10 ساعات مرت على حادث الدهس الذي تعرض له مصلون خارج مسجد شمال العاصمة البريطانية لندن، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة عشرة، 10 ساعات لم تنشر خلالها وكالة الأنباء البريطانية رويترز إلا برقية يتيمة عن الحادث، ونفس الأمر بالنسبة لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، وبالعودة إلى آخر حادث إرهابي وقع في لندن منذ أسابيع، نجد أن رويترز وبي بي سي نشرا عشرات البرقيات والتقارير منذ اللحظة الأولى لإعلان الحادث، الأمر الذي يؤكّد قلة الاهتمام الواضح بجرائم الكراهية التي يتعرض لها أبناء الجالية المسلمة في بريطانيا والتمييز في التعامل الإعلامي مع الجرائم "الإرهابية" حسب عرق المستهدَف.

تمييز في التعامل الإعلامي

رغم أن خطر التعرض لهجوم إرهابي يطال جميع من يعيش في المملكة المتحدة من دون تمييز ومن ضمنهم المسلمين، فمن الواضح حسب التعامل الإعلامي مع هذه الهجمات، أن الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون لا يمكن أن ينال اهتمام البريطانيين ووسائل إعلامهم.

أول تويتة لرويترز تم نشرها بعد 3 ساعات من الحادث

فوسائل الإعلام البريطانية أكّدت مفهوم "نحن وهم" في الحرب على الإرهاب، فالهجمات التي تطال البريطانيين تُنصب لها المنابر الإعلامية وتخصص لها ساعات وساعات للحديث عنها والتنديد بها وبـ"الخطر الإسلامي"، أما إن كان الضحية مسلمًا فالتعاطف منعدم والإحساس المشترك بالمعاناة غير موجود.

ولا يمكن للمرء أن يكون "المشكلة" وكذلك الضحية في وقت واحد، ويتجلى هذا المفهوم في تفسير قصور وسائل الإعلام في التركيز على حقيقة أن المسلمين ضحايا الإرهاب أيضًا، فالإرهاب لا يفرق بين مسلم وغير مسلم، لكن الإعلام البريطاني يفرّق في طريقة تناوله للهجمات انطلاقًا من عرق المستهدَف والمستهدِف.

أول تويتة لبي بي سي تم نشرها بعد 3 ساعات ونصف من الحادثة

ماذا ينتظر الإعلام البريطاني حتى يسمي الحادث بـ"الإرهابي"؟

الإعلام البريطاني، لم يكتف بالتمييز في تناول حادثة دهس المصليين من حيث الكم فقط بل من حيث المضمون أيضًا، ففي الخبرين المنشورين على موقعي وكالة الأنباء رويترز وهيئة الإذاعة بي بي سي طيلة الـ10 ساعات التي تلت الحادثة، لم تشر إلى أنه حادث "إرهابي".

ذعر كبير خلفه حادث الدهس في صفوف المصلين

بل إن رويترز ذهبت للقول إن مسجد فينسبري بارك الذي كان مسرح الحادثة، قد اكتسب "سمعة سيئة قبل أكثر من عشر سنوات بسبب خطب رجل الدين المتشدد أبو حمزة المصري الذي حكم عليه بالسجن مدى الحياة بالولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني عام 2015 لإدانته باتهامات متعلقة بالإرهاب"، وأفاد شهود عيان بأن سيارة "فان" خرجت عن الطريق واندفعت في اتجاه مصلين كانوا يغادرون مسجد في منطقة فينسبرى بارك بعد وقت قصير من منتصف الليل، مؤكّدين أن السائق كان يصرخ "سأقتل كل المسلمين".

قلة الاهتمام الواضح بجرائم الكراهية التي يتعرض لها أبناء الجالية المسلمة

لم يكن هذا الحادث الأول ولن يكون الأخير الذي تتجاهل وسائل الإعلام البريطانية التعامل معه عن قصد، والسبب في ذلك أن الضحايا مسلمون والإرهابي بريطاني، الأرقام في تصاعد مستمر، ولكن ردود الفعل تجاهها تبدو على حالها من دون تغيير، أو لعلّ التجاهل الإعلامي زاد وارتفعت وتيرته.

