ترجمة وتحرير: نون بوست

في الوقت الذي يتجه فيه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نحو توثيق تعاون الولايات المتحدة الأمني مع المملكة العربية السعودية، تبقى حياة الملايين من اليمنيين على المحك. فخلال زيارة الرئيس الأمريكي إلى السعودية، التي تمثل المحطة الأولى له ضمن أول جولة دولية، لن يتردد نظراء ترامب الخليجيون في الإطناب في الحديث عن الصراع القائم في اليمن، فضلا عن التهديدات التي يمثلها تأثير كل من الإيرانيين فضلا عن تنظيم القاعدة هناك.

في المقابل، من المرجح أن يغيب عن مسامع ترامب تهديد آخر مختلف ولكنه على نفس القدر من الخطورة ألا وهو المجاعة. في الواقع، وفي الوقت الذي دفعت فيه السياسية العسكرية السعودية "المتهورة" باليمن إلى حافة الانهيار الإنساني، لم تتوان المملكة عن طلب المزيد من الدعم العسكري الأمريكي. وفي حال عمدت الولايات المتحدة إلى تعزيز النهج الدي تتبعه السعودية في اليمن، فقد يودي ذلك بمصير عدة ملايين من اليمنيين إلى الموت جوعا.

منذ أكثر من سنتين، كثّف الائتلاف الذي تقوده السعودية ضمن الحرب في اليمن من تفجيراته، وذلك بعد نجاح التحالف المعادي له، والمتكون من المقاتلين الحوثيين وحلفاء الدكتاتور اليمني السابق، علي عبد الله صالح، في الإطاحة بالحكومة المنتخبة والمُعترف بها دوليا وطردها. في الحقيقة، ترى المملكة في الحوثيين تهديدا أمنيا مباشرا، حيث أن الجماعة لا تتردد في مهاجمة الحدود الجنوبية للمملكة بشكل منتظم، فضلا عن أن الرياض تعتبرهم بمثابة وكيل عن إيران في اليمن.

بالنظر إلى تفاقم الكراهية بين المملكة وإيران، تبذل الرياض قصارى جهدها في سبيل إعادة الحكومة اليمنية المنتخبة قسرا باعتبارها حصنا مهما في وجه المدّ الإيراني في شبه الجزيرة العربية. ونتيجة لذلك، لا شك في أن تتماشى نوايا الرياض جنبا إلى جنب مع رغبة دونالد ترامب في تعزيز توازن القوى الإقليمية ضد إيران

من جهة أخرى، وبالنظر إلى تفاقم الكراهية بين المملكة وإيران، تبذل الرياض قصارى جهدها في سبيل إعادة الحكومة اليمنية المنتخبة قسرا باعتبارها حصنا مهما في وجه المدّ الإيراني في شبه الجزيرة العربية. ونتيجة لذلك، لا شك في أن تتماشى نوايا الرياض جنبا إلى جنب مع رغبة دونالد ترامب في تعزيز توازن القوى الإقليمية ضد إيران.

خلافا لذلك، يبدو أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن السعودية، فبعد سنتين من الاقتتال بين ائتلاف الرياض وتحالف المعارضة، وصل الطرفان إلى طريق مسدود. في الأثناء، تستمر الضربات الجوية السعودية المكثفة في تحويل البلاد إلى غبار دون أن ينجرّ عن ذلك أي تأثير استراتيجي يُذكر. علاوة على ذلك، باءت العديد من جولات المفاوضات، التي لعبت فيها الأمم المتحدة دور الوسيط، بالفشل، وذلك بالنظر إلى عدم استعداد كلا الطرفين للاعتراف بفشلهما في تحقيق أهدافهما على ساحة المعركة.

من جانبها، آثرت الديبلوماسية الأمريكية التركيز على تهيئة الظروف الملائمة لإيجاد حل سياسي عوضا عن تأجيج المزيد من التصعيد في حرب يبدو الظفر بها أمرا بعيد المنال. أما في حال أقدمت الولايات المتحدة على تغيير سياستها نحو التصعيد العسكري، الأمر الذي لم تتردد إدارة ترامب في أخذه بعين الاعتبار، فسيترتب عن ذلك عواقب إنسانية وخيمة.

ومع استمرار الصراع وغياب بوادر الانفراج في الأفق، يضل الجوع والموت وحدهما الفائزين في المشهد اليمني. في الحقيقة، لطالما مثّل اليمن واحدا من أكثر البلدان التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي وندرة المياه في العالم وذلك قبل اندلاع الصراع الأخير بوقت طويل. ومن هذا المنطلق، ستؤدي هذه الحرب الوحشية التي تضاف إلى جملة الأزمات التي تشهدها البلاد إلى حدوث كارثة، وهو وضع يتحمل فيه كلا الجانبين المتصارعين المسؤولية.

في هذا الصدد، تخضع الخطوات التي يتخذها الائتلاف السعودي إلى المزيد من الضغوط، حيث أنه قام بقصف مستودعات إنسانية، وعيادات طبية، فضلا عن مدارس، وجسور قائمة على طول الطرق الرئيسية التي تصل من خلالها المساعدات الإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، لم يتردد الائتلاف في قصف المرافق التجارية التي توفر المياه والغذاء، والبنية التحتية للمياه، والعديد من الموانئ المستخدمة في الواردات المتعلقة بالمساعدات الإنسانية.

