قامت سينما زاوية في القاهرة بتنظيم الدورة الأولى لفعاليات مهرجان أيام القاهرة السينمائي في منتصف هذا الشهر والذي عرض به أكثر من أربعين فيلمًا عربيًا مستقلاً شارك معظمهم في المحافل السينمائية الكبيرة مثل مهرجانات كان وفينيسيا ودبي العام الماضي.

نعرض هنا مراجعات مختصرة لأبرز أربعة أفلام عرضت في الفعالية:

ربيع

يحكي الفيلم قصة ربيع مالك، وهو شاب ضرير في أوائل العشرينيات من عمره يعمل في جوقة غنائية بإحدى مدارس الموسيقى في لبنان. 

يُبتعث ربيع مع الجوقة إلى أوروبا للعزف في حفلة موسيقية هناك، مما يضطره للذهاب للسجل المدني من أجل استخراج جواز سفر، وهناك يكتشف أن بطاقة هويته مزورة، وعليه استخراج شهادة ميلاد من أجل إصدار هوية جديدة.

يخبر ربيع أمه بالحادثة، وتعده أن تصحح المسألة، إلا أن ربيع يقرر أن يبحث في الأمر بنفسه، يذهب ربيع للمستشفى التي ولد بها من أجل استخراج شهادة ميلاد له ليكتشف أنه لا يوجد سجل له هناك، تطلب المستشفى منه أن يقوم هو وأمه بتحليل الحمض النووي من أجل تأكيد النسب.

عندما يعود ربيع لأمه طالبًا منها أن تقوم بالتحليل، تعترف له بالحقيقة، ربيع ابنها بالتبني وقد تبنته بعد العثور عليه حيًّا وسط جثث أهله في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

ينطلق ربيع بعد هذا الاعتراف لرحلة بحث طويلة كي يتحرى عن جذوره وأصوله وعائلته الحقيقية، فهل سيعرف ربيع الحقيقة؟

يحسب للمخرج اللبناني فاتشي بولجورجيان أنه استطاع حكي قصة بسيطة تجذب المتفرج من اللقطة الأولى، رغم أن قصص البحث عن الهوية من القصص التي قتلت استهلاكًا في السينما، فإنني طول مدة الفيلم وجدتني مترقبًا للعثور على الإجابات التي يبحث عنها ربيع.

هذا الترقب يرجع لسببين، أولهما شخصية ربيع نفسها التي أداها الممثل الضرير بركات جبور، ثانيهما الإخراج الذي استطاع وضع المشاهد مكان ربيع باستخدام تكوينات وإضاءة تعبر عن العتمة القابع بها ربيع سواء العتمة الناتجة عن كونه ضريرًا أو تلك الناتجة عن جهله بحقيقة جذوره وأصوله.

بركات جبور اكتشاف مذهل، فحضوره في الشاشة قوي وقادر على أسر انتباه المشاهد طول الوقت، أداؤه في مشهد اكتشافه أنه متبنى من قبل عائلته لا تكفي الكلمات وصفه، لا يوجد في أدائه أي مبالغة ولا أي استعطاف من المتفرج، فقط ردة فعل صادقة.

ربيع شخصية قوية وعزيزة وقادرة على التكيف في البيئة المحيطة دون أي مساعدة من أحد، موهوبة في الغناء والموسيقى، وهذه عناصر جذابة للمشاهد تجاه الشخصية والمحنة التي تمر بها.

يؤخذ على الفيلم فقط النهاية، فرغم واقعيتها، لم ترو ظمئي كمشاهد للإجابات التي أردت العثور عليها بخصوص ربيع.

عرض الفيلم في أسبوع النقاد في مهرجان كان العام الماضي ونال حفاوة نقدية وجماهيرية كبيرة هناك، وعرض في مهرجان دبي ليلقى نفس ردة الفعل المرحبة هناك أيضًا.

التقييم: () فيلم عبقري (X) جيد جدًا () يستحق المشاهدة ( ) ممل ( ) بشع

رابط الفيلم على موقع IMDb

زينب تكره الثلج

هذا الفيلم الوثائقي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هانية، تحكي قصة زينب الفتاة التونسية التي تبلغ من العمر تسع سنوات، والتي ترفض زواج أمها من رجل غريب عنها بعد وفاة أبيها كي لا تتغير حياتها وحياة شقيقها الأصغر، رغم ذلك تتزوج الأم وتبدأ في التحضير للانتقال لكندا للعيش مع زوجها الجديد وابنته وجدان.

