منذ أسابيع قليلة هرّب أحد المُعتقلين في أحد سجون الانقلاب في مصر مقالًا مؤثرًا موجعًا كانت فحواه أنه يقبل أي كلام يُقال له سوى أن يمد أحدهم قدميه، وهو جالس في بيته، آمن في أهله عنده قوت عامه معافى في بدنه وبدن أهله وذويّه؛ ثم يقول له: "اصبر حتى يفرجها الله"!

وأضاف الشاب المُعتقل بكلمات ملتهبة تغلي ألمًا أن الإمام "حسن البنا"، رحمه الله، لو كان حيًّا يُرزق لما نام ليلة في فراشه قبل أن يجوب العالم بحثًا عن مخرج وفكاك لأسر عشرات الآلاف من المُقيدين في سجون مصر في سبيل لا شيء، أي بلا غاية أو هدف أو حكمة أو مجرد تصور لمخرج من الوضع الراهن.

سيدة فاضلة أم لشهيدة غالية على كل مسلم لا مصري ولا عربي؛ إذ تعمدها قناص آثم يوم مجزرة رابعة العدوية، والفتاة في إقبال على الشباب، وهي ابنة لقيادي طالما حذر الإخوان من التمادي في السقوط في فخ الرئاسة المنصوب لهم بعناية، وكانت كلماته منذ منتصف عام 2011م، ولكن الرجل لما حمي الوطيس انحاز إلى الجماعة لتستشهد ابنته، ويتم القبض عليه في سلسلة من القضايا تتناسل كما تتناسل الشياطين، ولما سُئلت زوجته؛ بعد تلفيق قضية اعتداء على الشرطة لها هي الأخرى، واضطرارها إلى الخروج من مصر، ليتركها السادة من سدنة معبد المال والجماعة بلا عمل حتى لتعمل في مكان كانت تتمنى لو كانت في غيره .. ليكون أكثر مناسبة، ولما تُسأل عن موقفها لو تم إعدام زوجها، لا قدر الله، فتقول بحزم إنها لا تتخيل الأمر فلا يُعدم زوجها بعد استشهاد ابنتها في سبيل لا شيء!

أم فاضلة ربت شابين فاضلين استهدفتهما السلطات الانقلابية منذ أسابيع لتقتلهما معًا في جنوب مصر بدم بارد مدعية ان الحادث الغادر كان في تبادل لإطلاق النار، قتل شابين في عمر الزهور من شباب مصر ولم يصب فيه من الانقلابيين أظفر أحد، ولتقول الأم، صبرها الله:

ـ ليتني ما ربيتُهما ليكونا فاضلين!

وما مضى غيض من فيض، وقطرة من نهر مئات الآلاف من المضارين في مصر، بداية من المُطاردين الذين تركوا مصدر رزقهم وبيوتهم وأهاليهم وتم فصل أكثرهم من عملهم الحكومي، او اضطروا لبيع ما يملكون ليبقوا على قيد الحياة، أو أجبرتهم الأيام على الانسياح في بلاد غير بلادهم، وغالبًا للإقامة في وسط مُناصر أو مُعادٍ لهم، وهؤلاء المغتربون داخل مصر وخارجهم أدمتهم الأيام، وبعضهم يبكي دمًا وهو يرى أفرادًا من أسرته أعزة عليه تتقاذفهم الأيام هنا وهناك دون أن يستطيع أن يكون فعالًا في حياتهم، عوضًا عن عدم أمن أكثرهم الاستمرار في غربته، وسط الأحداث العالمية المتلاحقة!

هذا مع طوفان الدماء الذي بدأ منذ رابعة العدوية أو قل الحرس الجمهوري في مثل يوم الأربعاء الماضي (5 من يوليو/تموز 2013م) ومن يومها وسيل الدماء متفجر لا ينتهي؛ المختفون قسريًا الذين يتم استهداف حياتهم، فيما يسمى تصفية، كل حين بلا محاكمة أو مجرد اعتبار للإنسانية، هذا غير المختفين الذين لا يعرف أهلهم هل يظهرون أم يستشهدوا، وعدد هؤلاء يقارب الألفين والعدد في ازدياد..

