إنها البادية السورية وفيها خلط جديد للعبة التوازنات العسكرية، لذا فقد لا تستمر هويتها على ما كانت عليه منذ سنين، وخاصة بعد أن كثرت فيها المليشيات المسلحة العابرة للحدود من ناحية، والقواعد العسكرية الأجنبية من ناحية أخرى.  

آخر هذه القواعد شرعت روسيا ببنائها في بلدة خربة رأس الوعر قرب بئر القصب شرق دمشق، في ثالث وجود ثابت ومعلن لها على الأراضي السورية، فيما لا تزال تدفع يومًا بعد آخر بالعدة والعتاد إلى سوريا.

يأتي ذلك بالتزامن مع تحويل طهران مطار السين المجاور لقاعدة للحرس الثوري الإيراني، وذلك بعد أيام من تعزيز واشنطن معسكر التنف قرب حدود العراق، مما يعكس السباق المحموم لفرض النفوذ والسيطرة بين القوى المتكالبة على أرض سوريا.

وفيما ترسل إيران المليشيات الطائفية لاستكمال مشروعها الممتد في الشرق الأوسط، تزج أمريكا بنفسها في غمار الحرب المستعرة، وبين هذا وذاك تلوح في الأفق تساؤلات عدة بدءًا من الأسباب الخفية وراء القاعدة الروسية الجديدة، مرورًا بتأثيرها على معارك البادية الجارية، وصولاً إلى سباق القواعد العسكرية على الأراضي السورية.

ما وراء القاعدة الروسية

اختلطت الأوراق في منطقة البادية السورية، فهنالك سباق محموم بين المليشيات الشيعية الداعمة لقوات النظام وفصائل الجيش الحر على اقتطاع أكبر جزء من بقايا كعكة تنظيم "داعش" في منطقة لم تكن منطقة سيطرة عسكرية بالمعني المطلق، لكنها اصطبغت باللون الرمادي.   

وبالعودة إلى القاعدة العسكرية، تشير الدلائل إلى أن روسيا أقدمت على هذه الخطوة سعيًا منها لتثبيت تفوقها، ليس فقط في مناطق سبق أن دعمت النظام السوري فيها، وإنما في البادية السورية باعتبارها منطقة تتغير فيها الأوضاع بسرعة، لذلك تسعى روسيا لفرض وجودها فيها، بالتزامن مع تفوق الوحدات الكردية المدعومة أمريكيًا في المناطق القريبة نسبيًا من البادية السورية.   

كما أنها مؤشر على زيادة تمدد نفوذها العسكري على الأرض السورية، بالإضافة إلى تثبيت نظام الأسد، ودعم استمراره في حكم سوريا، فضلاً عن كونها مؤشرًا واضحًا لمرحلة التقسيم التي بدأت ملامحها تظهر من خلال ما يُسمّى بـ"مناطق خفض التوتر".                        

وتقول وسائل إعلام غربية إن بناء القاعدة العسكرية بدأ بالفعل في بلدة خربة رأس الوعر، التي سيطر عليها النظام منذ أيام، ويبعد الموقع المقرر للقاعدة الروسية 50 كيلومترًا عن دمشق و85 عن خط فك الاشتباك في الجولان و110 كيلومترات عن جنوب الهضبة، كما تبعد 96 كيلومترًا عن الأردن، وبأن القاعدة الروسية التي يتم الحديث عنها تبعد 185 كيلومترًا عن معسكر التنف قرب العراق.

هذه المسافات - من وجهة نظر مراقبين - ليست اعتباطية، فإن قُدِّر لروسيا أن تُنشئ القاعدة التي كثر الحديث عنها - وشرعت بالفعل في ذلك - يمكنها حينئذ أن تتحدث من منظور المصالح العليا الروسية تجاه أي تمدد إيراني أو زحف أمريكي.

موسكو حسمت أمرها وراء بشار الأسد، وستظل تدعمه بلا حدود، كنوع من أنواع فرض الوصاية والهيمنة على النظام السوري

وعندما تقوم روسيا ببناء القاعدة على مقربة من حدود الأردن فهي تحاول إرضاءه بأنها تبعد الإيرانيين نوعًا ما، لكن الإيرانيين موجودون حتى في قاعدة الوعر، وكان الأجدر بروسيا أن تنشئ قاعدة عسكرية في مناطق النفوذ الإيراني المتوقعة، كما يرى البعض.    

