خلال إحدى مباريات كأس العالم عام 1990، التي أحرزت ألمانيا لقبها، أدلى اللاعب الانجليزيّ الشهير غاري لينيكر، الذي أصبح فيما بعد واحدًا من أشهر المعلّقين الرياضيين، بتصريحٍ عفويٍّ سريعٍ بقي خالدًا في ذاكرة كلّ متابعٍ للكرة العالميّة، إذ قال: " كرة القدم لعبةٌ بسيطةٌ تتألّف من 22 لاعبًا يتنافسون على الكرة طوال 90 دقيقة، وفي النهاية الألمان دائمًا يفوزون!".

مشاهد من الألقاب الأربعة التي حقّقتها ألمانيا بكأس العالم

لم يدلِ النجم الإنجليزيّ بتصريحه عن عبث، فالمتابع لمسيرة المنتخب الألمانيّ في البطولات الكبرى يدرك أنّه أمام جبلٍ شامخٍ من جبال كرة القدم العالميّة، استطاع الحفاظ على رسوخه وثباته ضمن نخبة القوى الكرويّة الكبرى على مستوى العالم طيلة أكثر من 60 عامًا، جمع خلالها من الكؤوس والألقاب ما لم يضاهه سوى منتخبي البرازيل وإيطاليا، إذ يحتل "الناشيونال مانشافت" المركز الثاني -مناصفةً مع إيطاليا- في عدد مرّات إحراز لقب كأس العالم، برصيد أربعة ألقابٍ، متأخّرًا بفارق لقبٍ واحدٍ عن نظيره البرازيلي.

أحرزت ألمانيا لقب كأس العالم أربع مرّاتٍ أعوام: 1954، 1974، 1990، و2014

كما يحتلّ "منتخب الماكينات" المركز الأوّل في عدد مرّات بلوغ المباراة النهائيّة لكأس العالم برصيد ثماني مرّات، وكذلك في عدد مرّات بلوغ الدّور نصف النهائيّ، الذي بلغه في 13 مناسبةً من أصل 18 مشاركةً، فضلًا عن كونه أكثر الفرق خوضًا للمباريات في كؤوس العالم برصيد 105 مباريات، وأكثر الفرق تسجيلًا للأهداف برصيد 223 هدفًا، بفضل مهاجميه الرائعين، وعلى رأسهم هدّاف ألمانيا التاريخي ميروسلاف كلوزة الذي سجّل 16 هدفًا، وضعته في صدارة اللاعبين الأكثر تسجيلًا للأهداف في تاريخ بطولات كأس العالم.

هدّاف ألمانيا التاريخي ميروسلاف كلوزة حاملًا كأس العالم عام 2014

ولا تقتصر إنجازات المنتخب الألماني وأرقامه القياسيّة على بطولات كأس العالم، بل يعتبر حامل الرقم  القياسي في عدد مرّات الفوز ببطولة أمم أوروبّا –بالمناصفة مع المنتخب الإسباني- برصيد ثلاثة ألقاب، فضلًا عن كونه أكثر من لعب نهائيّ البطولة القارّية برصيد ستّة نهائيّات.

أحرزت ألمانيا كأس الأمم الأوروبيّة ثلاث مرّات أعوام: 1972، 1980، و1996

أمّا على صعيد بطولات الأندية الأوروبيّة، فتمتلك الكرة الألمانيّة رصيدًا محترمًا، قوامه سبعة ألقابٍ في المسابقة الأوروبيّة الأبرز: دوري الأبطال، تمّ تحقيقها عبر ثلاثة أنديةٍ، يتقدّمها العملاق البافاري بايرن ميونيخ الذي أحرز اللقب خمس مرّات، مقابل مرّةٍ واحدةٍ لكلٍّ من هامبورغ وبروشيا دورتموند، كما أحرزت أندية ألمانيا لقب مسابقة الدّوري الأوروبيّ –كأس الاتّحاد سابقًا- ستّ مرّات، ولقب مسابقة أبطال الكؤوس خمس مرّات، إضافةً إلى لقبٍ وحيدٍ في كأس السوبر الأوروبي، جاء بواسطة فخر الصناعة الألمانيّة: بايرن ميونيخ.

