يعتمد البعض في أغلب الأوقات كلمة أو تعبير البروباجندا بالتعبير السيء لوصف الأمور، لا سيما إن كانت مسائل خاصة بالسلطة والحكم، إلا أنها في الواقع مجرد تعبير عن تحريك الشعوب والجماهير في اتجاه معين لتنفيذ غاية معينة، في أغلب الأمر تكون البروباجندا موجهة خصيصًا من الأعلى، أي من الأكثر قوة، أو سلطة أو نفوذًا إلى الأقل والأضعف في ذلك، يأتي هنا مثال الرؤساء والجماهير مثالًا واضحًا، ولكن كيف يكون الوضع إن كانت البروباجندا بين الصفوف المختلفة من الشعب نفسه؟

يأتي الشعب التركي مثالًا شديد الوضوح حيال البروباجندا الشعبية، فاليوم في الخامس عشر من تموز/يوليو لن يخرج الشعب التركي احتفالًا بذكرى الانتصار على محاولة الانقلاب الفاشلة في العام الماضي فحسب، بل سيخرج احتفالًا بنفسه وبإثباته على الرغم من الاختلافات بين صفوفه على أنه الصاحب الأول والأخير لتراب هذه البلاد، وهذا هو الغرض الأساسي من توجيه تلك الحشود والجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

ما بين صور ومقاطع للفيديو، وخطابات حماسية، ومقاطع مصورة لإحياء ذكرى أحداث ليلة الانقلاب الفاشل في تركيا، وتلجين لأغاني خاصة تمجيدًا للشهداء والمصابين، وما بين توحيد الصور الشخصية على حسابات مختلف منصات مواقع التواصل الاجتماعي لجهات مسئولة ولمستخدمين من صفوف الشعب التركي، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي باحتفالات مختلفة من بروباجندا إعلامية شاملة للاحتفال بنصر الشعب التركي على محاولة الانقلاب الفاشلة منذ عام مضى.

من فترة ليست ببعيدة عن هذا اليوم،  قامت الجهات المسئولة من الحكومة التركية والأحزاب المختلفة بتوحيد الصور الخاصة بحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة وأهمها فيسبوك و تويتر إلى صورة العلم التركي بلونه الأحمر ممزوجًا بذكرى محاولة الانقلاب الفاشل، مستبدلين في شعارهم النجمة التي هي مركز الهلال والعلم إلى رقم 15 مشيرين إلى تاريخ هذا اليوم المحفور في قلوبهم.

كل شبر من أرض الوطن هو بمثابة شرفنا

على الرغم من حدة الاختلافات في الداخل التركي التي وصلت إلى ذروتها عقب ظهور نتائج الاستفتاء التركي في إبريل/نيسان الماضي معلنًا تحول نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي في الجمهورية التركية، إلا أن البروباجندا الإعلامية لم تقتصر هنا على الجهات الحكومية فقط، بل امتدت إلى صفوف الشعب المختلفة، من ينتمي منهم للتيارات السياسية ومن لا ينتمي، ليخرج الكل معلنًا عن ولائه لتراب الوطن في الأساس قبل كل شيء.

ملحمة الخامس عشر من تموز/يوليو

يأتي الشعب التركي مثالًا شديد الوضوح حيال البروباجندا الشعبية، فاليوم في الخامس عشر من تموز/يوليو لن يخرج الشعب التركي احتفالًا بذكرى الانتصار على محاولة الانقلاب الفاشلة في العام الماضي فحسب، بل سيخرج احتفالًا بنفسه وبإثباته على الرغم من الاختلافات بين صفوفه على أنه الصاحب الأول والأخير لتراب هذه البلاد

تولت رئاسة الجمهورية التركية جنبًا إلى جنب مع وسائل إعلامها الرسمية قيادة الحملة الإعلامية لذكرى محاولة الانقلاب الفاشلة، وكان التركيز الأكبر في تلك الحملة، سواء كانت مقاطع فيديو أو دعايات إعلانية مصورة، على شهداء وضحايا ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو، حيث تولت الحملة إعادة إحياء ذكراهم بصورة عبقرية من خلال تصوير مقاطع فيديو قصيرة عنهم  أثناء تضحيتهم بأرواحههم على جسر "البوسفور" الذي سُمي فيما بعد بجسر شهداء الخامس عشر من تموز.

وكالة الأناضول الإعلامية التركية تستعرض أسماء شهداء ليلة الانقلاب، وتنهي العرض بشعار "الوطن أمانة في يدينا"

انتشرت علي مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة وبالأخص على حسابات ممثلي وأعضاء الحكومة التركية بالإضافة إلى أعضاء حزب العدالة والتنمية وأعضاء أحزاب المعارضة صورلشهداء تلك الليلة، مصحوبة بأسمائهم وتصاميم لصورهم، منهم المدنيين وأفراد من الشرطة والجيش، مصحوبة بمقاطع من الشعر أو مقاطع الفيديو بصوت الرئيس "رجب طيب أردوغان" مؤكدًا على أن الشعب التركي لم ولن ينسى هؤلاء الضحايا والشهداء.

