بقدر تعلق الأمر بالعراق وما يمكن أن يلعبه من دور في ظل هذه التداخلات المعقدة في المنظومة الخليجية والتي من الواضح أنها أتت في ظل ضوء أخضر أمريكي لتصفية حسابات خليجية – خليجية تاريخية أزعجت الغريمين في المحورين، يمكن للعراق أن يلعب دورًا مهمًا في ظل هذه الأزمة عبر توظيف نقاط ضعف قطر الحالية لصالحه كونها قريبة من المحور الإيراني وكذلك العراق الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع هذا المحور . 

خيار الحياد وهو خيار رسمي معلن من بوابة أن العراق لن يكون في أي من المحاور الإقليمية (قدر الإمكان) وهذا ما يتسق الآن مع ما حدث في الأزمة القطرية وما تم إعلانه رسميًا من قبل رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية

من جهة أخرى، تضاربت المواقف الرسمية والشعبية داخل العراق إلى عدة اتجاهات، فبينما أيدت القوى الإسلامية السنية المنتمية لتيار الإخوان المسلمين كالحزب الإسلامي العراقي المحور القطري بشكل كامل، التزم الجانب الرسمي من الحكومة العراقية الحياد، وقد تفاوتت المواقف الشعبية بين مؤيد لمحور قطر ومعارض له ومؤيد لمحور السعودية ومعارض له، كذلك برز موقف ثالث وهو موقف المعارض للطرفين من باب أن ما يجري بينهم سيتم حله عاجلًا أو آجلًا.

بشكل عام فإن خيار الحياد وهو خيار رسمي معلن من بوابة أن العراق لن يكون في أي من المحاور الإقليمية (قدر الإمكان) وهذا ما يتسق الآن مع ما حدث في الأزمة القطرية وما تم إعلانه رسميًا من قبل رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية، بينما خيار الانضمام إلى أحد المحاور على قدر كبير من المخاطرة والتكلفة العالية .

كما يجب الانتباه إلى أن التقدم خطوة نحو قطر يعني التراجع خطوة إلى الوراء من أمام السعودية  والانضمام إلى المحور القطري الإيراني التركي يصطدم بمحدد كبير وهو الولايات المتحدة وموقفها الواضح من إيران وقطر وحتى تركيا (المزعجة مؤخرًا للولايات المتحدة بسلوكياتها)، فالعراق في هذه الحالة يقامر بدرجة عالية من المخاطرة لا سيما أن الحرب على داعش لم تنته بعد إلى الآن، فلا يزال الغطاء الجوي الأمريكي والاستشارات العسكرية قائمة بشكل مستمر مما يمنع وجود العراق داخل هذا المحور . 

كيف يمكن أن يتحرك العراق في ظل سيناريوهات تسوية أو تصاعد الأزمة الخليجية؟

بشكل عام، تنطوي الأزمة الخليجية الحالية على كمية عالية من الغموض وعدم الوضوح في ظل تشدد المحور السعودي الذي يبدو عازمًا على إنهاء وتحجيم الدور القطري السلبي (كما تسميه السعودية) في ظل قائمة وتسريبات غير رسمية ظهرت بشأن مطالب هذا المحور من قطر وما عليها أن تفعله من أجل فك الحصار، ما يعزز ذلك الفتور الأمريكي في بداية الأزمة من ثم استخدام الأسلوب المتصاعد تدريجيًا حيال زيادة الضغط على قطر من أجل المثول أمام ما يرغب به المحور السعودي في ظل ركوب موجة إيراني تركي واضح لتقديم طوق نجاه لقطر يخرجها من عنق الزجاجة التي فرضها المحور السعودي . 

وفي خضم كل هذه التداخلات، يقف العراق أمام مفترق طرق عديدة سيتحمل تكلفتها العالية حال أخطأ في عملية التوظيف الصحيح لهذه الحالة، على هذا الأساس، يمكن للعراق أن يتحرك بهوامش عدة وفقًا لتطور الحالة الخليجية على النحو الآتي : 

التحرك العراقي في ظل سيناريو تصاعد الأزمة وتحول قطر إلى المحور الإيراني التركي

يبني هذا المشهد فروضه من إمكانية وجود قطر في محور واحد مع إيران وتركيا في حالة زيادة الخناق على قطر من قبل محور السعودية، لكن السؤال الصعب الذي يواجه هذه الفروض كيف ستقبل الولايات المتحدة الأمريكية أن يضاف حليف جديد لإيران في المنطقة وأن ترى تركيا وإيران موحدتان ومقتربتان من بعضهما بشكل كبير دون تحرك. وللإجابة على هذا التساؤل، يبدو أن السعودية قد قدمت للولايات المتحدة ما يكفيها للسكوت على هكذا تحول لكن بنسب محدودة، بمعنى أن المنطق يقول إن إضافة حليف جديد لإيران في عمق المنظومة الخليجية سيؤدي إلى زيادة التوتر، لكن لو نظرنا إلى هذه الفكرة من جهة أخرى وهي أن التوتر في هذه الأثناء يضيف ولا ينقص من الولايات المتحدة شيئًا، لا سيما أن أغلب نفط الخليج يذهب باتجاه آسيا وأوروبا واختلال هذه المنظومة سيؤثر بالدرجة الأساس على الصين بشكل رئيس وعلى أوروبا وسيؤدي إلى رفع الأسعار بعد وصول نفط الولايات المتحدة الصخري إلى مراحل متقدمة من الإنتاج الذي تقل كلفته يومًا بعد يوم . 

