في ثاني محطة انتخابية له منذ دخوله العمل السياسي في فرنسا، فاز حزب الرئيس إيمانويل ماكرون "الجمهورية إلى الأمام" وحلفاؤه بأغلبية مقاعد البرلمان، مما كشف عن تغيرات كبرى في الخارطة السياسية الفرنسية، صعد بموجبها الحزب الحديث إلى القمة، فيما انهارت أحزاب تقليدية أخرى ونزلت إلى القاع وفقدت ثقة الناخبين فيها على رأسها الحزب الاشتراكي.

اكتساح البرلمان

ضمنت حركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحليفتها الحركة الديمقراطية الأحد، كما كان متوقعًا، أغلبية ساحقة في البرلمان حاصدة وفق التقديرات ما بين 355 و425 مقعدًا من أصل 577 في الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية، ويحدد ماكرون (39 عامًا) ثلاث أولويات في مشروعه السياسي تتمثل في وضع معايير أخلاقية للحياة السياسية وإصلاح قانون العمل وتعزيز ترسانة مكافحة الإرهاب.

يمنح حجم الأغلبية التي حصل عليها ماكرون فرصة كبيرة لتنفيذ تعهدات أعلنها خلال حملته الانتخابية

وبهذا الإنجاز يكون حزب "الجمهورية إلى الأمام" الذي أسسه ماكرون في 6 من أبريل/نيسان الماضي قد تجاوز السقف الأدنى المحدد للهيمنة على قرارات الجمعية الوطنية (289 مقعدًا من أصل 577)، وهو ما يعني حصول حكومة ماكرون على تأشيرة تفعيل الإصلاحات الليبرالية والاجتماعية التي وعد بها خلال حملته الانتخابية، ويمنح حجم الأغلبية التي حصل عليها ماكرون فرصة كبيرة لتنفيذ تعهدات أعلنها خلال حملته الانتخابية بتعزيز صورة فرنسا من خلال تطهير الحياة السياسية وتخفيف القواعد التنظيمية التي يقول عنها مستثمرون إنها تكبل ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.

اكتساح البرلمان يعطي ماكرون إمكانية تنفيذ وعوده الانتخابية

ومن بين التحديات التي تواجه الرئيس إيمانويل ماكرون الحفاظ على هذه المجموعة المتنوعة من النواب حديثي العهد بالسياسة متحدين خلفه، بينما يستعد لإصلاح قواعد العمل والاستغناء عن عشرات الآلاف من الوظائف في القطاع العام واستثمار مليارات من أموال الدولة في قطاعات مثل التدريب الوظيفي والطاقة المتجددة.

انهيار الحزب الاشتراكي

مقابل فوز حركة الجمهورية إلى الأمام، سجلت الانتخابات التي جرت على مرحلتين في 11 و18 من يونيو/حزيران الحالي نكسة تاريخية للعديد من الأحزاب التقليدية على رأسها الحزب الاشتراكي الذي كان يمثل الأغلبية، حيث سجل تراجعًا كبيرًا إذ لم يكسب سوى ما بين 27 و35 مقعدًا.

الرئيس نجح في رهانه، فقلب المشهد السياسي رأسًا على عقب بإسقاطه الحزبين التقليديين الأكبرين

نتائج الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية، ستُدخل الحزب الاشتراكي في فترة نقاهة بعد خمس سنوات في الحكم، وعقب ظهور النتائج الأولية أعلن الأمين العام للحزب الاشتراكي جان كريستوف كومباديليس استقالته من قيادة الحزب، وقال إن شعبنا دخل فيما يشبه إضرابًا عامًا عن المواطنة، مؤكدًا أن ما تعرض له حزبه هزيمة لا عودة منها.

وكان زعيم الاشتراكيين في الانتخابات التشريعية يؤكد قبل الاقتراع أنه لا يؤمن بإمكانية زوال الانقسام بين اليمين واليسار، لكن لا بد من الإقرار بعد الدورة الأولى أن الرئيس نجح في رهانه، فقلب المشهد السياسي رأسًا على عقب بإسقاطه الحزبين التقليديين الأكبرين.

دون معارضة

يبدو أن البرلمان الفرنسي المقبل سيكون بلا معارضة حقيقية أمام ماكرون وحزبه، فقد احتل حزب الجمهوريين اليميني وحلفاؤه المرتبة الثانية بعد حصوله على نحو 130 مقعدًا، وعلقت الوزيرة اليمينية السابقة فاليري بيكريس قائلة: "إنها أكثر من هزيمة، إنها نهاية مرحلة"، لكن رئيس الجمهوريين فرانسوا فيون رحب بإحراز عدد نواب كاف لإبراز قناعات اليمين.

ويسعى الجمهوريون إلى إعادة توحيد صفوف حزبهم وتجاوز الانقسامات، ومن ثم العمل على إعادة بناء الحزب من جديد، خاصة بعد الفضائح وتهم الفساد التي وجهت ضد زعيم الحزب فيون خلال الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

صعود قياسي للنساء في البرلمان

إلى جانب ذلك أسفرت نتائج الانتخابات عن ارتفاع كبير لنسبة التمثيل النسائي داخل الجمعية الوطنية، فلأول مرة في تاريخ البلاد ستشغل النساء 223 مقعدًا بنسبة 38.65% من مجمل المقاعد، ويرجع البعض بدرجة كبيرة هذا الإنجاز إلى قرار الرئيس إيمانويل ماكرون طرح قائمة متوازنة بين الجنسين لحركة الجمهورية إلى الأمام.

ارتفاع نسبة الحضور  النسائي في البرلمان الفرنسي

وفي أغسطس/آب 2014 أقر قانون يضاعف من الغرامات المالية على الأحزاب التي لا تلتزم بمبدأ المساواة في قوائمها الانتخابية، وهذا القانون تعديل لقانون سابق أُقر عام 2000 يهدف لترسيخ مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في التمثيل البرلماني، إلا أن غالبية الأحزاب لم تكن تلتزم به في السابق وكانت تفضل دفع الغرامة أو ترشيح النساء في دوائر يصعب الفوز فيها.