في هذا المقطع بعنوان "الوقت حان" من إنتاج وكالة الأناضول الإعلامية برعاية رئاسة الجمهورية،  تم فيه تصوير فئات الشعب التركي المختلفة، المُحافظ منها والعلماني، والمدنيين والعسكر كل جنبًا إلى جنب يحارب المتآمرين على الوطن كما يحب أن يصفهم "أردوغان" في مختلف ميادين البلاد، وأهمها مدينة إسطنبول التي حاول المتمردين السيطرة على أهم منافذها، إلا أن في غضون ساعات خرجت الحشود والجماهير من بيوتها، وتحدت أنفسها والمتمردين على المساس بديمقراطية و حقوق الشعب التركي، فخرجت لحماية تراب الوطن أمام رصاص المتمردين.

يصور المقطع ضحايا ومصابي تلك الليلة التي يسميها الرئيس التركي "أردوغان" بالملحمة التركية، والتي تعني للأتراك اعتبار كل شبر من أرض الوطن بمثابة شرفهم أنفسهم، ليدافعوا عنه كما لو كانوا يدافعون عن شرفهم بالفعل، حيث يصدر صوت الرئيس في خلفية أحداث المقطع أثناء سقوط الضحايا واحدة تلو الأخرى على ذلك الجسر موجهًا حديثه للمتمردين قائلًا بأنهم لن ينجحوا، ولن يستطيعوا التفرقة بين أبناء الشعب، ولن يقدروا على إسقاط العلم التركي بعد أن كان شامخًا.

تولت رئاسة الجمهورية التركية جنبًا إلى جنب مع وسائل إعلامها الرسمية قيادة الحملة الإعلامية لذكرى محاولة الانقلاب الفاشلة، وكان التركيز الأكبر في تلك الحملة، سواء كانت مقاطع فيديو أو دعايات إعلانية مصورة، على شهداء وضحايا تلك الليلة

الهلال الأحمر التركي يحتفل بيوم النصر

في هذا المقطع يخرج لنا مجموعة من شباب الهلال الأحمر التركي "Türk Kızılayı" منشدين النشيد الوطني التركي الذي يبدأ بمقطع عن عدم الخوف، إلا أنهم لا ينشدون النشيد كما هو مألوف، بل يرددون عباراته في حزم شديد، ويكأنه أمر على الشعب التركي الالتزام بما جاء في النشيد القومي، مثل، لا تخف فلن تطفيء هذه الراية الحمراء التي تُرفرف في السماء، نجم الأمة سيبقى لامعًا، فهو ملك لي فقط، وملك للأمة فقط، وأن الأمة على أتم استعداد بالتضحية بحياتها من أجل ذلك الهلال، كناية عن العلم التركي.

انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة حسابات باسم "ملحمة الخامس عشر من تموز/يوليو" (15 Temmuz Destani) لإعادة إحياء ذكرى تلك الليلة، قاموا بنشر تصاميم تحمل شعار الرئاسة التركية، تصاميم مرسومة بدقة تعيد رسم المشاهد الحية على أرض الواقع في تلك الأثناء العصيبة التي استمرت لمدة ستة ساعات من التوتر، تحمل التصاميم أيضًا شعار يقول بأن تلك الفعاليات من أجل إحياء ذكرى الشهداء.

تقنية الواقع المعزز للاحتفال

لم يكفي الأتراك الاحتفال وانتاج مقاطع الفيديو المختلفة وتلحين الأغاني للاحتفال بنصر الخامس عشر من تموز/يوليو، بل قامت وسائل الإعلام التركية TRT بدمج تقنية الواقع المعزز  AR للاحتفال بالنصر أيضًا عن طريق تحميل تطبيق تركيا أر (Turkiye AR)  ليقوم المستخدم بعد ذلك بعمل مسح (Scan) لصورة العلم التركي ليستطيع مشاهدة المحتوى التفاعلي الخاص باحتفالات النصر.

كما خرج الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو من خلال مكالمة "فيس تايم" يدعو الجماهير للخروج إلى الشوارع لردع محاولة الانقلاب عن تحقيق غايتها في الانقلاب على الديمقراطية وحرية اختيار الشعوب، خرج أيضًا ليلة أمس يدعوهم إلى الميادين للاحتفال بنصرهم في نفس الليلة منذ عام مضى، لتمتلأ بالفعل ميادين وساحات البلاد في مختلف الولايات، لإثبات وحدة الصف التركي أمام كل من يحاول العبث به وبحريته.

وكما هو معروف عن البروباجندا بأنها وقود الثورات، وهي العبارة التي ربما لن يصدقها الكثيرون لارتباط مصطلح البروباجندا بالتأثير السلبي على الجماهير والحشود، إلا أنها في ذات الوقت يمكنها أن تحشد الجماهير لأغراض ثورية، فتعريف البروباجندا ذاته لا تحمل لغته أي نوع من الإيجابية ولكنها أيضًا لا تحمل أي نوع من السلبية، فالبروباجندا باختصار هي طريقة تدفعك للإيمان بشيء ما، وفي حالة الشعب التركي اليوم، فهي دفعتهم للإيمان بحرية اختيارهم وديمقراطية بلادهم، وفي كونهم هم وحدهم لهم الحق في تقرير المصير.