"إن الحكم في اليمن مثل الرقص على رؤوس الثعابين".. هل تذكرون هذا التصريح الشهير للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح إبان الاحتجاجات عليه في 2011؟ يبدوا أن الرجل كان على دراية تامة بكيفية إدارة حكم بلاده، وكأنه يشير إلى أن ذلك لا يتم إلا بطرق ملتوية وبالتلاعب والمراوغة وأنه لا ثوابت ولا مبادئ في العملية السياسية، فقط المصلحة هي من تحدد قبلة التوجهات.

تطورات جديدة تعزز من تناقض المشهد السياسي اليمني منذ انطلاق ثورته التي شهد خلالها موجات متتالية من المد والجذر بعضها يسير في دروب متباينة الرؤى بينما الآخر يستقل الاتجاه العكسي ما كان له أبلغ الأثر في إعادة رسم خارطة التحالفات في هذه المنطقة عدة مرات خلال السنوات الخمس الماضية.

مجلة "إنتليجنس أون لاين" الاستخباراتية الفرنسية، نشرت مؤخرًا تقريرًا تناولت خلاله ملامح اتفاق سعودي إماراتي لإعادة نجل الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح للحكم مرة أخرى، على حساب الرئيس المدعوم سعوديًا عبد ربه منصور هادي، وذلك عبر رصدها بعض اللقاءات التي جمعت بين الأطراف الثلاثة (السعودية – الإمارات – أحمد علي عبد الله صالح) في أبو ظبي الشهر الماضي.

الرئيس اليمني المخلوع الذي كان حليفًا للرياض قبل الثورة وفي أيامها الأولى، ثم انقلب وانحاز للفريق الحوثي المناهض لها والمدعوم إيرانيًا، مسخرًا جيشه والموالين له للقتال ضد قوات التحالف العربي بقيادة المملكة، ما كبدها العديد من الخسائر البشرية والمادية، وهو ما دفع الأخيرة لأن تعتبره خارج حسابات أي تسويات سياسية مستقبلية، في الوقت الذي كانت علاقته بالإمارات في أوج قوتها، هاهو سلمان ونجله يتخلون عن ثوابتهم ويمدون أيديهم مجددًا نحو الحليف المنقلب.. فما الذي حدث؟

إن الحكم في اليمن مثل الرقص على رؤوس الثعابين

انفتاح سعودي صالحي

سافر اللواء أحمد العسيري، الرجل الثاني في المخابرات العامة السعودية، والذراع اليمنى لولي العهد محمد بن سلمان، إلى أبو ظبي في السابع والعشرين من يونيو الماضي لمقابلة أحمد علي عبد الله صالح، نجل الرئيس اليمني السابق، والذي تم اختياره من قبل أبو ظبي لقيادة عملية المفاوضات لتشكيل حكومة يمنية جديدة، بحسب الدورية الفرنسية.

سفر العسيري للإمارات للقاء أحمد صالح الذي كان يشغل منصب القائد السابق للحرس الجمهوري اليمني وكان سفير البلاد السابق في دولة الإمارات، حتى تم تجريده من منصبه في عام 2015، تزامن مع إيفاد الرئيس اليمني السابق، مبعوثه، يوسف الفيشي، للسعودية لإجراء عدد من المباحثات المتعلقة بمسألة إعادة عائلة صالح للعملية السياسية مرة أخرى، لكن هذه المرة بمباركة سعودية إماراتية.

ومما يكشف ملامح المشهد الحالي بصورة أكبر اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء اليمني السابق خالد بحاح – المحسوب على الإمارات -  الذي أقاله الرئيس منصور هادي في عام 2016  بمحمد بن سلمان في منطقة حضرموت، جنوب اليمن، فضلا عن حضوره عدة اجتماعات مع قيادات يمنية في الرياض وأبو ظبي.

