يختتم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم، زيارة شخصية بدأها عشية أمس صحبة زوجته إلى العاصمة المغربية الرباط، التقى خلالها الملك المغربي محمد السادس، ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني، ورئيسي غرفتي البرلمان لحبيب المالكي وحكيم بنشماس.

أزمة الخليج وليبيا على الطاولة

تضمن جدول أعمال الزيارة، حسب ما أعلن قصر الإليزيه، الأزمة الخليجية حيث يرغب كل منهما في توحيد جهودهما للوساطة، وأعلن قصر الإليزيه أن "الرئيس ماكرون تحدث مع كل قادة دول المنطقة ودعا إلى التهدئة، هذه الجهود يمكن أن تنضم إلى دور الوساطة الذي يريد المغرب القيام به"، مضيفًا أن الرئيس والعاهل المغربي يريدان تنسيق تحركاتهما لكي تكون فعالة بأكبر قدر ممكن.

ستشمل المحادثات أيضًا مكافحة التطرف والإرهاب وكذلك الوضع في منطقة الساحل

كما تضمن جدول مباحثات ماكرون مع العاهل المغربي مسألة ليبيا، وقالت الرئاسة الفرنسية: "المغرب يتابع الوضع بشكل حثيث، حيث نريد دفع جهودنا الدبلوماسية قدمًا في الأشهر المقبلة"، وستشمل المحادثات أيضًا مكافحة التطرف والإرهاب وكذلك الوضع في منطقة الساحل، ومسألة الهجرة والتعاون الثنائي في مجالات الأمن والاقتصاد والثقافة ومكافحة التغيرات المناخية.

حراك الريف

زيارة ماكرون إلى المغرب، كانت فرصة تطرق فيها أيضًا لمسألة الاحتجاجات في منطقة الريف بشمال المملكة، حيث قال ماكرون في مؤتمر صحفي عقد أمس إنه لا يتدخل في الشأن الداخلي للمملكة لكن العاهل المغربي يشاطره الرأي بأن التظاهر حق دستوري، وتابع أن ملك المغرب أبلغه رغبته في تهدئة الأوضاع عبر التجاوب مع مسببّات هذه الحركات الاحتجاجية.

https://www.youtube.com/watch?v=cI0PLO0H29g

وشكل موضوع الاحتجاجات رسالة مفتوحة كتبتها 25 جمعية مغربية موجهة إلى ماكرون قبل حلوله بالرباط، وتدعو هذه الرسالة الرئيس الفرنسي إلى التنديد بالقمع الذي تُعاني منه هذه المنطقة، كما طالب حزب الخضر الفرنسي بضرورة البحث عن حلول سلمية للوضع في الريف وبوجوب إطلاق سراح الزفزافي زعيم هذا الحراك الشعبي. 

ولم تتوقف الاحتجاجات في مدينة الحسيمة منذ نهاية أكتوبر الماضي، إذ يطالب المحتجون بمطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية، ورغم تعهد الحكومة بإنجاز عدة مشاريع استراتيجية، فإن ذلك لم يوقف التظاهر الذي ازدادت حدته بعد اعتقال العشرات منهم وجوه بارزة في الحراك.

كسر تقليد قديم

اختيار ماكرون للمغرب كوجهة أولى له في شمال إفريقيا، كسر من خلاله تقليدًا كان قائمًا منذ عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك، إذ كانت الجزائر دائمًا المحطة الأولى في زيارات الرؤساء الفرنسيين إلى منطقة المغرب العربي.

وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان في الجزائر لتبديد الشكوك

فرغم استقباله استقبال الرؤساء في الجزائر خلال حملته الانتخابية، حيث التقى بوزير الخارجية ووزير الصناعة ورئيس الوزراء السابقين، وكسرت حينها السلطات الجزائرية واجب التحفظ ما بين دوري الانتخابات الرئاسة الفرنسية، عندما أعلنت على لسان وزير خارجيتها السابق رمطان لعمامرة مساندتها لماكرون على حساب مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، فقد اختار المغرب في زيارته الأولى للمنطقة، مما أغضب الجزائريين.

ولتبديد الشكوك سارع الإليزيه إلى إعلان نية ماكرون زيارة الجزائر في الأسابيع المقبلة بعد مباحثات هاتفية أجراها مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بعد أن أوفد ماكرون وزير خارجيته جون إيف لودريان الإثنين إلى الجزائر في زيارة قصيرة ضمن جولة تشمل كلاً من موريتانيا والسنغال، دون أن تشمل لقاء مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

محطات مظلمة في العلاقات بين البلدين

زيارة ماكرون إلى المغرب جاءت في وقت تطمح فيه الرباط لتحسين علاقاتها مع فرنسا بعد سنوات من الفتور، حيث شهدت هذه العلاقات في عهد هولاند، بعض التوتر، بدأ بعد أن اختار هولاند زيارة الجزائر كأول بلد أجنبي بعد دخوله قصر الإليزيه إثر انتخابه سنة 2012، عوضًا عن المغرب، بمبرر "تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين في جميع المجالات والوفاء بالالتزامات الثنائية".

مُحفزات التوتر بين البلدين تواصلت تباعًا، حيث ندّدت الرباط بما اعتبرته تساهلاً في السماح لمعارض مغربي بالهجوم على غرفة جنرال مغربي في أثناء تداويه بأحد المستشفيات الفرنسية

وارتفعت حدّة التوتر بين البلدين سنة 2014، وصلت حدّ استدعاء شارل فري السفير الفرنسي بالمغرب آنذاك أكثر من مرة، وتعليق وزارة العدل المغربية لجميع اتفاقيات التعاون القضائي بين البلدين، وشكّل قيام الشرطة الفرنسية، خلال زيارة رسمية لعبد اللطيف الحموشي المدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني (المخابرات المغربية) إلى باريس، باستدعائه من أجل المثول أمام محكمة فرنسية نتيجة اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة قدمها مغاربة من أصحاب الجنسية الفرنسية ضده، شرارة اندلاع الأزمة بين البلدين، وذلك خلال فبراير 2014.