تقف القوانين البريطانية عاجزة عن الدفاع عن الإسلام كدين وعن حقوق المسلمين بالشكل الكافي

ويظهر ضعف التناول الإعلامي لحادث دهس المصلين ليلة أمس، قدر التجاهل وقلة الاهتمام الواضح بجرائم الكراهية التي يتعرض لها أبناء الجالية المسلمة، من قبل وسائل الإعلام البريطانية الخاصة والعامة، وهو ما ينعكس على طبيعة المجتمع الذي يمارس الانتقائية في التعاطف والإحساس بالغير ومعاناته، وتقف القوانين البريطانية عاجزة عن الدفاع عن الإسلام كدين وعن حقوق المسلمين بالشكل الكافي، فالديانة المسيحية في بريطانيا محمية نتيجة لقوانين ازدراء الدين، واليهودية محمية بموجب قوانين معاداة السامية أما الديانة الإسلامية فلا تحظى بالقدر نفسه من الحماية القانونية.

عزلة الجالية المسلمة

هذا الهجوم الذي استهدف المصلين لحظة خروجهم من المسجد، وما سبقه من هجمات تعرض لها أبناء الجالية المسلمة في بريطانيا، ورد الفعل الرسمي والشعبي تجاهها، يؤكّد أن المسلمين هناك يعيشون في عزلة ما فتئت تتزايد، ورغم ارتفاع أعداد الجالية المسلمة في هذا البلد الأوروبي فإن المسلمين هناك لا يشعرون بالارتياح، بسبب ارتفاع حدّة نبرة معادة المسلمين التي يطلقها أبرز السياسيين البريطانيين.

ارتفاع منسوب الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا

وأظهرت تقارير إعلامية أن بريطانيا لم تعد مكانًا مريحًا كما كانت، خاصة مع ارتفاع جرائم الكراهية ضد المسلمين، حسب إحصائيات للشرطة البريطانية وجمعيات مدافعة عن حقوق المسلمين، نتيجة ربط الرأي العام في بريطانيا بين الإرهاب والمسلمين، ومن الممكن أن تدفع المبالغة في الإحساس بالخوف لدى أبناء الجالية المسلمة ببعضهم للنفور من المجتمع الذي يعيشون فيه وقد يتطور النفور إلى حقد.

ويساهم الترويج الهائل للصورة السلبية عن الجالية المسلمة في بريطانيا سواء تلك التي تتردد في وسائل الإعلام أو المتمثلة في آراء يقولها بعض الساسة المتطرفين في ارتفاع منسوب خوف المسلمين هناك، حتى إن ربات البيوت المسلمات في الغرب بدأن بالعزوف عن الخروج من منازلهن مخافة التهجم عليهن في الشوارع، فوسائل الإعلام وفرت الجوّ المناسب ليلفظ المتطرفون البريطانيون كراهية وحقدًا دفينًا طالما تلجلج في صدورهم.

مستقبل التعايش بين المسلمين وشرائح المجتمع في بريطانيا

الحوادث الإرهابية المتكررة التي تطال المسلمين في بريطانيا، ولا تحظى باهتمام وسائل الإعلام أو السياسيين سوى يوم واحد فقط - إن نالها شرف ذلك - ثم تغيب تمامًا عن الشاشات الفضائية أو عن ألسنة المسؤولين البريطانيين فقط لأن من قام بها ليس من المسلمين، وأن الضحايا مسلمون، تؤكّد دون شكّ ارتفاع ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في بريطانيا بدرجة فاقت كل التوقعات.

وظّف العنصريون البريطانيون الهجمات الإرهابية التي شهدتها بلادهم وراح ضحيتها العشرات لمهاجمة الإسلام

هذا الارتفاع في وتيرة الهجمات التي تستهدف المسلمين، من المرجّح أن تلقي بظلالها على مستقبل التعايش بين المسلمين وباقي شرائح المجتمع في بريطانيا، وقد لعبت وسائل الإعلام وبعض الحركات السياسية الأوروبية المتطرفة دورًا مؤثرًا في تفجير مخاوف قلق الشعوب الأوروبية من المسلمين الذي يعيشون بينهم ومعهم.

واستثمر العنصريون البريطانيون الهجمات الإرهابية التي شهدتها بلادهم وراح ضحيتها العشرات، ووظفوها لمهاجمة الإسلام والتضييق على المسلمين، تزامنًا مع تراخي السلطات في كبح جماح أولئك المتطرفين.