نادي بايرن ميونيخ الألماني بطل الشامبيونز ليغ لعام 2013

وإذا عدنا إلى بدايات الكرة في ألمانيا، نجد أنّ الاتّحاد الألماني تأسس عام 1900، وبدأ في تنظيم مسابقات الأندية المحليّة فور تأسيسه، فيما تأخّر ظهور أوّل منتخب وطنيٍّ ألمانيٍّ حتّى عام 1908، الذي شهد يوم الخامس من أبريل منه إقامة المباراة الرسميّة الأولى للناشيونال مانشافت، وكانت أمام جاره السويسري في مدينة بازل، وانتهت بفوز الجيران بنتيجة 5-3.

بلغت ألمانيا نهائيّات كأس العالم 18 مرّة، ولم تغب سوى عن نسختي عامي: 1930 و1950

ولم يتأخّر ظهور ألمانيا في بطولات كأس العالم كثيرًا، إذ شهدت البطولة الثانية التي استضافتها إيطاليا عام 1934، انطلاقةً مثاليّةً للماكينات الألمانيّة، لم يعكّرها سوى الخسارة أمام تشيكوسلوفاكيا في الدّور نصف النهائي، فيما حالت الظروف السياسيّة دون ظهور المانشافت بمظهرٍ لائقٍ خلال بطولة العالم التالية عام 1938، حيث دخلت البلاد في معمعة الحرب العالميّة الثانية بعدها بأشهر، ليتوقّف النشاط الكروي في ألمانيا طيلة عقدٍ كامل، شهد انفراط عقد المنتخب الوطني، والزجّ بمعظم لاعبيه في صفوف الجيش النازي.

فرحة لاعبي ألمانيا بتحقيق كأس العالم لأوّل مرّة عام 1954

لم تداوِ الكرة الألمانيّة جراحها بعد مأساة الحرب وتتعافَ حتّى مطلع الخمسينيّات، حين لملم المدرّب القدير سيب هيربرغر شتات اللاعبين الألمان الموزّعين في شرقيّ القارّة العجوز وغربها هربًا من ويلات الحرب، وكوّن منتخبًا محترمًا استطاع بلوغ نهائي بطولة كأس العالم الرابعة المقامة في سويسرا عام 1954، وفاجأ العالم بتغلّبه على منتخب المجر الرهيب، حين قلب الألمان بقيادة هيلموت ران وماكس مورلوك وفريتز والتر، تأخّرهم بهدفين أمام رفاق الأسطورة المجريّة بوشكاش في بداية المباراة، إلى فوزٍ تاريخيٍّ بنتيجة 3-2، في نهائيّ البطولة الشهير الذي عُرف بمعجزة برن.

حققت ألمانيا لقبها العالمي الأوّل بمونديال سويسرا عام 1954 بفوزها في النهائي على المجر

ومنذ ذلك التاريخ، لم تغب شمس ألمانيا عن نهائيّات كأس العالم، فبلغ المانشافت نصف نهائي مونديال السويد عام 1958، وربع نهائي مونديال تشيلي عام 1962، قبل أن يبلغ نهائيّ مونديال إنجلترا عام 1966، ويخسر أمام منتخب البلد المضيف بنتيجة 2-4، بعد هدف الإنجليزي جيف هيرست في الوقت الإضافي، والذي جاء من كرةٍ لم تتجاوز خطّ المرمى!

القيصر فرانس بيكنباور قاد ألمانيا لتحقيق كأس العالم لاعبًا ومدرّبًا

وبما أنّ معظم فترات المنتخب الألمانيّ كانت ذهبيّةً، يصح تسمية فترة السبعينيّات بالحقبة الماسيّة، فقد كوّن المدرّب الشهير هيلموت شون فريقًا رائعًا، عماده القيصر فرانك بيكينباور، إلى جانبٍ عددٍ من كبار النجوم، كالحارس سيب ماير، المدافعين بول برايتنر وهانز شفارزنبيك، الجناحين يوب هاينكس وأولي هونيس، والهدّاف الأسطوري غيرد مولر، الذين استطاعوا قيادة المانشافت لبلوغ نصف نهائيّ مونديال المكسيك عام 1970، قبل أن يحرزوا لقبهم الأوّل في بطولة كأس الأمم الأوروبيّة، في مشاركتهم الأولى التي جاءت في بلجيكا عام 1972، وفازوا في نهائيّها على الاتّحاد السوفييتي بنتيجة 3-0.

