رغم مرور عقود عدّة على استقلال المملكة المغربية، إلا أنها لم تتمكن بعد من جمع ذاكرتها الوطنية الموزعة على عديد الدول التي وطئت قدمها المملكة في فترة ما بما فيها بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإسبانيا وتركيا، نتيجة رفض بعض الدول مدّهم هذه الوثائق الهامة وتماطل دول أخرى، دون أن ننسى تراخي السلطات المغربية في بعض الأحيان.

موزّع على 18 دولة

تبلغ عدد البلدان التي تتوفر على أرشيف مغربي بحسب الخزانة الملكية المغربية، واللجنة الملكية للتاريخ العسكري 18 دولة في العالم، بما فيها بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإسبانيا وتركيا والسنغال، هذا وانطلق مشروع استجلاب وثائق الذاكرة المغربية ابتداء من سنة 2004.

ويحتوي الأرشيف المغربي الموجود في هذه البلدان على وثائق تثبت الممارسات القمعية والتعسفية التي عانى منها الشعب المغربي في فترة الاستعمار من حيث الضمير والممارسة، والتي تعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني بالمغرب رغم ما روجه نظام الحماية من شعارات المساواة والحرية والإخاء.

عملت كل من فرنسا وإسبانيا سنة 1956، حسب مؤرخين، على ترحيل كل الأرشيف السياسي والعسكري الذي يتضمن معلومات عن ممارسات الاستعمار

كما يتضمن وثائق تؤكّد الدعم المغربي المبكر للجارة الجزائر إبان احتلالها وبسط النفوذ الاستعماري على أراضيها، والدور المغربي في دعم قضايا التحرر الوطني خاصة في دول شمال إفريقيا، وتاريخ الحركة الوطنية المغربية.

وعملت كل من فرنسا وإسبانيا سنة 1956، حسب مؤرخين، على ترحيل كل الأرشيف السياسي والعسكري الذي يتضمن معلومات عن ممارسات الاستعمار ضد القبائل أو تعاملها مع بعض الأعيان، وأبقت على الأرشيف التقني فقط.

إسبانيا لا تتجاوب والسبب الغازات السامة

وتعتبر إسبانيا من بين الدول التي لم تتجاوب مع المطالب المغربية بتسليمها ذاكرتها الوطنية، وفي وقت سابق قال مصطفى الكثيري، المندوب السامي للمقاومة وأعضاء جيش التحرير، أن اتهام اسبانيا بضرب الريف بالغازات السامة كان سببا مباشرا في عدم عقد اتفاقية بينها وبين المغرب تتسلم بموجبها الرباط مئات الآلاف من الوثائق السرية حول الحركة الوطنية بمنطقة الشمال.

القصف الإسباني لريف المغرب بالغازات السامة جاء انتقاما من المقاومين

وكانت المملكة المغربية بصدد عقد اتفاقية مع السلطات الإسبانية للحصول على ما يفوق مليون وثيقة تاريخية، قبل أن تعتذر هذه الأخيرة ليلة حفل التوقيع بسبب الانتقادات التي تعرض لها وزير الداخلية الإسباني خلال زيارته إلى المغرب واتهام بلاده باستعمال الغازات السامة، حسب الكثيري.

ورغم ذلك، تمكّنت السلطات المغربية من جلب حوالي 100 ألف وثيقة من مكتبة بلدة واحدة في إسبانيا، ضمن رصيد وثائقي يهم منطقة الشمال المغربي، يضاف إلى وحوالي 3000 وثيقة تمّ جلبها من الدولة التركية التي طالبت المغرب بإمدادها بما يتوفر عليه من أرشيف بخصوص الدولة العثمانية.

تقول هذه الدراسات التاريخية إن إسبانيا استخدمت أسلحة كيميائية ضد الريف، بعد أن زودتها بها ألمانيا

وتؤكّد دراسات تاريخية، أنه غداة تعرض الجيش الإسباني لهزيمة ثانية أمام انتفاضة عبد الكريم الخطابي في منطقة الريف المتمردة على الاستعمار سنة 1925، وكان شمال المغرب حينذاك محمية إسبانية بينما كانت فرنسا تحتل بقية البلاد. وخوفا من أن يهدد تمرد الخطابي طموحات الدولتين الاستعمارية، شكلتا تحالفا لسحق انتفاضة الريف.

وتقول هذه الدراسات التاريخية إن إسبانيا استخدمت أسلحة كيميائية (غاز الخردل) ضد الريف، بعد أن زودتها بها ألمانيا، وكان ذلك أمرا حاسما في استسلام المنتفضين، لكن لم يعترف بها أي من البلدين ولا سيما فرنسا التي رفض نوابها عام 2007 مشروع قانون حول إمكانية دفع تعويضات اقتصادية فردية إلى أحفاد الضحايا.

فرنسا تتجاوب لكن ببطء

من جهتها تجاوبت السلطات الفرنسية مع المطالب المغربية وإن كان الأمر اتّسم بالبطء، حيث تمكّنت سلطات المملكة من جلب أكثر من 2.5 مليون وثيقة وذلك من بين أربعة مراكز للوثائق في فرنسا، من أصل 4 ملايين ونصف المليون وثيقة تم انتقاؤها حتى الآن من جملة 20 مليون وثيقة تهم الرباط.

وفي وقت سابق كشف المندوب السامي للمقاومة وأعضاء جيش التحرير أن الأرشيف العسكري والدبلوماسي الفرنسي يملك أكثر من 20 مليون وثيقة تاريخية سرية ترتبط بمرحلة الكفاح ضد الاستعمار وعلاقات المغرب بالدول المغاربية.

2000 متر خطية

ويقدّر الأرشيف المغربي المودع لدى مؤسسة أرشيف المغرب بـ 2000 متر خطية، أغلبه موروث عن الفترة الاستعمارية، ويوصف هذا الأرشيف بالقليل، ويرجع المسؤولين في المغرب سببا قّلة الأرشيف لديهم إلى عمليات النهب التي لحقته، وأيضا إلى غياب قانون منظم للأرشيف منذ استقلال المغرب سنة 1956 وحتى 30 نوفمبر 2007، فالإدارات والمؤسسات العمومية لم تكن ملزمة بإيداع أرشيفاتها لدى مؤسسة الأرشيف.

تأخر سنّ قانون للأرشيف نتيجة التراخي الرسمي لمعالجة هذه المسألة

يذكر أنه تم إحداث مؤسسة "أرشيف المغرب" بموجب القانون رقم 99/69 المتعلق بالأرشيف الصادر في 30 نوفمبر 2007 كمؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتناط بها أساسا مهمة صيانة تراث الأرشيف الوطني والقيام بتكوين أرشيف عام وحفظه وتنظيمه وتيسير الاطلاع عليه لأغراض إدارية أو علمية أو اجتماعية أو ثقافية. 

وتمارس مؤسسة "أرشيف المغرب" اختصاصات النهوض ببرنامج تدبير الأرشيف، صيانة تراث الأرشيف الوطني والنهوض به، وضع معايير لعمليات جمع الأرشيف وفرزه وإتلافه وتصنيفه ووصفه وحفظه الوقائي وترميمه ونقله في حوامل مخصصة للأرشيف، والنهوض بمجال الأرشيف عن طريق البحث العلمي والتكوين المهني والتعاون الدولي. كما تناط بأرشيف المغرب "مهام جمع مصادر الأرشيف المتعلقة بالمغرب والموجودة في الخارج ومعالجتها وحفظها وتيسير الاطلاع عليها".