هل تتذكرون ما قاله العاهل السعودي الراحل، الملك فيصل بن عبد العزيز، خلال مقابلة له مع محطة "بي بي سي" البريطانية بعد حرب أكتوبر 1973، حين وجه المذيع سؤاله: "أود أن أسأل جلالة الملك: ما هو الحدث الذي ترغب في أن تراه يحدث الآن في الشرق الأوسط؟" فأجابه بثبات: "أول كل شيء زوال (إسرائيل)"؟

وبعد تلك التصريحات بحوالي 42 عامًا وبالتحديد في يونيو 2015 ، ينتفض اللواء أنور عشقي الذي عمل مستشارًا لرئيس المخابرات السعودية السابق، ضد التهم الموجهة إليه بزيارة تل أبيب ولقاء بعض المسئولين الإسرائيليين بهدف التنسيق في بعض المجالات، ليدافع عن نفسه قائلا "مَن يكتبون بعض الكلام عليهم التأكد، فأنا لم أقم بزيارة إسرائيل، بل ذهبت لرام الله بدعوة من الفلسطينيين، واجتمعنا مع أسر الشهداء وواسيناهم، وحضرنا زفاف ابن مروان البرغوثي؛ أحد المعتقلين ورمز القضية الفلسطينية".

ثم بعدها بعام واحد فقط وفي 2016 يطلق الأمير الوليد بن طلال قنبلته المدوية معلنًا "فخره بأن يكون أول سفير سعودي لـ"إسرائيل"، لأجل العمل مع تل أبيب" وذلك على سبيل التمني.

والأمس هاهو ثامر السبهان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، يغرد قائلا " في الماضي نشتكي من عداوة إسرائيل والآن أصبح إخوة لنا اشد كرها وحربا علينا منها، مجازر تهجير تنكيل إعلام مدسوس وإثارة فتن(نعيب زماننا....)"

4 تصريحات ما بين 1973 وحتى 2017 ترسم منحنى العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الكيان الصهيوني، بدءا بتمني زوالها ثم رفض أي اتهامات بالتقارب معها مرورًا بإبداء الفخر لفتح باب التعاون وصولا إلى أنها أكثر قربًا وأقل خطورة على السعوديين من الأشقاء العرب والمسلمين... فهل تواصل الرياض قيادة قطارها السريع نحو التطبيع وكيف يستقبل السعوديون هذا التحول في نظرتهم لـ "إسرائيل" من عدو إلى دولة صديقة؟

الأمير الوليد بن طلال يعلن  "فخره بأن يكون أول سفير سعودي لـ"إسرائيل"، لأجل العمل مع تل أبيب" كأمنية له.

تطبيع غير مشروط

بحسب الشواهد والأدلة فإن السعودية في عهد محمد بن سلمان من الواضح أنها ستختلف كلية وتفصيلا عنها قبل ذلك، خاصة فيما يتعلق بمسألة التقارب مع "الكيان الصهيوني" والسير بخطوات مسرعة نحو تفعيل "تطبيع كامل" في العلاقات بينهما بما يتناقض تمامًا مع العقيدة السعودية في هذا المجال منذ نشأة هذا الكيان عام 1948.

قبيل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرياض مايو الماضي نادت بعض الأصوات السعودية بضرورة أن تبادر الدول العربية والإسلامية بخطوات تطبيعية مع تل أبيب، دون شروط مسبقة، في إطار مساعي محمد بن سلمان لتقديم أوراق اعتماده لدى الإدارة الأمريكية الجديدة، وذلك حسب تسريب نقله "العربي الجديد" عن "وول ستريت جورنال".

التسريب كشف أن السعودية أبدت استعدادها لإقامة علاقات دبلوماسية شبه كاملة مع "دولة الاحتلال" دون تقديم أي شروط، ونقلت هذه الرغبة لإدارة ترامب، ما يعني تراجعها خطوة للوراء عن المبادرة التي تقدمت بها للقمة العربية عام 2002، والتي تقوم على إقامة دولة فلسطينية على أراضي 1967 وعودة اللاجئين والانسحاب من الجولان، مقابل الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها.