يرصد الفيلم التغيرات التي تمر بها زينب على مدار ست سنوات على المستوى العاطفي والفكري، فنرى كيف بدأت تتقبل فكرة زواج أمها رويدًا رويدًا، وكيف أن علاقتها بوجدان ابنة زوج أمها تأخذ في التباعد مع مرور الوقت نظرًا للاختلاف الفكري بين الفتاتين. 

أيضًا يرصد الفيلم التغيير الذي تتعرض له الأم في كندا، حيث تخلع الحجاب هناك وتصبح التعاليم والطقوس الدينية هامشية بالنسبة للأسرة، استطاعت كاميرا بن هانية التقاط العديد من اللحظات الشخصية لزينب والتي كانت معظمها داخل المنزل، مما جذب المشاهد تجاهها كشخصية وتجاه العالم المتغير حولها، بالذات في مشاهدها في كندا، حيث التقطت عدم قدرة زينب على التكيف هناك في بدايات الانتقال، واشتياق أخيها الصغير لأبيه المتوفى ومحاولته المستميتة التمسك بالطقوس الدينية في ظل الحياة في كندا، والتقطت نقاشات زينب ووجدانعن مصير غير المسلمين الكنديين إذا ما كان مصيرهم في الجنة أو النار.

شخصيًا كنت أتمنى أن تغوص بن هانية في عالم زينب الخارجي مثل مدرستها في كندا، حيث كانت ستكون مادة غنية للمشاهد وللفيلم.

التقييم: () فيلم عبقري () جيد جدًا (X) يستحق المشاهدة ( ) ممل ( ) بشع

رابط الفيلم على موقع IMDb

الرياح المظلمة

تدور أحداث الفيلم في جبل سنجار بالعراق في أغسطس 2014، ويحكي قصة الشاب اليزيدي ريكو وخطيبته بيرو اللذين كانا على وسط مراسم الخطوبة عندما قامت داعش باجتياح المنطقة والسيطرة عليها.

تسود حالة من الفزع والفوضى إثر الإجتياح، وتضيع بيرو في وسط الفوضى لتقع أسيرة في يد التنظيم وتباع كسبية لمن يدفع أكثر، يدفع اختفاء بيرو ريكو للانضمام لقوات البشمركة الكردية من أجل محاربة داعش والبحث عن خطيبته الضائعة.

بعد محاولات مضنية، ينجح ريكو في العثور على بيرو في سوريا بعد تحرير إحدى القرى على يد قوات حماية الشعب الكردية، ولكن يجد بيرو محطمة تمامًا، فهل سينجح ريكو وبيرو في شفاء آلامهما والعودة لحالة ما قبل الحرب؟

فيلم الرياح المظلمة أول فيلم سينمائي عربى يتناول أحداث هجوم داعش على شمال العراق في 2014، وأول فيلم يتناول مأساة اليزيديين في الحرب، ولذلك نجاح المخرج في تجسيد عالم جبل سنجار واليزيديين كانت عنصرًا حاسمًا في قبول المشاهد للفيلم، وهو ما نجح فيه المخرج العراقي حسين حسن.

فمشاهد المعارك والاشتباكات كانت موفقة للغاية، واختار المخرج أن يصور بمخيم اللاجئين الخاص بالأيزيديين من سكان جبل سنجار مما أضاف لمصداقية البيئة التي جسدها الفيلم.

وفق حسن في اختيار الممثلين ركيش شباز الذي جسد ريكو والممثلة ديمن زاندي التي جسدت بيرو، وهي التى تستحق ترشيحًا للأوسكار عن تجسيدها لمعاناة بيرو ومحاولتها التعافي من الأزمة التي ألمت بها.

