرة شاقة ومرهقة اتسمت بالعديد من التحديات والضغوطات، من إعادة تشكيل القوى الداخلية والنظام الداخلي التركي. وإبان فوزه في الاستفتاء الدستوري في أبريل/ نيسان الماضي، أعلن أردوغان انتصاره في "حرب الحسابات الداخلية" التركية. وفي الأثناء، عمل أردوغان جاهدا على تأكيد حضوره في صلب الخارطة السياسية العالمية. فقد تمكن من تحويل تركيا من "جبهة حربية" كما كان يطلق عليها في فترة الحرب الباردة، إلى دولة مركزية ومحورية. وأظن أن الرئيس الأمريكي ترامب يتابع نجاح أردوغان عن كثب ويحاول الاستفادة من تجربته.

أما بالنسبة لترامب، فكفاحه لا يزال مستمرا، في حين من المتوقع أن تتطور "حرب الحسابات الداخلية" في الولايات المتحدة بين ترامب والنظام الأمريكي مستقبلاً. وسنتابع في الأيام القليلة القادمة من سينتصر في هذه المعركة. فإما سيتمكن النظام الأمريكي من ترويض ترامب، أو سيقوم ترامب بإعادة تشكيل السياسة الأمريكية على غرار بوتين وأردوغان. وفي حال تمكن ترامب من الفوز في هذه المواجهة، ستحاول العديد من الدول الأخرى السير على خطاه، مما سيسمح لزعمائها بافتكاك موقع ضمن خارطة السياسات العالمية الجديدة. في الوقت نفسه، سيشهد العالم انبثاق نظام عالمي جديد يسير وفقه قادة الدول بخطى ثابتة إلى الأمام، بعيداً عن القوالب السياسية الجاهزة.

المصدر: يني شفق