السعوديين لم يبدوا قلقا كبيرا بشأن تأثير عملياتهم على المدنيين، حتّى أن الأمر وصل بهم إلى قصف جنازة في صنعاء ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص

وعلى الرغم من الضغوط الأمريكية، إلا أن السعوديين لم يبدوا قلقا كبيرا بشأن تأثير عملياتهم على المدنيين، حتّى أن الأمر وصل بهم إلى قصف جنازة في صنعاء ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص. من جهتهم، يلام الحوثيون كذلك نظرا لعرقلتهم المستمرة لأنشطة الوكالات الإنسانية، وتسيير حواجز الطرقات التي تسيطر عليها المليشيات بهدف مضايقة وتأخير العمليات الإنسانية، بالإضافة إلى الإبقاء على حصار وحشي وغير إنساني على مدينة تعز.

في الحقيقة، يبدو أنه يمكن توقع مصير الشعب اليمني. ففي ظل الكم الهائل من الأزمات العالمية، يحتل اليمن أعلى مرتبة على قائمة البلدان التي تقع ضحية أكبر أزمة أمن غذائي في العالم. والجدير بالذكر أن 14 مليون يمنيّ، أي حوالي نصف عدد السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما يقبع حوالي مليونيْ شخص على شفا المجاعة.

في السياق ذاته، كشفت استطلاعات الأمم المتحدة الأخيرة عن لجوء نصف سكان البلاد إلى اقتراض الأموال لسد احتياجاتهم الغذائية الأساسية، نظرا لارتفاع أسعار الموائد الغذائية وانهيار سبل العيش الاقتصادية. من جهة أخرى، بلغ سوء التغذية مستويات حرجة، كما ارتفعت نسبته بحوالي الثلث خلال السنة المنصرمة.

وفي شأن ذي صلة، حذّرت منظمة الصحة العالمية من تبعات الحرب التي أدت إلى انهيار النظام الصحي في اليمن، حيث أن 45 بالمائة فقط من المنشآت الصحية لا زالت تعمل بشكل تام، فيما انخفضت نسبة توفر الأدوية بحوالي 70 بالمائة. وبالنظر إلى تدهور أنظمة المياه، يكافح العاملون في المجال الإنساني لاحتواء تفشي وباء الكوليرا الآخذ بالانتشار خارج نطاق السيطرة.

في الحقيقة، تُعدّ الأوضاع الحالية في اليمن بمثابة نمط كلاسيكي لما قبل المجاعة، ذلك أن العجز واسع النطاق عن توفير الغذاء الكافي يتسبب في إضعاف صحة السكان ويزيد من قابلية التأثر بالأمراض. أما البرامج المُوجهة لسوء التغذية والخدمات الصحية المتدهورة فقد أصبحت عاجزة عن مجاراة الأوضاع الكارثية. ونتيجة لذلك، بدأت الأمراض المتفشية في القضاء على الشعب الذي خارت قواه، بدءا من كبار السن والأطفال. في غضون ذلك، تضل المجاعة الكبرى بمثابة "مادة ملتهبة" ولا يفصل اليمن عن الكارثة سوى "شرارة واحدة".

في الأثناء، قد تمدّ زيارة دونالد ترامب الرياض بتلك الشرارة، فبالنظر إلى الصراع الذي يواجه طريقا مسدودا، فضلا عن رفض كلا الطرفين للمساومة، يسعى الائتلاف السعودي للحصول على ورقته الرابحة لتغيير المعادلة العسكرية. في هذا الإطار، يبحث الائتلاف عن استعادة السيطرة على مدينة الحديدة الساحلية والقابعة تحت سيطرة الحوثيين، بالإضافة إلى دعم الولايات المتحدة لتحقيق ذلك.

بالنسبة للرئيس الأمريكي وفريقه، فلا بد لهم من تجنب الوقوع في فخ النوايا السعودية، حيث يبدو من المستبعد أن يُحدث الضغط العسكري والاقتصادي الإضافي تغييرا يذكر في المعادلة السياسية من جهة الحوثيين

من جانب آخر، تشير الوقائع إلى أن الحوثيين يستمدون إيرادات هامة من العمليات التي يقودونها في ميناء المدينة، فيما يخشى السعوديون من أن يمثل الميناء مركزا للشحنات العسكرية الإيرانية غير المشروعة. ومن هذا المنطلق، يجادل السعوديون بأن إعادة الاستيلاء على الميناء ستكون بمثابة تغيير للعبة بشكل مزدوج، وذلك من خلال قطع الإيرادات على الحوثيين وقطع الطريق أمام الدعم الإيراني.