حققت ألمانيا لقبها العالميّ الثاني عام 1974 على أرضها بفوزها في النهائي على هولندا

وتابع ذلك الجيل تألّقه، فاستغلّ استضافة بلاده فعّاليّات مونديال عام 1974، ليهدي الشعب الألماني ثاني ألقابه في كأس العالم، بعد تفوّقه في المباراة النهائيّة على المنتخب الهولندي، في لقاءٍ جمع أسطورتين كرويتين خالدتين، وانتهى بتفوّق رفاق القيصر بيكينباور على رفاق يوهان كرويف بنتيجة 2-1.

واستمرّ معظم لاعبي الجيل الماسي للمانشافت حتّى عام 1976، الذي شهد بلوغهم نهائيّ بطولة أمم أوروبّا للمرّة الثانية تواليًا، حيث كانوا قريبين من تحقيق اللقب الثاني لولا هزيمتهم بركلات الترجيح أمام تشيكوسلوفاكيا

هدف الألماني بريمة في نهائي كأس العالم عام 1990

وبعد اعتزال الأسطورة بيكينباور، ظهر جيلٌ ألمانيٌّ جديدٌ لا يقل تألّقًا عن سابقه، قوامه نجومٌ كبارٌ ككارل هانز رومينيغة، بيرند شوستر، برنارد ديتز، والحارس هارولد شوماخر، استطاع إحراز لقب كأس أمم أوروبّا عام 1980، قبل أن يبلغ نهائيّ مونديال إسبانيا عام 1982، ويخسر أمام إيطاليا بنتيجة 1-3، في واحدةٍ من أمتع مباريات الكرة عبر تاريخها.

حققت ألمانيا لقبها العالمي الثالث بمونديال إيطاليا عام 1990 بفوزها في النهائي على الآرجنتين

وأعاد نجوم ألمانيا بقيادة القيصر فرانس بيكينباور، الذي أصبح مدرّبًا للمانشافت، الكرّة في المونديال التالي، الذي استضافته المكسيك عام 1986، حيث بلغوا المباراة النهائيّة وخسروا أمام رفاق أسطورة الآرجنتين دييغو مارادونا بنتيجة 2-3، دون أن ينال ذلك من عزيمتهم، إذ جدّدوا تأهّلهم إلى نهائيّ المونديال العالمي في إيطاليا عام 1990، ونجحوا في تحقيق لقبٍ أنساهم هزيمة نهائي النسختين الماضيتين، بعد فوزهم الانتقامي على الآرجنتين بهدفٍ أحرزه أندرياس بريمة.

منتخب ألمانيا الفائز بكأس أمم أوروبّا لعام 1996

واستمرّت الماكينات الألمانيّة بتصنيع أجيالٍ كرويّةٍ ذهبيّة، فبعد جيل أبطال العالم: لوثار ماتيوس، رودي فولر، توماس هاسلر، ويورغن كلينسمان، جاء الدّور على جيل: ماتياس زامر، محمد شول، وأوليفر بيرهوف، الذين قادوا المانشافت لإحراز لقبه الثالث في أمم أوروبّا عام 1996، وسلّموا من بعدهم المشعل لجيل مطلع الألفيّة بقيادة: مايكل بالاك، ميروسلاف كلوزة، بيرند شنايدر، والحارس أوليفر كان، الذين استطاعوا بلوغ نهائيّ كأس العالم عام 2002، حيث خسروا أمام المنتخب البرازيلي بهدفي الظاهرة رونالدو.

خسرت ألمانيا نهائيّ كأس العالم أربع مرّات أعوام: 1966، 1982، 1986، و2002

واستمرّ نحس الأدوار النهائيّة يلاحق المانشافت، ففشلوا في تجاوز الدّور نصف النهائيّ من مونديال عام 2006 الذي استضافته بلادهم، بسقوطهم أمام المنتخب الإيطالي، قبل أن يخسروا نهائي بطولة أمم أوروبّا عام 2008 أمام المنتخب الإسباني، الذي كان السبب أيضًا في وداعهم مونديال عام 2010 من الدّور نصف النهائيّ، وهو ما تكرّر في بطولة أمم أوروبّا التالية عام 2012 على يد الغريم الإيطالي.