وفي المنتتصف لم تعد مصر هي مصر، كان الإخوان، وهي كلمة حق نرجو بها وجه الله قبّل بها مَنْ قبل وأبى الاستماع إليها مَنْ أبى في حقهم نقولها كما نعيب عليهم غيرها، وما هذا يمنع من إقرار الأخطاء، وما الأخير يمنع الاعتراف بالفضل، وإلا لما كنا مُنصفين، والعياذ بالله، كان الإخوان زهر البلاد الفواح وصمام الأمان الاجتماعي والتربوي لها، كم أعانوا وكم أنصفوا من مهضومي الحق من أثر الحكومات الظالمة الفاسدة، وكاتب هذه الكلمات يُسلم أنهم لم يكونوا على مستوى الوعي اللازم أو الارتقاء التربوي المطلوب او الحنكة السياسية الملائمة، فضلًا عن القوة اللازمة للتصدي لحكم مصر، لكن هذا لا يمنع أن أفضالهم كانت على البلاد لا تعد ولا تحصى من أقصى عمق القرى والنجوع منذ الثلاثينيات من القرن الماضي حتى القاهرة والإسكندرية وقبيل الانقلاب العسكري.

أحد سائقي سيارات الأجرة قال لأحدهم:

ـ سامح الله الإخوان .. كانوا يُعالجون أبناءنا مجانًا بخاصة الحديثي الولادة في الحضّانات .. فلماذا عملوا في السياسة حتى النهاية وحرمونا فضلهم؟!

يومها سخر من كلمات الرجل الكثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي مع أنه لخص القصة كلها، وأجمل في تبسيط الموقف!

منذ أربع سنوات وحتى يشاء الله تعالى يعاني ملايين الإخوان في مصر، منذ قال السادة القادة، فك الله أسر الأسير منهم وعافى المبتلى، وأعان المُستمر على موقف يعرف أنه بلا نهاية اللهم إلا استمرار آلام الناس وانهيار بيوتهم، حتى ليبيع أهالي المعتقلين أثاث بيوتهم في سيناريو لا تبدو له نهاية

منذ أن قال السادة من قادة الجماعة إن المطلوب بعد 3 من يوليو/تموز 2013م أن يظهر الإخوان قوتهم وعددهم والتئام الشعب المصري حولهم ليعود الدكتور "محمد مرسي"، وهي نفس الكلمات التي استمعها صاحب هذه الكلمات ضمن آخرين من ضابط جيش عرّف نفسه على أنه من المخابرات العسكرية في ثالث يوم الانقلاب عند كوبري الجامعة، بقرب ميدان النهضة، وهي نفس الكلمات التي قالها له رئيس تحرير مطبوعة إخوانية سابقة، فك الله اسره، وكان الرجل صادقًا إذ كان ابنه في الجمع المُعترض، كما كان نجل المرشد وغيره، فك الله أسره ورحم ابنه، والشاهد أن القوم كانوا يردون الكلمات الاستخباراتية العسكرية بلا وعي أو مجرد هضم لها لا فهم، وإلا ففي أي عرف أو مذهب ديني أن يقف الملايين عراة الصدور أمام السلاح والنيران مصرين على أن نصر الله قريب؟ دون شاهد من منطق أو عقل أو حكمة فضلًا عن فهم!

أحد الأطباء الناجحين في مجالهم سأل أمين عام الجماعة منذ أشهر عن المعلومات التي اعتمد وبقية القيادات عليها لإخراج الآلاف للمظاهرات والاعتصامات، فقال الرجل:

ـ مصادر الجماعة

فثار الشاب متسائلًا:

ـ ما هي؟!

فإنني أريد أن أحاسبك على تدمير حياتي باسم الله..!

فقال أمين عام الجماعة، لا فض الله فوه، بعد انصراف الصديق:

ـ "عيل" يريد أن يُسائلني!

ورحم الله "أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي"، ومن قبل صلى وسلم على الرسول الذي كان يقبل أن تراجعه بل تاخذ بيده امرأة فقيرة ضعيفة يوم "فتح مكة"، وما أبعد الفارق، وقيل ضعيفة العقل، فلا يهينها ولا يُشهر بها بين أصحابه، وحاشا له، صلى الله عليه وسلم.

وللحديث بقية ما دام في العمر بقية ..!