الدورية الاستخباراتية الفرنسية نقلت على لسان مصادرها أن الرياض عقب تنصيب محمد بن سلمان وليًا للعهد في 21 يونيو الماضي باتت "أكثر انفتاحًا على فكرة عودة السلطة إلى صالح الذي ناصبته العداء طويلا"، منوهة إلى دور  طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات، في إقناع بن سلمان بإسقاط الدعم عن حليف الرياض الحالي الرئيس عبد ربه منصور هادي وترك الطريق أمام الإمارات لوضع النظام الذي تريده.. لكن ماذا عن الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن؟

اللواء أحمد العسيري، الذراع اليمنى لولي العهد محمد بن سلمان، سافر إلى أبو ظبي في السابع والعشرين من يونيو الماضي لمقابلة أحمد علي عبد الله صالح

نجل الرئيس اليمني المخلوع والمدعوم إماراتيًا لقيادة المفاوضات على الحكومة الجديدة

الخلاف السعودي الإماراتي

الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن لم يعد خلافًا سريًا كما كان في السابق، إذ أن بعض الشواهد والممارسات التي وقعت مؤخرًا دفعته للانتقال من مرحلة الخفاء إلى العلن بعدما زادت من معدل التوتر بين الجانبين.

في السابع والعشرين من أبريل الماضي أصدر الرئيس اليمني قرارًا بإقالة عيدروس الزبيدي، محافظ عدن، ووزير الدولة هاني بن بريك، المدعومين إماراتيًا، وإحالتهما للتحقيق، ما أثار غضب أبو ظبي، التي كانت تعتبر الرجلين ذراعها القوي في الجنوب الذي يمهد لها الطريق من أجل السيطرة على الشواطئ اليمنية خاصة موانئ عدن ، لحماية موانئها ودعم نفوذها البحري.

القلق السعودي من ردة فعل الإمارات دفعها لتشكيل لجنة ثلاثية تضم الرياض وأبو ظبي وممثل عن الحكومة اليمنية، تختص بمناقشة القضايا ذات العلاقة بالحسم العسكري، وتطبيع الحياة في المناطق المحررة، وتنسيق جهود مكافحة الإرهاب، وذلك بهدف امتصاص غضب الحكومة الإماراتية من قرارات الرئيس اليمني، ومع ذلك لم تنجح هذه اللجنة في تسكين محافظ عدن المقال.

التقرير كشف عن وجود أزمة صامتة داخل التحالف العربي الذي تقوده المملكة في اليمن وتهيمن الإمارات على قوته في الجنوب

وفي 11 مايو الماضي أعلن الزبيدي عن تشكيل «هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي» لإدارة محافظات جنوب اليمن، برئاسته وتعيين بن بريك نائبًا له، وذلك بهدف إدارة وتمثيل الجنوب داخليًا وخارجيًا بالإضافة إلى استكمال إجراءات تأسيس هيئات هذا الكيان والمكون من 26 شخصًا.

جدير بالذكر أن تحركات هادي المثيرة لحفيظة الإمارات قد بدأت منذ أبريل 2016 وذلك حين أقال خالد بحاح – المحسوب على أبو ظبي-  من منصب كرئيس للوزراء، وتعيينه مستشارًا لرئيس الجمهورية، ثم إقالته من منصبه مرة أخرى بسبب تحركاته لدعم انفصال الجنوب.

في تقرير سابق لـ"نون بوست" تناول مساعي أبو ظبي لفك الارتباط الجنوبي اليمني عن الشمال، وهو ما جاء على لسان بعض المسئولين الإماراتيين، على رأسهم، الفريق ضاحي خلفان تميم نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، والذي دعا على حسابه في تويتر، العالم العربي إلى أن "ينصف الجنوب وألا يبقوه رهينة في يد القوى الغاشمة"، مؤكدًا أن الوحدة اليمنية أصبحت فاشلة وبسببها ترتكب جرائم حرب وسفك دماء، ولم يتبقَّ إلا الطلاق، في إشارة إلى فك الارتباط بين شمال اليمن وجنوبه.

التقرير كشف عن وجود أزمة صامتة داخل التحالف العربي الذي تقوده المملكة في اليمن وتهيمن الإمارات على قوته في الجنوب، خصوصًا وأن أبو ظبي تعد اللاعب الأبرز في الجنوب، لاسيما في عدن والمكلا وحضرموت، فضلا عن  مساعيها لتعزيز نفوذها في مناطق أخرى، مثل جزيرة سقطرى، عبر الانفصال من جانب، ودعم علي عبد الله صالح وميليشياته المدعومة من الحوثيين من جانب آخر، ما دفع البعض إلى اتهام السعودية بالضلوع خلف التفجيرات التي استهدفت بعض قوى المعارضة والقوات الإماراتية منذ عدة أشهر.

