إذا كنت تعيش في تركيا أو مررت بها قد تكون لاحظت عددا كبيرا من الأتراك يرتادون المطاعم في نهار رمضان أو لاحظت أن بعضا منهم لا يصلي علما أن مقولة منتشرة  ودائما ما نسمعها هي أن 99% من الأتراك هم مسلمون وهي مقولة منتشرة على أنها اعتقاد تقريبا، ولعل في ذلك صحة لكن هذا الرقم يحتاج للتدقيق قليلا خاصة بعد أن طبقت العلمانية الحديدية في تركيا لعقود طويلة، وبالرغم من وجود أعداد من الملحدين أو غير الملتزمين بالعبادات الإسلامية فإن التدين في تركيا هو الطابع الغالب وما زال عاملا مهما في تحديد المسار الاجتماعي و السياسي للبلاد.

ولمناقشة هذا بالتفاصيل يمكننا تسليط الضوء على بعض الإحصاءات والنقاط المفيدة حيث أجرت شركة الاستطلاع التركية (MAK) استطلاعًا للرأي خلال شهر يونيو 2017 في 30 مدينة كبرى في تركيا، وشمل الاستطلاع 4500 شخصا من خلال المقابلات المباشرة وقد حاول الاستطلاع معرفة توجهات الشعب التركي تجاه التدين والقيم الدينية وخاصة القيم الأساسية والأركان منها. وعلاقة ذلك بالسياسة والحياة والعبادة والثقافة، مع ضرورة الإشارة هنا أن شركات أخرى قد تأتي بنتائج مختلفة ولكن الأرقام هنا للاستئناس.

وبشكل أساسي قال 86% من الأتراك المستطلعة آراؤهم أنهم يؤمنون بوجود الله ووحدانيته وأنه هو الخالق. فيما قال 6% أنهم يؤمنون بوجود الله ولكن يعتقدون، أنه "لا يتدخل في كل شيء"، أما الذين لا يؤمنون بوجود الله فكانت نسبتهم هي 4%، فيما قال 4% آخرين أنهم لا يعلمون الإجابة. علما أن نسبة كبيرة من 4% أي الملحدين يعيشون في المدن الكبرى.

وقد تكون هذه النسبة أقل من نسبة الالحاد في دول عربية مسلمة وذلك بناء على تقرير معلومات نشره موقع بي بي سي في أغسطس 2015 بعنوان الالحاد في العالم العربي. وبالرغم من أن مراكز أبحاث تركية أخرى قالت أن عدد الملحدين قد تزايد في البلد منذ عام 2010 إلى عام 2014 بنسبة كبيرة إلا أن عدد الذين يرتادون المدارس الدينية قد تزايد بنسبة كبيرة من 65 ألف إلى مليوني شخص، كما أن وقف الديانة التركي أصبح له دور كبير في التأثير في الحياة العامة وقد ظهر هذا في دور المساجد في تركيا في ليلة الانقلاب.

طبقت العلمانية الحديدية في تركيا لعقود طويلة وبالرغم من وجود أعداد من الملحدين أو غير الملتزمين بالعبادات الإسلامية فإن التدين في تركيا

إلى ذلك، فقد قال 75% أنهم يؤمنون بوجود الملائكة، فيما قال 15% أنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا بأعينهم، فيما قال 10% أنهم لا يعلمون علما أن الإيمان بالملائكة يعتبر من أركان الإيمان في الإسلام. وفي ذات السياق فقد قال 75% أنهم يلجأون دائما بالدعاء إلى الله، وقال 10% أنهم يدعون الله أحيانا، فيما قال 6% أنهم لا يتوجهون بالدعاء إلى الله أبدا. أما عن القرآن الكريم فقد قال 76% أنهم يؤمنون بالقرآن كوحي من الله، فيما قال 14% أنهم لا يؤمنون أن القرآن وحي من الله، وقال 10% أنهم لا يعرفون الجواب. أما الذين يوجد مصحف في بيوتهم ويقرأون القرآن بانتظام فهم يشكلون 25%، أما الذين يوجد في بيوتهم ولا يقرأونه فهو 32%، ويوجد حوالي 33% لا يوجد مصحف في بيوتهم، وقال 10% أنهم لا يعرفون الإجابة. ومن المهم ذكر أن هذه الأرقام قد تتغير مع تزايد التعليم الديني وتحفيظ القرآن الكريم للأطفال والكبار إضافة إلى تعليم اللغة العربية في ظل تزايد أعداد العرب في تركيا.

أما فيما يتعلق باتخاذ النبي محمد صلى الله عليه وسلم كقدوة، فقد اعتبر 63% أنهم يعتبرون أن النبي قدوة لهم في كل أمور حياتهم، ولكن 20% قالوا أنهم يؤمنون بالنبي ولكن لا يعتبرونه قدوة في كل أمور حياتهم. وقال 9% أنهم لا يؤمنون بالنبي، ولعل هذه النتائج تعتبر صادمة حيث أن الشعب التركي معروف عنه احترامه الكامل للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يضع كثير من الأتراك يده على قلبه عندما يسمع ذكر النبي.

