ترجمة وتحرير نون بوست

في الواقع، يدخل شهر رمضان على حياتي تغيرا محببا إلى قلبي، حيث يعد الوقت الوحيد من السنة الذي تجتمع فيه عائلتي بأكملها وتجلس جنبا إلى جنب بشكل يومي لمدة شهر من أجل تناول طعام العشاء، أي الإفطار. كما أن رمضان يعتبر المناسبة الوحيدة التي أتناول فيها رفقة زوجي وجبة الإفطار المبكر الذي يعرف بالسحور. عموما، نستيقظ كل ليلة في الوقت نفسه، وتحت ضوء خافت يتناول زوجي بعض الخبز والجبن في حين أحبذ تناول طعام خفيف يناسب الحمية. وخلال ذلك الوقت، وفي ظل استغراق  طفلي الصغير في النوم، تتاح لنا الفرصة للتحدث ومناقشة عدة مسائل، وهذا أمر إيجابي.

لقد كنت المسلمة الوحيدة في صفي عندما كنت أدرس. وبالتالي، كبرت والأشخاص حولي يتساءلون دائما عن سبب التزامي بشعيرة الصوم. وكانت إجابتي بسيطة: "نحن نصوم نظرا لأننا نريد أن نحس بما يشعر به الأشخاص الأقل حظا، نحن نصوم حتى نتعلم كيف نقدر النعمة التي منحنا إياها الله".

في الحقيقة، تعد هذه الإجابة بسيطة وسهلة حتى يتمكن الآخرون من فهمها، ولكن هناك أبعاد أخرى أكثر عمقا. يتمثل السبب الجوهري وراء التزامي بالصوم، في أنني أؤمن بأن الله فرض علي ذلك، كطريقة لتقوية إيماني والاقتراب من الجانب الروحي. فشهر رمضان يجعلني في منأى عن الأمور المادية والرغبات الجسدية في حين يدفعني للتركيز على الجانب الروحي، الذي غالبا ما يتم تجاهله في باقي السنة. وفي الأثناء، يعتبر الشعور بالجوع تذكيرا لي بأن وجودي لا يقتصر فقط على الجانب الجسدي.

خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان، لاحظ زملائي في الفصل أنني أصبحت أكثر هدوء من ذي قبل. وعلى الرغم من أنني لازلت أقضي يوما حافلا وأقوم بالعديد من النشاطات، ولكنني بشكل ما أتمكن من تخصيص وقت لصلاتي كل يوم. ويكون ذلك، عادة، في الصباح الباكر قبل طلوع الشمس، ومرتين عندما أعود للبيت ومرتين قبل النوم. عموما، أجد صعوبة خلال باقي أيام السنة في إدارة الوقت وتأدية الصلاة في وقتها. وبالتالي، يعد شهر رمضان فرصة لي لاستعادة النظام.

شكرا لكم ولكل من قرأ المقال الأول الذي كتبته، وخاصة أولئك الذين خصصوا وقتا لإرسال تعليقات وقدموا لي النصح والإرشاد حول كيفية مواجهة التحديات التي قد أواجهها في هذا الشهر. وفي هذا الإطار، اقترح بعض القراء بكل بساطة أن أتخلى عن ديني، أي أن لا يكون لدي دين أصلا حتى لا أضطر لأن أصوم وبالتالي لن أواجه أية مشكلة بحسب تصورهم. صراحة أعتقد أن وجهة نظرهم صائبة من ناحية معينة، فلماذا أشتكي من القيام بشيء أنا اخترته عن قناعة؟ لا أحد يجبرني على الصوم ولا أحد أجبرني على أن أكون مسلمة. أنا اتخذت هذه القرارات بمحض إرادتي وبكل وعي، وأعتقد أنني اتخذت القرار الصحيح وينبغي أن أتوقف عن التذمر.