ومن ثم فإن الخلاف السعودي الإماراتي في مسألة الجنوب اليمني خلاف أصيل، وهو ما دفع كل طرف إلى التحرك في بعض التحركات منفردًا بعيدًا عن الطرف الأخر، ما وضع جدارًا بين الجانبين وإن كان ما يدور في الظاهر عكس ذلك إلا أن الواقع يعكس توترًا شديدًا في توجهات كليهما في اليمن.

في المقابل كانت الإمارات تسير عكس بوصلة السعودية فيما يتعلق بالموقف من الرئيس اليمني السابق، إذ أبقت أبو ظبي على علاقاتها الجيدة مع عدد من رموز نظامه

الشاويش بين الرياض وأبو ظبي

كان يوصف علي عبد الله صالح الملقب بـ"الشاويش" خلال سنوات حكمه بأنه رجل السعودية الأول في اليمن وأحد أبرز أذرعها ومصادر نفوذها، وهو ما يفسر وقوف الرياض بجانبه طيلة فترة حكمه حتى بعد اندلاع الثورة اليمنية حاولت التوسط لرعاية مصالحه وتأمين حياته بعيدًا عن أي ملاحقة قضائية.

ومع مرور الوقت وبحسب طبيعته المراوغة، بدأ صالح يلعب لحسابه الشخصي آملا في العودة إلى المشهد اليمني مرة أخرى لكن هذه المرة ليس عن طريق السعودية، وإنما عن طريق التحالف مع خصومها في اليمن، عقب رفض طلب الحكومة السعودية بالمشاركة في مواجهة الحوثيين، وهو ما أدى إلى توتر الأجواء بينه وبين الرياض.

وفي المقابل كانت الإمارات تسير عكس بوصلة السعودية فيما يتعلق بالموقف من الرئيس اليمني السابق، إذ أبقت أبو ظبي على علاقاتها الجيدة مع عدد من رموز نظام صالح، أبرزهم نجله أحمد علي عبد الله صالح، الذي كان يعمل سفيرًا لليمن في الإمارات.

علاوة على ذلك تعد الإمارات المركز المالي الاقتصادي الأول لصالح، حيث يمتلك عدة أبراج في مدينة دبي، إضافة إلى الكثير من الأموال تم تحويلها بعد عام 2011 إلى بنوك دبي وتم تهريب تلك المبالغ على متن الخطوط الجوية اليمنية إلى مدينة دبي، وبينما كانت الإمارات تشارك التحالف في القتال باليمن، كان نجل صالح مستمرًا بتوسيع استثمارات أسرته في الإمارات مستفيدة من التسهيلات التي منحها النظام المصرفي له بتوجيه من حكام البلاد وفق ما تشير به المصادر.

ورغم الخلاف بين الجانبين في الموقف من صالح، الذي تعتبره الرياض عدوًا يجب محاربته بينما تفتح له أبو ظبي أذرعها الاقتصادية، يبقى السؤال: لماذا تراجعت السعودية عن موقفها من الرئيس المخلوع فجأة بهذه الطريقة؟

السعودية والإمارات تسعيان من خلال تحركاتهما الأخيرة إلى تفتيت كتلة الحوثيين من خلال فك الارتباط بينها وبين صالح وميليشياته

 

مسار تفاوضي جديد في اليمن

شهدت القوات السعودية منذ شنها الحرب ضد الحوثيين وميليشيات على عبد الله صالح في اليمن، برفقة قوات التحالف، في الخامس والعشرين من مارس 2015 فيما أطلقت عليه "عاصفة الحزم" موجات من الانتصارات والهزائم، لكنها في المجمل لم تحقق الأهداف المنشودة من وراء تلك الحرب حتى الآن وهو ما تكشفه الممارسات الفعلية على أرض المعركة، حيث تمدد الحوثيون بصورة أكبر مما كانت عليه ونجحوا في تحقيق العديد من المكاسب العسكرية والسياسية لعل أبرزها اعتبارهم كشريك وطرف في حل الأزمة وليس عدوًا كما كان في السابق.