لا يعني منطقيًا أن قطر سيتم التخلي عنها رسميًا، غير أن ترامب بدا واضحًا في خطابه عن قطر وتصريحاته المباشرة بأن الأوان قد حان لإيقاف قطر عن تمويل الإرهاب، فهكذا نوع من التصريحات لا يمكن أن يمر مرور الكرام رغم غياب البعد الاستراتيجي له

كذلك فإن السؤال المهم والذي بدأ الإعلام الأمريكي يهتم بالإجابة عليه أكثر هو ماذا عن أكثر من عشرة آلاف جندي موجود في السيلية وعيديد القطرية والتي تمثل مركز القيادة العامة الأمريكية لإدارة الحرب على داعش في العراق وسوريا؟ فقد تصاعد الحديث في الصحف والمراكز البحثية الأمريكية عن نقل مقر الأسطول الخامس الأمريكي البحري في الخليج من قطر إلى عمان، فضلاً عن بحث في فرضيات نقل مقر القيادة المركزية إلى السعودية والإمارات بعد إبداء رغبة الأخيرين في ذلك، وقد بدأت الإرادة الأمريكية تدرس هذا السيناريو بشكل جدي وحساب التكاليف (التي ستتحمل جزءًا منها السعودية ومحورها) التي ستنفقها جراء هذا التحول والوقت الذي ستستغرقه . 

وكل ذلك أيضًا لا يعني منطقيًا أن قطر سيتم التخلي عنها رسميًا، غير أن ترامب بدا واضحًا في خطابة مع الرئيس الرماني في الزيارة التي أجراها 8 و9/6/2017 إلى واشنطن عن قطر وتصريحاته المباشرة بأن الأوان قد حان لإيقاف قطر عن تمويل الإرهاب، فهكذا نوع من التصريحات لا يمكن أن يمر مرور الكرام رغم غياب البعد الاستراتيجي له. 

يجب أن ندرك أن الحاجة الاقتصادية لقطر اليوم في العراق تكمن في وصولنا إلى مراحل نهائية من الحرب على داعش، إذ يوجد محافظات عراقية شبه مدمرة بالكامل تحتاج لاستثمارات فلكية لإعادتها نحو وضعها الطبيعي، فضلاً عن أن الاقتصاد سيؤدي إلى تحسن الأوضاع السياسية بين البلدين، وسيرفع شكوك عمليات تمويل الإرهاب من قبل قطر

وبقدر تعلق الأمر بالعراق وبالية تحركه في ظل معطيات تراجع قطر الواضح من مدرك الإدارة الأمريكية وحصارها الخانق من قبل المحور السعودي، فإن بإمكان العراق أن يوظف هذا الخلل في هذه المنظومة من بوابة الاقتصاد، كون قطر اليوم بأمس الحاجة لتوفير البدائل الغذائية وخطوط النقل الجوية وجلب المعدات اللازمة لاستدامة استضافة كأس العالم عام 2022 والتي تحتاج لسرعة إنجاز كبيرة ومواد إنشائية هائلة كانت تمر عبر السعودية وباقي دول الخليج. فبإمكان العراق هنا أن يقفز من الجانب السياسي ويركز على الجانب الاقتصادي كونه أقل حدية وتنافسية ولا يثير المواقف الرسمية لحلفاء العراق أو أصدقائه، فقد أثبتت سياسة المحاور ومنذ عام 2003 فشلها في إضاعة فرص كبيرة أمام العراق لاستعادة موقعه في المنظومة العربية والخليجية كونه محسوبًا بدرجة كبيرة على المحور الإيراني رغم الوجود الأمريكي الثقيل حتى عام 2011.

كما يجب أن ندرك أن الحاجة الاقتصادية لقطر اليوم في العراق تكمن في وصولنا إلى مراحل نهائية من الحرب على داعش، إذ يوجد محافظات عراقية شبه مدمرة بالكامل تحتاج لاستثمارات فلكية لإعادتها نحو وضعها الطبيعي، فضلاً عن أن الاقتصاد سيؤدي إلى تحسن الأوضاع السياسية بين البلدين، وسيرفع شكوك عمليات تمويل الإرهاب من قبل قطر . 