منتخب ألمانيا حامل لقب بطولة كأس العالم عام 2014

ورغم ذلك النحس الغريب، لم تهتزّ ثقة الاتّحاد الألماني بالمدرّب الشاب يواكيم لوف، الذي تولّى تدريب المانشافت اعتبارًا من شهر يوليو من عام 2006، بعد أن شغل منصب المدرّب المساعد ليورغن كلينسمان مدّة عامين، ليكافئهم لوف بتحقيق إنجازٍ طال انتظاره، تمثّل بالفوز بلقب كأس العالم بعد غياب 24 عامًا، وذلك في مونديال البرازيل الأخير عام 2014، والذي عطّلت فيه الماكنات الألمانيّة سحر السامبا صاحبة الضيافة بسباعيّةٍ تاريخيّةٍ موجعة في نصف النهائي، قبل أن تكمل الإنجاز بالفوز على الجار اللاتيني الآخر: الآرجنتين، في النهائيّ المثير الذي انتهى بهدفٍ وحيدٍ حمل توقيع البديل ماريو غوتزة.

فرحة لاعبي ألمانيا بلقب كأس القارّات الأخير

ولم يربك اعتزال بعض صانعي إنجاز كأس العالم، كباستيان شفاينيزتايغر، فيليب لام، لوكاس بودولسكي، بير مرتساكر، وميروسلاف كلوزة، ولا الفشل في تجاوز نصف نهائي بطولة اليورو الأخيرة، حسابات المدرّب الناجح لوف، فاستعان بعددٍ من الوجوه الجديدة لتعويض تلك الغيابات، لتكوّن مع من تبقّى من جيل أبطال العالم، كمسعود أوزيل، توني كروس، سامي خضيرة، جيروم بواتينغ، توماس موللر، ماتس هوميلز، والحارس مانويل نوير، لبنة جيلٍ ألمانيٍّ جديدٍ قادرٍ على المنافسة بقوّةٍ على لقب كأس العالم القادم في روسيا عام 2018.

حققت ألمانيا لقبها الأوّل في كأس القارات في روسيا عام 2017 بفوزها في النهائي على تشيلي

وقد جاءت بطولة كأس القارّات الأخيرة، التي أحرز المانشافت لقبها قبل أسابيع في روسيا، بفوزه على تشيلي بهدفٍ وحيدٍ في مباراتها النهائيّة، لتضع تلك الوجوه الأقل شهرةً تحت الضوء، كما هو الحال لدى يوليان دراكسلر، تيمو فيرنر، يوناس هيكتور، ليون غوريتسكا، أنتونيو روديغير، جوشوا كيميتش، إيمري جان، لارس ستيندل، والحارس مارك تير شتيغن.

المدرّب الحالي لمنتخب ألمانيا يواكيم لوف

وتقوم فلسفة المدرّب الحالي للمانشافت يواكيم لوف، على مبادئ لطالما تبنّاها مسيّرو الكرة الألمانيّة، وهي تعدّ -دون شكٍّ- السرّ في حفاظ الألمان على مستواهم الكرويّ المرتفع طيلة أكثر من 60 عامًا، وتتلخّص تلك المبادئ بنقطتين رئيسيّتين:

الأولى: ترسيخ مبدأ اللعب الجماعي، حيث لا مكان للاستعراض والنجوميّة الفرديّة في صفوف أيّ منتخبٍ ألماني، بل تعاونٌ وتضامنٌ وتعبٌ وعرَقٌ يبذله الجميع ويحصد ثماره الجميع، ولا يُستثنى منه حتّى كبار النجوم كبيكينباور وماتيوس وبالاك وكلوزة وغيرهم.

والثانية: منح الفرصة للاعبين الشباب، ليكونوا على أهبة الاستعداد لتعويض الكبار فور اعتزالهم أو تراجع مستواهم، وهو ما لاحظناه في بطولة كأس القارّات، التي استغلّ خلالها شبّان المانشافت غياب النجوم الكبار، ليثبتوا جدارتهم بارتداء قميص المنتخب الألماني، وحمل شعلة تألّقه الوقّادة التي تأبى أن تخبو.