مستجدات الأحداث والفشل السعودي في تحقيق مآربه دفع الرياض إلى ضرورة إعادة النظر في الإستراتيجية المتبعة داخل اليمن، خاصة في ظل تعقد الموقف في سوريا وسحب البساط رويدًا رويدًا من تحت أقدام المملكة، فضلا عن رغبة سلمان ونجله في تخفيف حدة الضغوط الممارسة عليهما في ظل انفتاحهما على الولايات المتحدة كون بلادهما الطرف الأقوى والأهم في التحالف الأمريكي الجديد في الشرق الأوسط الذي تهدف واشنطن من خلاله إلى تمرير ما سمي بـ "صفقة القرن".

تأزم الوضع في اليمن وزيادة معدلات ما تتكبده الرياض كان دافعًا لضرورة فتح مسار تفاوضي جديد انطلاقًا من الأوضاع التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب التي أعلنها التحالف العربي في مارس 2015، بحسب المحلل السياسي اليمني محمد جميح.

جميع في حديثه لـ "الجزيرة" لفت إلى أن كلا من السعودية والإمارات يريدان يمنا خال من الأيديولوجيات، منوهًا إلى أن البلدين الخليجيين لن يسمحا للحوثيين بالاحتفاظ بقوات عسكرية في البلاد، كما أن لديهما خطوطا حمراء ضد الإخوان المسلمين في اليمن.

ومن ثم فأن السعودية والإمارات تسعيان من خلال تحركاتهما الأخيرة إلى تفتيت كتلة الحوثيين من خلال فك الارتباط بينها وبين صالح وميليشياته، وهو ما يضعف من موقف الحوثيين مستقبلا، ومما يعزز تلك المساعي تطابق رؤى كل من الرياض وأبو ظبي حيال هذه المسألة فضلا عن تأثير وصول بن سلمان لولاية العهد على موقف بلاده من إخوان اليمن وهو ما يريده أبناء زايد.

المحلل اليمني أوضح أن كلا البلدين يعتقدان أن "المؤتمر الشعبي العام" في اليمن يشكل الحاضنة في البلاد، وهو ما سيعيد صالح ونجله للواجهة مرة أخرى، على حساب حليف السعودية الأول منصور هادي، كاشفًا أن هناك قناعة لدى كل الأطراف الدولية بأن الحل في اليمن سيكون سياسيا وليس عسكريا، وربما هذا هو سبب إعادة الرياض النظر في سياساتها اليمنية.

إلا أنه وبجانب تأكيده على أن ما يجري على الأرض له بعد إيجابي يتمثل في تأسيس دولة يمنية على أساس فيدرالي من خلال التفاوض بين مجلس انتقالي جنوبي ومجلس آخر يجري تشكيله في صنعاء، يرى أن هناك مؤشرًا سلبيًا آخر يقود إلى الذهاب نحو التقسيم إلى دولتين، شمالية وجنوبية.

مستجدات الأحداث والفشل السعودي في تحقيق مآربه دفع الرياض إلى ضرورة إعادة النظر في الإستراتيجية المتبعة داخل اليمن

الرضوخ للنفوذ الإماراتي

من قراءة الأحداث يتضح أن الإمارات تسير نحو تحقيق أهدافها من مشاركتها في الحرب في اليمن بصورة كبيرة، حيث أنها فرضت نفسها كلاعب أساسي في أطراف الأزمة منافسة بذلك الدور السعودي، فضلا عن نجاحها في التفوق على هذا الدور من خلال ترسيخ نفوذها في الجنوب بالطريقة التي كانت تسعى إليها، إلا أن السؤال الأبرز هنا: كيف خضعت السعودية للنفوذ الإماراتي إلى هذا الحد؟

"نون بوست " في تقرير له تعليقًا على تسريبات يوسف العتيبة، سفير الإمارات في واشنطن، كشف عن المخطط الإماراتي لمنافسة السعودية إقليميًا، من خلال إجهاض جهودها داخل اليمن من جانب، وتقديم نفسها كحليف جاهز للولايات المتحدة بدلا من الرياض من جانب آخر، كذلك محاولة السيطرة على مستقبل القرار السعودي من خلال دعم الأمير محمد بن سلمان المقرب من ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، وتصعيده على حساب محمد بن نايف، ولي العهد السابق، وهو ما كشفته تلك التسريبات.