من جهة أخرى، يعتبر الصوم مفيدا للجسم. ولمعرفة المزيد حول هذا الموضوع تحدثت مع الدكتور مارك ماتسون، أستاذ علم الأعصاب في جامعة هوبكنز ورئيس مختبرات طب الأعصاب في المعهد الوطني للشيخوخة. ووفقا للأبحاث التي قام بها، يعد الصوم من الممارسات المفيدة على المستوى الذهني والجسدي عندما يتم تطبيقه بالشكل الصحيح. وفيما يلي مقتطفات من الحوار الذي دار بيننا:

هل يمكنك أن تخبرني ماذا يحدث لجسم الإنسان عندما يتم حرمانه من الطعام لمدة 16 ساعة متتالية؟

مارك ماتسون: حسنا دعيني أبدأ حديثي عن نمط الأكل الشائع في الدول الغربية، أي تناول ثلاث وجبات رئيسية مع وجبة  خفيفة. في كل مرة يتناول فيها الإنسان وجبة، تنتقل بعض الطاقة التي تتجسد في شكل جلوكوز إلى الكبد أين يتم تخزينها في شكل جليكوجين. ويتم استهلاك هذه الطاقة المخزنة في الكبد من قبل الجسم، ولكن في الغالب لا يتم استهلاكها بالكامل بالنسبة للأشخاص الذين يتناولون ثلاث وجبات يوميا إلا إذا بادروا بالقيام بجهد إضافي أو عمل شاق.

ولذلك، عندما يصوم الإنسان لعشر أو 12 ساعة، يقوم الجسم بتحويل الدهون المخزنة إلى كيتونات. وتمثل هذه الكيتونات مصدرا غنيا بالطاقة بالنسبة للخلايا الموجودة في الجسم والدماغ. في الواقع، أظهرت جملة من الأبحاث أن الكيتونات لها العديد من المنافع وخاصة على مستوى الدماغ، على غرار تحسين القدرة على التعلم وتخزين المعلومات. بالإضافة إلى ذلك، للكيتونات تأثير شبيه بمضاد القلق كما لها مفعول يتساوى تماما مع مفعول الحبوب المهدئة.

من هذا المنطلق، يساعد الصيام لمدة  16 ساعة في شهر رمضان، على تحفيز عملية الأيض في الجسم ورفع مستوى الكيتونات لفترة تناهز الأربع ساعات. وفي حال قام الإنسان بممارسة الرياضة في آخر ساعات الصوم، فإن ذلك يعطي جرعة إضافية من النشاط للجسم ويرفع مستوى الكيتونات. وفي هذا الصدد، قمنا بإجراء جملة من التجارب على الحيوانات تابعنا خلالها عمل أدمغتها وقدرتها على التعلم والتذكر إثر إخضاعها لبرنامج يجمع بين الصوم وبذل جهد جسدي. وقد لاحظنا وجود تحسن على مستوى وظائف الدماغ.

إذا هل تعتقد أن الصوم في رمضان أمر جيد؟

في الحقيقة، لقد عملت إلى جانب بعض المسلمين في أحد المختبرات. وفي الأثناء، لم يكن أحدهم يمارس الرياضة خلال شهر رمضان ولذلك فقد زاد وزنه، خاصة وأنه كان يفرط في الأكل خلال الليل. ومن هذا المنطلق، ومن وجهة نظر علمية، من الأفضل أن لا يتناول الإنسان الكثير من الطعام في المساء خلال شهر رمضان، وفي حال كان معتادا على ممارسة الرياضة فيستحسن أن يواصل القيام بذلك خلال هذا الشهر.

من ناحية أخرى، اكتشفت من خلال البحث في تأثير الصيام على الإنسان أنه يحتاج في الواقع لبضعة أسابيع حتى يتأقلم النظام البيولوجي مع هذا النمط الجديد من التغذية. وخلال الأسبوع الأول والثاني على الأرجح، يصبح الكثير من الأشخاص عصبيين في حين قد يعاني البعض الآخر من أوجاع على مستوى الرأس وخاصة النساء ولكن لا نعرف تحديدا الأسباب الكامنة وراء ذلك.

وبالعودة إلى وجهة النظر العلمية، يجب الإشارة إلى أهمية المحافظة على ترطيب الجسم. أنا أعرف أنه وخلال شهر رمضان من هذه السنة، سيمتنع المسلمون عن الأكل والشرب طيلة 16 ساعة، ولذلك يجب التأكيد على ضرورة شرب كميات كبيرة من الماء.  

شرب السوائل خلال فترة النهار ليس خيارا مطروحا، فهل هنالك طريقة أخرى لتمكين الصائمين من المحافظة على مستوى المياه في أجسامهم؟

أعتقد أنه خلال الثمان ساعات بين الافطار والسحور، ينبغي شرب ثمانية أكواب من الماء على الأقل.

المصدر: واشنطن بوست