هناك قرارًا سياسيًا من أعلى المستويات بتدشين مرحلة جديدة من التطبيع مع "إسرائيل"، وهذه بالطبع هي مرحلة محمد بن سلمان ولي العهد الجديد.

 

بأوامر سيادية

لا يخفى على أحد بروز بعض الأصوات السعودية ما بين الحين والآخر التي تنادي بإعادة النظر في العلاقات مع "إسرائيل" بل وصل الأمر إلى لقاءات جمعت بين مسئولين سعوديين وإسرائيليين سواء داخل "دولة الاحتلال" أو خارجها لاسيما في بريطانيا والولايات المتحدة، إلا أن النفي المتواصل كان سمة الرد الرسمي للرياض على مثل هذه الخطوات التطبيعية.

ولكن حين يتحول الأمر من السر والخفاء الممزوج بالنفي المتواصل رفعًا للحرج إلى العلن بهذه الصورة التي وصلت إلى حد تبني الإعلام السعودي للأصوات والأقلام المطالبة بالتطبيع، فهنا لابد من وقفة.

هل كان يتوقع أحد أن يشارك محلل سعودي في لقاء تلفزيوني مع قناة إسرائيلية؟ بل هل كان يجرؤ أي سعودي أن يقوم بهذا العمل؟ نعم حدث هذا بالفعل حين شارك عبد الحميد حكيم، مدير معهد أبحاث الشرق الأوسط في جدة في مداخلة تلفزيونية  أجرتها القناة الإسرائيلية الثانية من مدينة جدة السعودية عبر سكايب، والتي تعد أول مقابلة تليفزيونية يشارك فيها ضيف سعودي مع قناة إسرائيلية.

قبيل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرياض مايو الماضي نادت بعض الأصوات السعودية بضرورة أن تبادر الدول العربية والإسلامية بخطوات تطبيعية مع تل أبيب، دون شروط مسبقة.

هل كان يجرؤ أي صحفي سعودي على كتابة مقال له في أكثر الصحف الرسمية انتشارًا في المملكة يحث فيه على التطبيع وفتح قنوات تواصل مع "إسرائيل" والبحث عن سبل التقارب بين الرياض وتل أبيب في ضوء المصالح المشتركة؟ نعم لقد حدث هذا بالفعل حين كتب الكاتب الصحفي السعودي مساعد العصيمي في مقال له بصحيفة "الرياض" السعودية تحت عنوان "إذا غشك صديقك فاجعله مع عدوك" طالب بإعادة النظر في استعداء "إسرائيل" مناشدًا بعقد مقارنة موضوعية بينها وبين إيران فيما يتعلق بأشدهما خطرًا على بلاده، مطالبًا بضرورة أن "نحكم العقل ونديره نحو مصالحنا ونعيد تداول المسائل اقتصاديًا وسياسيًا وتعامليًا وحتى تاريخيًا في إطار حسابات الربح والخسارة وحسابات المصالح والاستقرار كي نعلم من أشد خطرًا إيران أم "إسرائيل"، ومن يدعم عدوي ضدي وحين تعرفون النتائج لتكن مصالحكم هي الأهم".

ويبقى السؤال: هل وسائل الإعلام السعودية بهذه الجرأة أو ذاك الحرية أن تتناول مثل هذه المسائل الحساسة؟ بالطبع ووفق الشواهد الإجابة "لا" إذا هناك قرارًا سياسيًا من أعلى المستويات بتدشين مرحلة جديدة، وهذه بالطبع هي مرحلة محمد بن سلمان ولي العهد الجديد الذي يستعد لاستلام الحكم كأصغر ملك في تاريخ السعودية، وأول ملك من غير أبناء الملك عبد العزيز.

https://www.youtube.com/watch?v=S89Ow1svVsE

تهيئة المناخ نحو التطبيع

يبدوا أن الأوامر السيادية بتدشين مرحلة التطبيع مع "الكيان الصهيوني" لم تقتصر على الإعلام الرسمي فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، حي تهيئة المناخ لتقبل هذه الفكرة وكسر معتقد العداء التاريخي لهذا الكيان المغتصب مستندة إلى بعض المداخل والمبررات التي تسوق لعملية تمهيدية لتحسين العلاقات بين الرياض وتل أبيب.