وتعتبر المنطقة التي ستقام على أنقاضها القاعدة العسكرية الروسية، منطقة استراتيجية نظرًا لاقترابها من أربعة مطارات عسكرية سورية هي: مطار السين ومطار ضمير ومطار خلخلة ومطار بلي، وبالتالي يمثل إنشاء هذه القاعدة ورقة قوة مستقبلية للوجود الروسي في الجغرافيا السورية، مما يحد من طموحات إيران وأمريكا.

وعلى ذكر أمريكا، تسعى روسيا لحجز مكان لها في البادية السورية كرد فعل وتصعيد بعد منع أمريكا قوات النظام المدعومة من روسيا من التقدم نحو الرقة، يضاف إلى ذلك غياب التنسيق والتوافق بين أمريكا وروسيا بشأن إدارة المعركة في سوريا.

هل باع الأسد سوريا مقابل ترسيخ حكمه؟

ربما بدأ سباق ما بعد داعش في سوريا، فكل الأطراف تسعى للحصول على امتيازات على الأرض مع اقتراب حسم المعركة مع داعش في بعض المناطق السورية.

ويرى مراقبون أن الخطوة الروسية الجديدة من جانب بوتين، تشير إلى أن مياهًا كثيرة جرت في أنهار سوريا الجافة في الأساس، وأن اتفاقات سرية جديدة أُبرمت، لكن أسرارها تظل تحت الطاولة.

قسمت إيران سوريا إلى خمس مناطق عسكرية إحداها مركزية والبقية فرعية، حيث تخضع كل منها إلى مركز قيادة مختلف، وتوزعت القواعد العسكرية الإيرانية في مطار دمشق الدولي وحلب و القنيطرة، وهناك عدة قواعد فرعية عسكرية إيرانية في المحافظات السورية

وتكشف القاعدة الروسية الجديدة في سوريا عن أمرين، أولهما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير استراتيجيته تمامًا، وأصبح يتمترس في سوريا، ولن يقتصر حضوره في المشهد السوري على قاعدة جوية واحدة في حميميم، ولكنه سوف يتوسع برًا وجوًا في سوريا.

كما تدل على أن موسكو حسمت أمرها وراء بشار الأسد، وستظل تدعمه بلا حدود، كنوع من أنواع فرض الوصاية والهيمنة على النظام السوري، مهما كانت تداعيات ذلك على المشهد السوري برمته.    

الأسد من ناحيته يلبي استدعاء موسكو، فمنذ أسبوعين قام بزيارة هي الثانية خلال عام لقاعدة حميميم في ريف اللاذقية، واعتلى أحدث مقاتلة روسية، وأطَّلع على سلاح المدرعات الموجود في القاعدة، والتي تنشرها وزارة الدفاع الروسية لحماية قاعدتها هناك، إضافة إلى قواتها البحرية الموجودة في قاعدة طرطوس.  

وفي يناير الماضي، وقعت روسيا مع نظام الأسد اتفاقًا لتوسيع قاعدة طرطوس البحرية واستخدامها لمدة 49 عامًا، واتفاقًا آخر تستأجر روسيا بموجبه قاعدة حميميم مدى الحياة دون أي مقابل مادي أو تبعات قانونية بحق القوات الروسية الموجودة هناك.

وبعد الاتفاقيات المبرمة مع روسيا بأيام، وقَّع الأسد خمس اتفاقيات اقتصادية مع إيران، منها تخصيص خمسة آلاف هكتار لإنشاء ميناء نفطي بين جبلة وطرطوس وخمسة آلاف أخرى كأراضٍ زراعية، فإيران الحليفة بنفس الدور الذي تقوم به روسيا تجاه الأسد.

وتعكس الاتفاقيات التي يبرمها نظام الأسد مع روسيا وإيران، كذب ادعاءاته بالحفاظ على السيادة الوطنية، فقد باتت مجرد أوراق لعب في الحسابات الإقليمية، بما يؤكد موافقته التامة على بيع سوريا لكلٍ من موسكو وطهران نظير الإبقاء عليه في الحكم.

شهدت الأشهر الأخيرة تطورات عسكرية وسياسية جعلت القوى الدولية أطرافًا متصارعة تتسابق على بناء قواعد عسكرية على الأراضي السورية، وتتحين الظروف المناسبة للوصول إلى مقاصد خفية تضمن مصالحها، لكن لن يسمح أي طرف للآخر بالانفراد بسوريا، لذلك يعملون على تقاسم النفوذ.