التقرير أشار أيضًا إلى الدور الذي لعبه سفير الإمارات في واشنطن لتلميع بن سلمان أمريكيًا من خلال شراء بعض الأقلام الصحفية داخل أمريكا وخارجها للعزف على هذا الوتر، بهدف تقديم ولي العهد الجديد كحليف جديد يخلف والده على كرسي العرش.

الإمارات تعي جيدًا أن وصول بن سلمان إلى سدة العرش يعني سيطرتها على المطبخ السياسي السعودي، خاصة في ظل سيره في ركاب أبناء زايد بصورة كبيرة وهو ما يتضح يومًا تلو الأخر حين تفقد المملكة ثوابتها رويدًا رويدًا لتتطابق مع الهوى الإماراتي.

إيران المستفيد الأكبر حال انقسام اليمن، فدولة الشمال ستكون مجاورة للسعودية ويسيطر عليها الحوثيون، وبالتالي تستطيع تهديد وإنهاك المملكة بشكل دائم

لذا فالبعض يرى أن تغير موقف الرياض من الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، المدعوم من الإمارات، بالرغم مما ارتكبه من جرائم ضد قوات التحالف العربي بقيادة السعودية برفقة حلفاءه من الحوثيين، وأسقط خلالها عشرات القتلى والمصابين، أكبر دليل على بسط أبناء زايد سطوتهم وسيطرتهم الكاملة على القرار السعودي.

خضوع بن سلمان لسطوة محمد بن زايد لا يترتب عليها تقزيم دور المملكة إقليميًا فحسب، بل ينطوي عليه أيضًا تهديد لمستقبلها الأمني وتعريض حياة أبنائها للخطر، إذا ما وقع السيناريو المرحب به إماراتيًا وهو تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب.

السعودية الخاسر الأول

لو سارت الأمور نحو بناء دولة فيدرالية في اليمن كنا يرغب الإماراتيون فإن هذا قد يحمل بين ثناياه مخاطر تقسيم آت بلا شك، خاصة وأن إرهاصات هذا السيناريو تزداد يومًا بعد الآخر، وفي هذه الحالة ستصبح السعودية هي الخاسر الأول والأكبر حال تنفيذ هذا المخطط، وبذلك تفقد جهود السنوات الماضية التي تكبدت فيها العديد من الخسائر في الأرواح والعتاد.

ففي حالة الانفصال يصبح الجزء الشمالي اليمني، الجنوبي السعودي، في قبضة الحوثيين، وهو ما يعني استنزاف للموارد السعودية وتهديد لأمنها القومي، خاصة في غياب نفوذها في الجنوب لصالح الإمارات التي سيحقق لها الانفصال حال حدوثه أكبر مصلحة لها فيما يتعلق بتأمين موانئها والسيطرة على عدن.

الإمارات تعي جيدًا أن وصول بن سلمان إلى سدة العرش يعني سيطرتها على المطبخ السياسي السعودي

كما تعتبر إيران المستفيد الأكبر حال انقسام اليمن، فدولة الشمال ستكون مجاورة للسعودية ويسيطر عليها الحوثيون، وبالتالي تستطيع تهديد وإنهاك المملكة بشكل دائم، إلى جانب خلق موطئ قدم لها على البحر الأحمر، وبهذا تكون خلقت دولة لها بالفعل في جوار دول التعاون وحاصرتها عن قرب، وهي ما ستكون ورقة رابحة في أي صراع مستقبلي.

ومن ثم فإن الأزمة اليمنية يبدوا أنها على موعد مع جولة جديدة من التعقيد تزيد من ملامح المشهد غموضًا وتطرح العديد من السيناريوهات، في ظل نجاح أبو ظبي في فرض كلمتها يومًا تلو الأخر في مقابل تراجع الدور السعودي وسير محمد بن سلمان في ركاب أبناء زايد بصورة قد تفقد فيها الرياض ثقلها الإقليمي ما يهدد أمنها القومي ويضعف مستقبلها السياسي.