أصدر العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز صباح اليوم السبت أوامر ملكية تقضي بتعديل اسم هيئة التحقيق والادعاء العام المرتبطة بوزارة الداخلية التي يرأسها الأمير محمد بن نايف، إلى النيابة العامة ويسمى رئيسها النائب العام وربطها بالملك مباشرة ومنحها الاستقلالية التامة عن وزارة الداخلية، تماشيًا مع القواعد المتبعة في معظم دول العالم، وتحقيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات، كما جاء في موقع العربية، وتم تعيين الشيخ سعود بن عبد الله المعجب نائبًا عامًا.

وكلف الأمر الملكي هيئة الخبراء بمجلس الوزراء والجهات ذات العلاقة، بمراجعة نظام هيئة التحقيق والادعاء العام، ونظام الإجراءات الجزائية، بما يضمن للنيابة العامة مباشرة عملها بكل حياد كما ذُكر في نص القرار دون تأثير من أي جهة كانت، ودون أن يسمح لأي أحد بالتدخل في عملها.

https://twitter.com/Naif1749/status/875910770504196099

قضت الأوامر الملكية بتعيين الفريق سعود الهلال مديرًا للأمن العام، وسهيل أبانمي محافظًا للهيئة العامة للزكاة والدخل بالمرتبة الممتازة، وعبد الحكيم التميمي رئيسًا للهيئة العامة للطيران المدني، مع تعيين مستشارين في الديوان الملكي والسكرتيارية الخاصة للملك سلمان.

هيئة التحقيق والادعاء العامة أصبحت النيابة العامة

هيئة التحقيق هي جهاز قضائي يختص بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في البلاد ويحمل من يعمل فيها اسم محققين جنائيين يحملون الصفة القضائية، وتهدف الهيئة التي تحولت إلى "النيابة العامة" إلى تعزيز العدالة وحماية المجتمع بأداء متميز وحسب ما ورد في رسالتها "حماية الحقوق والحريات، من خلال نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، وفقًا للنصوص الشرعية والقواعد المرعية، والعمل على تكريس ذلك وتعزيزه، بالتعاون مع الجهات العدلية والأمنية ذات العلاقة".

قرارات الملك الأخيرة لا تخرج عن كونها أوراقًا أخرى يتم سحبها من يدي ولي العهد محمد بن نايف لصالح ولي ولي العهد محمد بن سلمان

تتألف الهيئة من رئيس عام و44 عضوًا، وبحسب نظام الهيئة فهي تعمل على التحقيق في الجرائم، والتصرف في التحقيق برفع الدعوى أو حفظها طبقًا لما تحدده اللوائح، والادعاء أمام الجهات القضائية وفقًا للائحة التنظيمية، وطلب تمييز الأحكام، والإشراف على تنفيذ الأحكام الجزائية، والرقابة والتفتيش على السجون ودور التوقيف، وأي أماكن تنفذ فيها أحكام جزائية، والقيام بالاستماع إلى شكاوى المسجونين والموقوفين، والتحقق من مشروعية سجنهم ومشروعية بقائهم في السجن أو دور التوقيف بعد انتهاء المدة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح من سجن أو أوقف منهم دون سبب مشروع، وتطبيق ما تقضي به الأنظمة في حق المتسببين في ذلك، وإحاطة وزير الداخلية بما يبدو من ملاحظات في هذا الشأن، ورفع تقرير للوزير كل ستة أشهر عن حالة السجناء والموقوفين.

يُذكر أن هيئة التحقيق والادعاء العام تعرضت سابقًا انتقادات عن تبعيتها لوزارة الداخلية، والاستغراب من تسميتها بالهيئة وهي في الأصل مرتبطة ارتباطًا نظاميًا بوزارة الداخلية، وذكر مراقبين ومن بينهم وليد الماجد في تغريدات له على تويتر أن جهاز التحقيق يفترض ألا يرضخ لأي تأثير أو نفوذ أو حتى ارتباط بوزارة الداخلية كما أن الحديث عن سلطة تحقيق تأتمر بأمر وميزانية وزارة الداخلية يقوض نزاهة التحقيق.

الملك سلمان يأمر بتحويل هيئة التحقيق إلى نيابة عامة ترتبط بالملك مباشرة ومنحها الاستقلالية التامة عن باقي الجهات

ويرى أن  اعتبار المحققين مجرد موظفين عموميين عاديين تابعين لوزارة الداخلية خنق دورهم وجعله هامشيًا والارتباط بوزارة الداخلية يفتح الباب على مصراعيه في الضغط على المحققين وتوجيههم، ويجعل المجتمع السعودي يشك أيضًا في نزاهة نتائج التحقيق، فالمحقق مشلول تمامًا عن الخروج والتحري عن ملابسات الحادثة ويعتمد كليًا على ما تقدمه وزارة الداخلية من أدلة واثباتات، فالارتباط مع الوزارة جعل المحقق عبارة عن ديكور لا أكثر.