"ابن سلمان يوجه بتنفيذ حملة إعلامية وتويترية لتهيئة الرأي العام لعلاقات معلنة مع "إسرائيل"، ومكافأة للإعلامي والمغرد الذي يبدع في هذه الحملة"، بهذه الكلمات التي غرًد بها "مجتهد" على حسابه الخاص على موقع "تويتر" مشيرًا إلى وجود تعليمات خاصة بتمهيد الطريق نحو تقبل فكرة التطبيع لدى السعوديين، استهل "نون بوست" تقريرًا كشف من خلاله بعض ملامح هذه المرحلة.

التقرير رصد ردود فعل السعوديين حيال هذه الحملة وغيرها وذلك من خلال الهاشتاج الذي دشنه سعوديون تحت مسمى #سعوديين_مع_التطبيع والذي جاء تأييدًا للغارات التي شنتها قوات الاحتلال ضد مواقع تابعة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس".

 

الأوامر السيادية بتدشين مرحلة التطبيع مع "الكيان الصهيوني" لم تقتصر على الإعلام الرسمي فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي

وتأتي التحركات السعودية في إطار تنفيذ "صفقة القرن" التي جاء بها الرئيس الأمريكي لإعادة رسم الخارطة السياسية في منطقة الشرق الأوسط.

الصفقة التاريخية كما يصفونها تهدف في المقام الأول إلى ترسيخ أركان دولة "الكيان الصيهوني" عبر زيادة رقعة التطبيع مع دول الجوار العربي من جانب، والتمهيد نحو مزيد من الحضور الإقليمي - اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا - من جانب آخر، والتخلص من المقاومة الفلسطينية وكل موارد دعمها من جانب ثالث.

التقرير رصد ملامح الدور السعودي الذي يعد الأبرز في هذه الصفقة من أجل تمريرها من خلال عدة نقاط كان على رأسها : قضية تيران وصنافير، محاصرة قطر الداعمة للمقاومة وحركة حماس، وكسر العداء الشعبي لـ"إسرائيل" من خلال عدد من المبادرات وخطوات التطبيع كما تم ذكره سابقًا.

السبهان يغرد

جاءت تغريدة ثامر السبهان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، بالأمس، التي قارن فيها بين عداوة "إسرائيل"لبلاده وما تكنه دولا أخرى شقيقة من كراهية وإثارة فتن وتنكيل، في إشارة منه لقطر كما فسر البعض، لتثير حالة من الجدل بين الأوساط السعودية بصورة خاصة والعربية بصفة عامة.

كلمات السبهان في تغريدته التي نشرها على حسابه الشخصي والذي جاء فيها  "في الماضي نشتكي من عداوة إسرائيل والآن أصبح إخوة لنا اشد كرها وحربا علينا منها، مجازر تهجير تنكيل إعلام مدسوس وإثارة فتن(نعيب زماننا....)" تأتي وفق مغردين بأنها في إطار تمهيد ينتهجه للتطبيع مع إسرائيل، والبداية تبدأ من إنهاء حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في غزة، وصولا إلى تفعيل ما أطلق عليه "صفقة القرن".

البعض اعتبرها مغازلة واضحة لتل أبيب

بينما رآها أخرون أمرًا عاديًا

https://twitter.com/fahoody1991/status/886150319104819201

مغردون فسرها بتمهيد للتطبيع

وهكذا يواصل النظام السعودي مغازلته للإدارة الأمريكية عبر تسريع خطواته الجادة نحو التطبيع مع "إسرائيل" ليطوي بذلك صفحات العداء والكراهية للصهاينة، في مقابل بعض المكتسبات التي يسعى لتحقيقها من وراء هذا المنهج الجديد، سواء بتقوية جبهة التصدي لإيران ولو كان الحليف "دولة الاحتلال" أو تقديم القرابين من أجل تمهيد الطريق نحو خلافة محمد بن سلمان لوالده على عرش المملكة، لتجد الرياض نفسها في مأزق سياسي تاريخي وشعبي قد تدفع ثمنه غاليًا في المستقبل إذا ما تغيرت قواعد اللعبة.