هذه التطورات دفعت أطراف الصراع للتنافس المحموم في بناء قواعد عسكرية حيث باتت البادية بل وسوريا برمتها منطقة نزاع وصراع وسباق، مما استدعى حشد كل القوى العسكرية وتقدمها باتجاه الصدام لتتحول سوريا إلى ثكنة عسكرية تنتظر معركة كبيرة مختلفة في التكتيك والتخطيط والقوة.

اللافت في الأمر تكاثر القواعد العسكرية في البادية السورية التي ظلت طيلة أعوام الحرب بعيدة عن خيار الحسم العسكري لأي طرف من الأطراف المتنازعة.

بدأ ذلك بعد الهجمة الإيرانية غير المسبوقة للسيطرة على معبر التنف باتجاه بغداد شرقًا، فركز التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة على قصف مقدمة المليشيات الشيعية، وسارع إلى إضافة قاعدة عسكرية بالقرب من منطقة حميمة جنوب غرب البوكمال، وبالمقابل حولت إيران مناطق واسعة من البادية السورية إلى مواقع عسكرية لاستغلالها في مشروعها الرامي إلى وصل طهران بالبحر المتوسط عبر التنف، ولتسخيره في استقبال الأسلحة الإيرانية ومليشياتها الشيعية.   

وقسمت إيران سوريا إلى خمس مناطق عسكرية إحداها مركزية، والبقية فرعية، حيث تخضع كل منها إلى مركز قيادة مختلف، وتوزعت القواعد العسكرية الإيرانية في مطار دمشق الدولي وحلب والقنيطرة، وهناك عدة قواعد فرعية عسكرية إيرانية في المحافظات السورية كحمص وحماة ومناطق العلويين والقلمون، بالإضافة إلى الثكنات العسكرية الإيرانية في البادية السورية.

سوريا أصبحت عمليًا دولة تحت وصاية دولية خاصة في ظل سعي كل الدول السابق ذكرها لتوسيع قواعدها العسكرية، مما يجعل التقسيم أمرًا واقعًا

أما الوجود العسكري الأمريكي على الأرض السورية فلم يعد يخفى على أحد بعد التكتم عليه، وبحسب مصادر ميدانية، توجد على الأراضي السورية سبع قواعد أمريكية، تتركز في مناطق النفوذ الكردي شمال سوريا، وتمثل شكلاً جديدًا من الاحتلال لأراض سورية لا تقل خطورة عن الوجود الروسي والإيراني في سورية.

وتبقى روسيا هي الوحيدة التي أعلنت صراحة وجود قاعدتين لها، الأولى جوية في مطار حميميم في ريف اللاذقية، والثانية بحرية في طرطوس، لكن لا يقتصر الوجود الروسي في سوريا على القاعدتين السابق ذكرهما، إذ تؤكد مصادر متقاطعة أن موسكو وسّعت وجودها مؤخرًا ليطال دمشق وريف حمص الشرقي وريف حلب.

بريطانيا كان لها نصيب أيضًا في البادية السورية، وتمثل في قاعدة عسكرية في محيط "معبر التنف" الحدودي مع الأردن والعراق، جنوب شرقي محافظة حمص، وتقوم هذه القاعدة بتدريب وتسليح قوات تابعة لها، تدعي محاربة تنظيم داعش جنوب شرقي سوريا.

كما تشير المعلومات إلى وجود قاعدة ألمانية في نفس الحيّز الجغرافي الممتد شمال سوريا بالقرب من مدينة عين العرب ذات الغالبية الكردية.    

ولعل أحدث القواعد العسكرية الأجنبية التي تم إنشاؤها داخل سوريا هي القواعد التركية، التي لا يزال العمل مستمرًا فيها والواقعة في المنطقة التي تسيطر عليها أنقرة والممتدة من جرابلس إلى أعزاز شمالاً وإلى العمق نحو الباب والحدود الإدارية لمنبج في عمق 30 كيلومترًا، إلا أنه ونظرًا للتكتم الكبير المفروض حول مواقعها، فقد تضاربت المعلومات في هذا المجال.

بعد كل هذا ألا يمكن القول إن سوريا أصبحت عمليًا دولة تحت وصاية دولية خاصة في ظل سعي كل الدول السابق ذكرها لتوسيع قواعدها العسكرية، مما يجعل التقسيم أمرًا واقعًا، أو يجعل هنالك فيدرالية شديدة الرخاوة وقابلة للتفكك في أي لحظة؟