إن التحرك في هذا الإطار، سيجعل العراق بعيدًا عن سياسة المحاور والعداء مع المتخاصمين الخليجيين وسيحوز على فرصة كاملة في عملية توظيف الأزمة الخليجية، كذلك من المهم استثمار عامل الوقت، فلا يستطيع أحد بسهولة معرفة الهامش الزمني الذي ستستغرقه الأزمة الخليجية إلى حد الآن ولا الأشكال التي ستذهب إليها تصعيديًا، والذهاب إلى قطر بعنوان الاقتصاد ولا شيء إلا الاقتصاد، في ظل الحاجة القطرية الحالية لمن يقف معها حتى وإن كان هذا الوقوف ضمنيًا سيمكننا من أن نقبض على قدر كافي من الربح وألا نزعج الجانب الأمريكي والسعودي على حد سواء لو أعلنا موقفًا سياسيًا . 

التحرك العراقي في ظل حل الأزمة الخليجية وتسويتها 

غير مطلوب من العراق بشكل عام أن يعلن موقفًا عامًا من الأزمة الخليجية، أما موقف الحياد الذي أعلن فهو أنسب موقف لإرضاء المحيط الاقليمي فضلاً عن الدولي والذي نحن بأمس الحاجة إليه في هذه الأثناء، فقد قطعنا أشواط طويلة مع الجانب السعودي لتسوية الخلافات بيننا وبينهم فضلاً عن بداية علاقات جيدة مع الجانب القطري.

إن احتمالات تسوية الأزمة الخليجية واردة هي الأخرى بضغوطات أمريكية، غير أن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال عودة المياه إلى مجاريها من جديد كما كانت عليها في السابق، لا سيما ان هذه الحالة المزمنة من التوتر باتت تتكرر دومًا بين الحين والآخر كلما شاهدت قطر تقترب بحسب وجهة نظرها من إيران يومًا بعد يوم . 

تدرك قطر جيدًا، أنها ستكون رهينة للمزاج السعودي المتقلب دومًا، لهذا ستبحث عن بدائل استراتيجية لا تثير السعودية بشكل مباشر، فلو وصلت الرسالة إلى العراق وقام بتحليلها تحليلًا صحيحًا لاستطاعت بغداد تقديم نفسها كبوابة للدوحة وإدارة علاقاتها مع طهران وأنقرة على حد سواء

وبقدر تعلق الأمر بالعراق وسلوكه في حال حل الأزمة، حيث إن موقفه الرسمي هو الحياد وهذا ما أعلنه مرارًا وتكرارًا، بيد أن فرص الربح ستقل نسبيًا في هذه الحالة بسبب انخفاض مستوى الضغط على قطر وفي ظل وجود تنافس كبير من قبل المحيط الإقليمي لا سيما (تركيا وإيران) للقبض على أكبر كمية من المصالح مع قطر وفي ظل ضعف عراقي واضح وبطيء في عملية صناعة واتخاذ القرار . 

لكن ستدرك قطر جيدًا، أنها ستكون رهينة للمزاج السعودي المتقلب دومًا، لهذا ستبحث عن بدائل استراتيجية لا تثير السعودية بشكل مباشر، فلو وصلت الرسالة إلى العراق وقام بتحليلها تحليلًا صحيحًا لاستطاعت بغداد تقديم نفسها كبوابة للدوحة وإدارة علاقاتها مع طهران وأنقرة على حد سواء، بمعنى أن بغداد تقف على مرمى فرصة ذهبية لاستعادة مكانتها الإقليمية لو وظفت بشكل صحيح .

بشكل شبه مؤكد، تقف أمام بغداد الآن فرصة ذهبية لاستعادة دور إقليمي كبير ولبداية شوط جديد من العلاقات العراقية العربية في ظل الخلل الموجود في المنظومة الخليجية، هذا الدور يمكن لبغداد أن تلعبه إذا ما تم الاستعداد له داخليًا بشكل كبير والعمل على توحيد الموقف بصورة واضحة، غير أن هذا العمل يحتاج لجهود استثنائية ولكبح جماح مؤسسات ضغط ومجاميع مسلحة لديها من الطموحات ما يقف عائقًا أمام هذا التوجه . 

على هذا النحو، أمام العراق عمل شاق وطويل ويحتاج لهامش سرعة في ظل تصاعد الأحداث بشكل مترامٍ، فالحركة العراقية يجب أن تكون في اتجاهين رئيسيين هما اتجاه الداخل وتوحيد الصف ومحاولة إسكات الأصوات غير المبررة والتي تتحدث عن محاور إقليمية يجب أن تتشكل، بينما يجب أن يكون الاتجاه الثاني نحو الخارج بشكل دبلوماسي لتهيئة الأوضاع فيما يخص الجانب الاقتصادي، كما أنه ليس من الضروري أن يكون هناك تحالفات سياسية ترافق هذا التعاون الاقتصادي لتقليل حدة وردود الفعل الإقليمية على ذلك.