ولأجل أن تأخذ العدالة مجراها رأى الماجد أن يتم فك ارتباط جهاز التحقيق بوزراة الداخلية، فلقد شكلت هذه التبعية طول السنوات الماضية عبئًا ثقيلاً على تأدية وظيفتها ولن يتحقق الدور الحقيقي لجهاز التحقيق وأفراده يتلقون التعليمان والأوامر من وزارة الداخلية وإمارات المناطق كما يرى الماجد.

إلا أن للبعض وجهة نظر أخرى وفي هذا الظرف بالذات، فلا يخفى أن وزير الداخلية محمد بن نايف هو لي العهد وولي عهده هو محمد بن سلمان الذي يسعى بشكل أو بآخر إلى تولي زمام السلطة وأخذ محل ابن نايف بعد وفاة والده، ويعمل لهذا عن طريق سحب البساط من تحت قدمي ابن عمه بن نايف للإطاحة به بموافقة والده الملك سلمان عبر جملة من السياسات والترتيبات؛ من بينها رؤية المملكة 2030 والتحول بالبلاد من الإدمان على النفط إلى بلد منتج، وقرار الدخول في حرب باليمن ضد الحوثيين، والتقرب من الولايات المتحدة وأمور أخرى.

صراع على السلطة

تشير شائعات عن تقلبات ومؤامرات تتم حياكتها داخل العائلة المالكة في السعودية كما كتبت الباحثة مضاوي رشيد في مقالتها الأخيرة، إذ مثل صعود محمد بن سلمان بشكل مباغت وغير متوقع، بفضل وجوده تحت مظلة والده، حدثًا أثار اهتمام العديد من المتابعين داخل السعودية وخارجها، وإحدى تلك الشائعات تركز على الخصومة بين المحمدين، حيث إنها تشير إلى أن محمد بن سلمان يستعد للتخلص من ابن عمه محمد بن نايف، في مسعى لضمان خلافة العرش مباشرة بعد وفاة والده.

يسعى ابن سلمان لكسب ود الولايات المتحدة والغرب من خلال الصفقات المالية والاتفاقات التجارية والزيارات لإقناع القادة بأنه الملك القادم المؤمن بالليبرالية الجديدة وأنه يتعهد لواشنطن بأن يكون رجلها في الرياض لمكافحة الإرهاب

في ظل تجميع العديد من الصلاحيات في يد محمد بن سلمان، من بينها القوة الناعمة الذي يمثلها الإعلام السعودي، والعلاقات الخارجية القوية عبر مؤسسات العلاقات العامة التي يعتمد عليها، إضافة إلى كسب رضا الشعب كما حصل عندما تم إلغاء بعض إجراءات التقشف وإعادة البدلات والمكافآت والعلاوات والمزايا الأخرى، بعدما تم قطعها من قبل مجلس الوزراء السعودي، في سبتمبر/أيلول الماضي، لموظفي الدولة، البالغ عددهم أكثر من مليوني موظف حكومي مدني، وقرر إلغاء بعض العلاوات والبدلات والمكافآت، وخفض رواتب الوزراء ومن في مرتبتهم بنسبة 20%، كما خفض مكافآت أعضاء مجلس الشورى بنسبة 15%.

يرى مراقبون أن قرارات الملك الأخيرة لا تخرج عن كونها أوراقًا أخرى يتم سحبها من يدي ولي العهد محمد بن نايف لصالح ولي ولي العهد محمد بن سلمان، ومع كل تلك الإجراءات التي قام بها محمد بن سلمان لا يزال محمد بن نايف أو كما يلقب أمير الظلام  يمتلك نفوذًا في الدولة العميقة، حيث إنه يتحكم في وزارة الداخلية ذائعة الصيت، والأمن الداخلي، وجهاز مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات، علاوة عن ولاء عدد من رجال الدين والقضاة في المجالين القانوني والشرعي في المملكة، كما جاء في مقال مضاوي رشيد.

ويسعى ابن سلمان لكسب ود الولايات المتحدة والغرب من خلال الصفقات المالية والاتفاقات التجارية والزيارات لإقناع القادة بأنه الملك القادم المؤمن بالليبرالية الجديدة وأنه يتعهد لواشنطن بأن يكون رجلها في الرياض لمكافحة الإرهاب، وهي المهمة التي لطالما ارتبطت باسم ابن عمه محمد بن نايف، وآخرها كان الأزمة مع قطر التي يبدو أن بن نايف التزم الصمت حيالها بينما تزعم ابن سلمان القيادة.

على كل حال بن نايف يشتهر بكونه قد ملأ السجون السعودية بالمعارضين والنشطاء بعلة مكافحة الإرهاب، لذلك فهو على الأرجح سيكون المرشح المفضل لدى أجهزة المخابرات الغربية في واشنطن ولندن، في الوقت الذي يبقى أمام ابن سلمان المزيد من الوقت لإثبات جدارته في واشنطن والغرب على تولي السلطة بعد أبيه.