مُحفزات التوتر بين البلدين تواصلت تباعًا، حيث ندّدت الرباط بما اعتبرته تساهلاً في السماح لمعارض مغربي بالهجوم على غرفة جنرال مغربي في أثناء تداويه بأحد المستشفيات الفرنسية، وتعرُّض وزير خارجيتها لتفتيش "مُهين" في مطار فرنسي حسب السلطات المغربية، ورغم اعتذار السلطات الفرنسية وعلى رأسها فرانسوا هولاند، للملك المغربي، فموقف الأخير ظل في حكم الغاضب.

عرفت العلاقات بين الطرفين في عهد هولاند "فتورًا"

تراكم المُؤاخذات بين البلدين دفع الجانب المغربي إلى انتقاد التعاطي الجانب الفرنسي مع ملف العلاقات المغربية - الفرنسية، وهو ما برز خاصة مع تصريح لوزير الخارجية والتعاون صلاح الدين مزوار، لمجلة جون أفريك قال فيه إن الثقة بين البلدين تقلصت والإرادة السياسية لإعادة المياه لمجاريها غائبة عند الطرف الفرنسي، كما أضاف بأن عهد الوصاية الفرنسية على المغرب قد ولّى دون رجعة.

علاقات اقتصادية قوية

الفتور السياسي قابله انتعاش اقتصادي، حيث تعتبر فرنسا الشريك التجاري الثاني للمملكة المغربية بعد إسبانيا، إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 9 مليار يورو، ورغم أن الميزان التجاري بين البلدين يظل لصالح فرنسا، فإن السوق الفرنسية يستوعب أكثر من 4 مليار يورو من الصادرات المغربية، كما يعتبر المغرب من بين الوجهات الآمنة للمجموعات الاقتصادية الفرنسية، ويتجلى ذلك من خلال نوعية الاستثمارات الفرنسية بالمغرب.

تتركز الاستثمارات الفرنسية بالمغرب بنسبة 41.4% في الصناعة، متبوعة بالعقار بنسبة 29.5%، والأنشطة المالية بنسبة 8.6%

وتنظر فرنسا إلى المغرب باعتبارها مركز اقتصادي رئيسي وبوابة إلى الأسواق الواعدة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فالاستثمار في المغرب أصبح أحد أهم أهداف بعض الشركات الكبرى والمتوسطة الفرنسية، بسبب اليد العاملة غير المكلفة، فضلاً عن الإعفاءات الضريبية لسنوات عديدة، والإعفاءات الجمركية لعمليات الاستيراد والتصدير، وتحتل الشركات الفرنسية صدارة الشركات الأجنبية بالمغرب، حيث يوجد بالبلاد نحو 750 شركة فرنسية، من بينها بعض المجموعة الكبرى مثل "رونو" و"بوجو سيتروين" و"ألستوم" و"صفران".

تمثل شركة رينو أكبر الشركات الفرنسية في المغرب

ويفيد البنك المركزي الفرنسي أن رصيد الاستثمارات المباشرة الفرنسية بالمغرب وصل إلى 9.3 مليارات يورو، حيث تمثل 57.4% من مجمل استثمارات البلد الأوروبي في شمال إفريقيا و18.7% من استثماراته في القارة الإفريقية.

وتتركز الاستثمارات الفرنسية بالمغرب بنسبة 41.4% في الصناعة، متبوعة بالعقار بنسبة 29.5%، والأنشطة المالية بنسبة 8.6%، والماء والتطهير بنسبة 5.4%، أما في المجال السياحي، فيتصدر السياح الفرنسيون لائحة السياح الذين يزورون المغرب بنسبة 32% من إجمالي عدد السياح، حيث زار في العام الماضي 3.3 ملايين سائح فرنسي المغرب.

الثقافة عامل لتطوير العلاقات

إلى جانب التبادل الاقتصادي، ترتبط فرنسا بعلاقات وثيقة مع المغرب على المستوى الثقافي خاصة أن عنصر اللغة يساعد في تذليل العقبات في هذا المجال، وتوجد أكبر جالية مغربية بالخارج بفرنسا، حيث يبلغ عددهم نحو مليوني مغربي، فضلاً عن أن تحويلاتهم المالية هي الأكبر من نوعها.

يوجد نحو 60 ألف شاب يتعلمون اللغة الفرنسية في المؤسسات التابعة للمعهد الثقافي الفرنسي بالمغرب

كما تستقبل الجامعات الفرنسية 61% من إجمالي الطلبة المغاربة الراغبين في استكمال دراستهم في الخارج والذي يصل عددهم إلى 300 ألف طالب، وهو أكبر عدد بين الطلبة الأجانب، وفي المقابل، يوجد في المملكة 30 مدرسة فرنسية، نصف تلاميذها مغاربة.

وهناك أيضًا، نحو 60 ألف شاب يتعلمون اللغة الفرنسية في المؤسسات التابعة للمعهد الثقافي الفرنسي بالمغرب، حيث ساعدت هذه اللغة المتبادلة على تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين بشكل غير مسبوق، كما أن المعهد الثقافي الفرنسي بالمغرب يحرص دائمًا على المشاركة وتسجيل حضوره في الكثير من الأحداث المهمة على الساحة المغربية.