أما بالنسبة للرئيس الأمريكي وفريقه، فلا بد لهم من تجنب الوقوع في فخ النوايا السعودية، حيث يبدو من المستبعد أن يُحدث الضغط العسكري والاقتصادي الإضافي تغييرا يذكر في المعادلة السياسية من جهة الحوثيين، حتى وإن لجئت الولايات المتحدة إلى زيادة دعمها العسكري بشكل ملحوظ. في المقابل، سيؤدي ذلك حتما إلى وقوع خسائر فادحة في صفوف السكان المدنيين.

وعلى الرغم من أن السعوديون قد حاولوا بطرق عديدة ممارسة المزيد من الضغط على الحوثيين والدفع بهم إلى تبني موقف يميل إلى إبرام الصلح، إلا أن جميعها باءت بالفشل. وفي كل مرة سعى فيها السعوديون للحصول على الدعم الأمريكي، فضّلت الولايات المتحدة حثّهم على ضبط النفس بدلا من اعتماد سياسة التصعيد. وتجدر الإشارة إلى أن الائتلاف شن هجوما على مدينة عدن سنة 2015 ونجح في افتكاكها، حيث أن الحجج التي قدمها في ذلك الوقت تبدو متقاربة إلى حد كبير مع تلك التي يقدمها حاليا في سبيل شن هجوم على الحديدة.

في الحقيقة، أحدثت سيطرة الائتلاف على مدينة عدن فارقا استراتيجيا ضئيلا في الصراع القائم، بيد أن ذلك أدى إلى زعزعة الأمن في المدينة ووضع خط عسكري يفصل ميناء المدينة عن بقية البلاد. ونتيجة لذلك، تمّت بشدّة عرقلة وصول البضائع التجارية والمساعدات الإنسانية. علاوة على ذلك، تتمثل الخطوات الأخرى التي اتخذها الائتلاف في اليمن، في الهجوم على مدينة مأرب سنة 2015، والتدخل المستمر في الواردات التجارية الأساسية (الذي تراجع نسبيا بعد أن حث الرئيس السابق، باراك أوباما، شخصيا الملك السعودي عن الكف عن ذلك).

بالإضافة إلى ذلك، كان تغيير الائتلاف لمكان البنك المركزي اليمني من مدينة صنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إلى مدينة عدن التي تقع تحت سيطرة الائتلاف، يعدّ بمثابة خطوة كارثية. وإلى غاية الآن، تضل الأدلة شحيحة حول مدى مساهمة هذه الخطوات في تغيير إستراتيجية الحوثيين العسكرية أو المعاملات الاقتصادية، على الرغم من أنها نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بالوضع الانساني والاقتصادي.

من جهة أخرى، سينجر عن الهجوم على مدينة الحديدة دفع اليمنيّين لأثمان باهظة. وعلى الرغم من أن الدعم الأمريكي لعملية الائتلاف لن يؤدي إلى تغيير التوازن العسكري الشامل، إلا أنه سيقود البلاد بالتأكيد إلى مجاعة، ستحمل إمضاء الولايات المتحدة.

لن يتم حل هذا الصراع في ساحة المعركة بل على طاولة المفاوضات، أما السياسة الأمريكية فينبغي لها ممارسة المزيد من الضغوط على الأطراف للتوصل إلى عقد صفقة (بدل بيع كميات ضخمة من الأسلحة لجانب واحد)

في الحقيقة، يعتمد اليمن على الواردات لتوفير حوالي 90 بالمائة من الأغذية السياسية. علاوة على ذلك، تمر حوالي ثلاثة أرباع تلك الواردات عبر مدينة الحديدة. وبالتالي، يعتبر هذا الشريان بمثابة العامل الوحيد الذي يصدّ حاليا شبح المجاعة الشاملة عن الشعب اليمني. ومن هذا المنطلق، سيؤدي الهجوم على المدينة إلى قطع هذه الإمدادات بشكل تام في أقرب الآجال، حيث أنه سيخلق، تماما مثل ما هو في الحال في عدن، خطا فاصلا يُمنع العبور منه بين الميناء وسكان البلاد الذين لا حول لهم ولا قوة. وفي الأثناء، لن يتطلب الأمر وقتا طويلا قبل حلول كارثة المجاعة.

من ناحية أخرى، لن يتم حل هذا الصراع في ساحة المعركة بل على طاولة المفاوضات، أما السياسة الأمريكية فينبغي لها ممارسة المزيد من الضغوط على الأطراف للتوصل إلى عقد صفقة (بدل بيع كميات ضخمة من الأسلحة لجانب واحد). وإلى غاية هذه اللحظة، شكلت الولايات المتحدة عائقا، وإن كان منقوصا، أمام عمليات الائتلاف العسكرية التي قد تقود بالبلاد إلى المجاعة.

خلافا لذلك، سيتسبب تخليها عن هذه السياسة في وقوع الملايين من اليمنيين بين براثن المجاعة المحتملة، وكل ذلك في إطار دعمها للدفع العسكري السعودي الذي لن يُعجّل بإحلال السلام على البلاد. وفي هذا السياق، يجب على دونالد ترامب ومستشاريه أن يعلموا الجانب السعودي بعدم استعدادهم لتحمل تبعات حدوث مجاعة في اليمن، وهو ما لا ينبغي على الرياض أيضا فعله.
 
المصدر: فورين بوليسي