عدد الذين يرتادون المدارس الدينية قد تزايد بنسبة كبيرة من 65 ألف إلى مليوني شخص

وعن الإيمان بالقدر خيره وشره قال 55% من المستطلعة آراؤهم أنهم يؤمنون بالقد خيره وشره وأنه من عند الله فيما قال 15% أنهم يؤمنون بالقدر ولكن الانسان هو من يصنع قدره وقال 15% أنهم يؤمنون بالقدر لأنه لا يوجد للإنسان إرادة في شيء أما 10% فقد قالوا أنهم لا يؤمنون بالقدر.

أما عن الحياة الأخروية ومفاهيم البعث والحساب فقد قال 73% أنهم يؤمنون بالبعث بعد الموت والحساب وقال 10% أنهم يؤمنون بالبعث ولكن لا يؤمنون بالحساب وقد قال 9% أنهم لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب بعد الموت وحسب ملاحظات الشركة فإن الإيمان بالآخرة مرتبط طرديا مع تقدم العمر كما أنه يزداد في الأرياف ويقل في مراكز المدن.

وفيما يتعلق بالثقافة الدينية قال 17% أنهم قرأوا تفسير القرآن باللغة التركية وقال 60% أنهم لم يقرأوا تفسير القرآن أبدا وتفيد الدراسة أنه هناك عددا كبيرا من الذين يحافظون على الصلوات الخمس لا يعرفون معاني سورة الفاتحة.  وقد قال 23 % أنهم قرأوا السيرة النبوية فيما قال 65% أنهم لم يقرأوها أبدا. وقال 30% أن مصادر تعلمهم للدين هي من الكتب الدينية وقال 45% أنهم يأخذون علومهم الدينية من الإنترنت فيما قال 20% أنهم يصلون لذلك من خلال سؤال الآخرين.ولعل هذا يفسر شيئا من انتشار المعلومات عبر القنوات غير الصحيحة ويفرض على الجهات المعنية الاهتمام بهذه الأمور.

لكن  كيف الحال مع العبادات؟ 

فيما يتعلق بالعبادات والصلاة تحديدا ووفقا للاستطلاع  فإن 22% ملتزمون بالصلاة فيما يوجد 22% آخرون لا يصلون نهائيا وبخصوص الصلاة في المساجد فقد قال 12% أنهم ملتزمون بالصلاة  في المسجد بشكل دائم فيما قال 32% أنهم ملتزمون بصلاة الجمعة في المسجد. وقال 30% أنهم لايذهبون للمساجد أبدا ويوجد في تركيا أكثر من 84 ألف جامع. وفيما يخص صوم شهر رمضان قال 45% أنهم يصومون شهر رمضان كاملا وقال 25% أنهم يصومون قسما من الشهر وقال 20% أنهم لايصومون أبدا.

القوى العلمانية سعت إلى اقتلاع الإسلام من ذاكرة الأتراك ومن هوية تركيا

قد تشير هذه الأرقام إلى حقائق صادمة دفعت بعض الكتاب الأتراك إلى التساؤل هل نحن مسلمون حقا؟ ولكن هذه الصدمة ستخفت كثيرا عند مقارنتها بسنوات ما قبل 2002 التي كان الحجاب فيها محظورا، وكان رئيس الوزراء لا يستطيع أن يؤدي الشعائر الدينية إلا سرا، كما حدث في عهد مندريس على سبيل المثال، وقد حبس أردوغان لإلقائه شعرا فيه معاني دينية ثورية في أواخر التسعينيات.

وقد ساهمت سنوات تكريس العلمانية في تركيا في الكثير من ذلك وقد جاء هذا صريحا على لسان رئيس البرلمان الحالي إسماعيل كهرمان الذي قال في العام الماضي "إن القوى العلمانية سعت إلى اقتلاع الإسلام من ذاكرة الأتراك ومن هوية تركيا". ولكن حديث رئيس البرلمان نفسه يؤكد أن العلمانية لم تستطع اقتلاع الإسلام من ذاكرة الاتراك وإضافة إلى ذلك فإن الحزب الأقرب إلى روح التدين  من بين الأحزاب التركية الكبرى كحزب العدالة والتنمية، هو من يقود البلاد منذ أكثر من 15 عاما وقد قام بالعمل تدريجيا على دعم النشاط الديني في البلاد عبر عدة مؤسسات من أهمها وقف الديانة التركي. وسيتبع هذا المقال مقال يسلط الضوء على الانعكاسات السياسية للتدين في تركيا.