جاء في الاخبار أن رئيس جنوب السوان سلفاكير، قد أصدر قرارًا بإعفاء أعضاء لجنة القضاء البالغ عددهم ثلاثة عشر قاضيًا. وكان القضاء قد دخلوا في اضطراب عن العمل منذ مايو الماضي، احتجاجًا على تدنى أجورهم، بالاضافة لجملة من المطالب الأخرى. هذا القرار ضد المؤسسة القضائية، يعكس إحدى أوجه الخلل العديدة في الدولة، ويضيف مآساة أخرى ضمن قصص سوء الحكم فيها. ولعل الأغرب ما في الأمر هو تزامنه مع الذكرى السادسة لإعلان الدولة. المناسبة التي يفترض أن ترسم الابتسامة على عامة الشعب أو هكذا نفترض!  

يتجدد الحديث والنقاش كل عامٍ، في بحر هذا الاسبوع، حول تجربة جنوب السودان. كثير من هذه التساؤلات تٌطرح سواء كان ذلك في جوبا – عاصمة الدولة المضطربة، أم في العواصم الإقليمية أو الدولية. ما الذي جرى؟ هل أخطأ العالم بالاعتراف بدولة تنبأ المراقبون بفشلها منذ البداية. من يحتمل المسؤولية؟ الحزب الحاكم – الحركة الشعبية لتحرير السودان أم النخب الجنوب سودانية أو المجتمع الدولي في الإطار الأوسع، ودول الترويكا، النرويج، بريطانيا، والولايات المتحدة الامريكية بصفة خاصة، مثلما ذهب الباحث والأكاديمي محمود ممداني. بلا شك هذه أسئلة مهمة ومقلقة في آنٍ واحد.  وتزداد صعوبة الإجابة عن التساؤلات السابقة، لمن شارك في عملية التصويت في الاستفتاء الذي أدى لإعلان الدولة عام 2011، مثل كاتب هذه السطور.  ولذلك، فإن المقال لن يطمح إلى الإجابة لكل لما سبق، بقدر ما يسعى لفتح بابٍ للنقاش والحوار العميق تجاه تجربة السنوات الستة الماضية، من وجهة نظر داخلية.

مؤشرات هذا الفشل كان واضحة للعيان، منذ تجربة الفترة الانتقالية، التي تلت توقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005

في تشريح جذور الأزمة: استمرارية لعنة التحرير

نقطة البداية التي لا يتوقف عندها الكثيرين، هو أن مؤشرات هذا الفشل كان واضحة للعيان، منذ تجربة الفترة الانتقالية، التي تلت توقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005، عندما تم تكوين هياكل ومؤسسات حكومة جنوب السودان، فقد عمد قادة الحركة الشعبية على إضفاء الشرعية لحزبهم الحاكم، بحجة أنهم المحررين (The Liberator)، أي لهم الحق في فعل ما يريدون. بعد الفراغ الذي تركه الغياب المبكر لمؤسسها جون قرنق، الذي رحل في حادثة تحطم طائرة الرئاسة الأوغندية التي كانت تقله في جبال الاماتونج. إلا أنها لم تستطع ملء هذا الفراغ، الذي أدخلها في معادلة صعبة، ما بين الالتزام برؤية القائد الراحل من ناحية، وما بين رؤى قائد الحركة الجديد. طيلة فترة الشراكة مع المؤتمر الوطني 2005-2011. كذلك لم تستطع الحركة أيضًا أن تتحول من حركة ثورة إلى حزبٍ سياسي يمارس العملية السياسية السلمية. خصوصا بعد أن توفرت لها كل الظروف الموضوعية والموارد المالية اللازمة. هذا العجز كان له ما بعده في الأزمة الراهنة.

يسمى البروفيسور كريستوفر كلافام هذه الظاهرة بلعنة التحرير (Liberations Curse). ويرى، أن حركات التحرر الوطني في القارة الافريقية، ومنطقة القرن الافريقي بصفةٍ خاصة. سرعات ما تفشل في ترجمة شعاراتها إلى برنامجٍ معاش بعد فوزها أو وصولها للسلطة. وتعد تجربة الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في إريتريا، الأكثر تأكيدا على هذه الحالة. فتجربتها السياسية منذ استقلالها عن أثيوبيا في 1993، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحرب، انتهت باستبدادية الحزب ودكتاتورية الرئيس الإريتري أسياس أفورقي.

امتد هذا الفشل ليشمل الجيش الشعبي لتحرير السودان، الركن الثاني من المعادلة، فالبرغم من النجاح النسبي لسلفاكير في هذا الجانب، بعد توصله لاتفاق مع قوات دفاع جنوب السودان

فقد كان من المأمول أن تنصرف جهود الحركة الشعبية لإنجاز مشاريع التنمية وبناء البنية التحتية للدولة من مستشفيات، مدارس، وطرق، إلا أن ما حدث هو العكس، فقد انشغلت الحركة بمعركة السلطة، وتوزيع اموال البترول والمانحين فيما بينهم، وأضحت الوزارات والمناصب العليا في الدولة، ميدان تنافسٍ بين قادة الحزب. بالإضافة إلى لاستشراء الفساد والانتهازية السياسية، جراء تلك الممارسات. وتباروا في إطلاق التصريحات الصحفية أنهم سيحكمون الدولة لأكثر من مئة عام.  