رغم الصدق في التجسيد، فإن الفيلم كان مخيبًا للآمال على مستوى المعالجة الدرامية، فبعد عثور ريكو على بيرو، يتحول الفيلم للرتابة في الإيقاع والأحداث، ويبدأ المخرج في التركيز على موضوع العار الذي تحدثه أزمة بيرو لعائلتها، وهو موضوع ظهر كثيرًا في الأفلام التي تناولت المجتمع الكردي، هذا غير أنه كان طريقة غير موفقة لكسب تعاطف وشفقة المشاهد تجاه شخصية بيرو.

عرض الفيلم في ختام مهرجان بوسان في كوريا الجنوبية العام الماضي، وفاز بالمهر الطويل لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان دبي العام الماضي أيضًا.

التقييم: () فيلم عبقري () جيد جدًا (X) يستحق المشاهدة ( ) ممل ( ) بشع

رابط الفيلم على موقع IMDb

نحبك هادي

نحبك هادي يحكي قصة الشاب التونسي هادي الذي يعمل كمندوب مبيعات لشركة السيارات بيجو والذي من المقرر زواجه من خديجة (قامت بدورها أمنية بن غالي) من خلال زواج مدبر من قبل أمه وعائلته، هادي مستسلم تمامًا لسيطرة أمه ورؤساء عمله عليه، فيستعرض الفيلم حياته الرتيبة التي تتمحور حول عمله الذي يتطلب السفر لمدن مختلفة عن تونس من أجل عرض خدمات بيجو على الشركات المختلفة وترتيبات الزفاف التي تتولاها أمه وأخيه، وفي خضم كل هذا، هادي صامت ومذعن ولا رأي له فيما تخطط له عائلته من أجله.

الشيء الوحيد الذي يعمله هادى برغبته، هواية رسم الكاريكاتير التي يظهر فيها موهبة فذة ويخفيها عن الجميع.

كل هذا يتغير عندما يقابل هادي ريم (قامت بدورها ريم بن مسعود) في أحد الفنادق السياحية في أثناء إقامته بغرض العمل، ريم أكبر سنًا من هادي، إلا أنها متحررة من قيود العائلة والعمل الروتيني، فهي النقيض التام لهادي.

تدعم ريم طموحات هادي الفنية، وتبدأ في زرع بذور الشك والتساؤل لدى هادي عن مسار حياته، لتبدأ ثورته الداخلية وتمرده على الوضع الراهن، فهل سيستطيع هادي فرض رؤيته لمستقبله على عائلته وأرباب عمله؟ أم سيخضع لظروف وقانون العائلة؟

قام بدور هادي الممثل مجد مستورة في أول أدواره السينمائية، تجسيد مستورة نقطة الفيلم المضيئة الرئيسية، فنجح في نقل مشاعر الكبت والإحباط المتفجرة داخل هادي للمتفرج.

أداء مستورة في مشاهد هادي مع أمه وفي أثناء تحضيرها لزفافه، ينقل لك كم كبير من الحيرة والغليان الذي تشعر به الشخصية، فهي لا تعترض على الخطط الموضوعة من قبل العائلة نظرًا لأنها لا تتخيل وجود بديل لها.

أخرج الفيلم محمد بن عطية في أولى تجاربه الإخراجية واعتمد على الأسلوب الوثائقي في سرد القصة سواء على مستوى التكنيك والتجسيد، فخرج الأداء من فريق التمثيل بشكل طبيعي وتلقائي.

نقل بن عطية حالة الركود الاقتصادي التي تمر بها البلاد سواء في السياحة والصناعة، وهو ما أضاف لحالة الإحباط التي يعاني منها هادي، وتفهم المتفرج لاشتياقه للحرية ولفهم ذاته أكثر.

يؤخذ على الفيلم إيقاعه الذي قد لا يناسب المشاهد العادي، والذي قد يجده طويلًا ومملًا بعض الشيء، أيضًا شخصية خديجة في الفيلم لم توظف بالشكل الأمثل، كنت أفضل أن يكون الخط الدرامي الخاص بها أكثر فعالية من ذلك.

عرض الفيلم في مهرجان برلين عام 2016 في المسابقة الرسمية وفاز بجوائز أحسن ممثل لمستورة وأحسن فيلم أول لبن عطية.

التقييم: () فيلم عبقري ( ) جيد جدًا (X) يستحق المشاهدة ( ) ممل ( ) بشع

رابط الفيلم على موقع IMDb