من ناحية أخرى، امتد هذا الفشل ليشمل الجيش الشعبي لتحرير السودان، الركن الثاني من المعادلة، فالبرغم من النجاح النسبي لسلفاكير في هذا الجانب، بعد توصله لاتفاق مع قوات دفاع جنوب السودان، فيما عرف بإعلان جوبا مطلع عام 2006، التي تم فيها استيعاب الأخيرة لصفوف الجيش الشعبي، إلا أن الجيش الشعبي، لم يتطور إلى مستوى الاحترافية العسكرية المعروفة. النتيجة، أدت هذه اللعنة اندلاع أحداث 15 ديسمبر 2013، وما بعدها. التي لم تكن مفاجئة بالمرة، ولكن لم نتوقع أن تكون بمثل تلك الوحشية.  

هناك إذ ضرورة ماسة للتُعلم من الأخطاء السابقة، ولا بد من التذكير هنا بأهمية الإقرار بهذه الأخطاء، لتفادى سيناريو انهيار الدولة أو تفككها إذا لم يعدل المسار

رأى العديد من المراقبين والمحللين أن هذا الفشل مرده لأسبابٍ عديدة، فمنهم من عزاها للعامل القبلي، بينما ذهب آخرين للتأكيد على ضعف مؤسسات الدولة من جهة، استشراء الفساد من جهة أخرى. وطرح آخرون محورية العوامل الإقليمية، بالإضافة إلى أطروحات آخرى. إلا أن جميع هذه التفسيرات تغفل دور النخب الجنوب سودانية، سلبًا وايجابًا. ولعلى هنا أتفق مع أطروحة مايكل بروان في دراسته المتميزة “The Causes of Internal Conflict"، التي يرفض فيها المسلّمة التي غالبًا ما يثيرها الباحثين في مثل هذه الصراعات، وهي فرضية الأحقاد التاريخية (Ancient Hatreds). إذ يرى، أنَّ هذا العامل وحده ليس كافيًا لتفسير حدوث أي نزاع. ويحاجج بضرورة أخذ دور النخب المحلية في نشوء هذه الصراعات، كمقاربة تفسيرية. وبرأيي، تشكّل هذه الأطروحة مقاربة مختلفة عن المقاربات التقليدية التي تٌحصر النزاعات في أسبابٍ مثل ضعف الدولة، العامل التاريخي أو الديني، الإثيني أو القبلي، وخصوصا الأخيرة.، التي أصحبت بمثابة الإجابة الجاهزة لكثير من المحللين.

هل من حل في الأفق؟  

يٌصعب على المرء الحديث بنبرة من التفاؤل في مثل هذه الحالات، فنظرة سريعة عبر محرك البحث غوغل، كفيلة بقتل أي تفاؤل يمكن أن يحمله المرء. فكل ما يرد عن جنوب السودان من اخبار حاليًا، تعكس عمق الأزمة واستفحالها. مع ذلك، كما رأينا في تجارب دول وأمم أخرى، أن مهما كانت المآسي فلابد أن تنتهي يومًا ما. وبالطبع، هذا لا يدخل ضمن خانة التمنيات، بل من مشاهدة أحداث مماثلة في دول مشابهه. ولكنها استطاعت أن تنهض من جديد بفضل وعي قادتها بأهمية تجاوز الصراعات العنيفة والمرارات الشخصية، ولعل تجربة رواندا خيار مثل لمثل هذه الحالات.

هناك إذ ضرورة ماسة للتُعلم من الأخطاء السابقة، ولا بد من التذكير هنا بأهمية الإقرار بهذه الأخطاء، لتفادى سيناريو انهيار الدولة أو تفككها إذا لم يعدل المسار. وبرأيي، يجب الضغط على جميع الفاعلين السياسيين والعسكريين، بدءا من حكومة سلفاكير وأعوانه، مرورًا بأطياف المعارضة المدنية والمسلحة على حدّ سواء، للوصول لتسوية سياسية جديدة بعد انهيار اتفاقية السلام بعد أحداث يوليو 2016، وتداعياتها التي أدت لإخراج طرفي الاتفاق، رياك مشار ولام أكول من البلاد والسلطة. كذلك، لابد من عقد مؤتمر مائدة مستديرة، يشارك فيها كل أطراف المصلحة بعيدًا عن الحوار الوطني الدائر الآن، الذي أطلقه سلفاكير في ديسمبر من العام الماضي، لأن هذا الحوار القصد منه الحفاظ على الأوضاع الراهنة كأمرٍ واقع، ولإيجاد شرعية جديدة لسلفاكير وحلفائه. خلاصة الأمر، لا مخرج إذن من الأزمة الراهنة سوى معالجة المشكلة من جذورها، المتعلقة بالحكم، الديمقراطية، المشاركة السياسة، مهنية الجيش، والمساءلة، غير ذلك يبقي الأمر مجرد بيعِ للأوهام.