سؤال يؤرقني لا لأني أفكر بل لأني أتحرك وأحب أن اكتشف الطريق وافتقد إلى خطة متوسطة المدى وبعيدته ويبهظني السؤال أين أنت ذاهب بما تفعل الآن وهنا وما أفق تحركك وأصدقائك ؟ وما بدائلكم؟ سؤال يفرض نفسه بقوة الآن وهنا هل أنتج الربيع العربي أفكارا جديدة؟ يمكن التأسيس عليها لمستقبل عربي مختلف؟ يبدو الأمر إشكاليا إذ  ينطلق من افتراض غير يقيني أن كل حركة في التاريخ تقودها أفكار مرتبة في حين أن الربيع العربي يقلب المسار إذ هو حركة في الواقع تصنع أفكارا جديدة فقد انطلق بقوة ضد أفكار جاهزة منذ قرن فأسقطها فبدا كما لو أنه يتحرك خارج عالم الأفكار والأطروحات القديمة المكتملة ولكنه لا يصنع أطروحته الخاصة فهل من أطروحة تخرج من الربيع العربي لقيادة القرن القادم؟

عالم الأفكار القديمة

لقد رُبينا على أن الفكرة تسبق الفعل وأنه ما من فعل إلا يتبع خطة وكانت أيديولوجيات القرن العشرين أفضل من جسد هذا الاستباق المعرفي الذي ترجم في حركات سياسية وفكرية قادت القرن العشرين بأكمله الماركسية أحداها وعلى منوالها نسجت القومية والإسلامية السياسية. مع اختلاف طفيف في آليات التنفيذ وفي حيثاتيه. لقد قال الربيع العربي كلمته هذه الأفكار انتهت ويجب البحث عن بدائل فكرية وربما الذهاب إلى اختراع خطط عمل تنتج أفكارا لا أفكارا تنتج خطط عمل سياسي لتدبير الشؤون العامة. قال البعض بنهاية الأيديولوجية وانتمى البعض إلى فكرة نهاية التاريخ واستسلم للليبرالية المتوحشة تقود العالم وفقد الأمل لكن الربيع العربي حركة في الواقع تحرض التفكير.

الفكرة الأولى هي أن الأفكار القديمة سقطت والفكرة الثانية هي ضرورة بعث فكر جديد

ما الخطة لزمن قادم بلا أيديولوجيا جاهزة؟ الإجابة عسيرة على من تربى داخل إطار فكري جاهز وفر له دوما إجابات جاهزة وخلصه من التفكير المضني وهو يكتشف الآن خواء أفكاره القديمة وعجزها ويعسر عليه النفاذ إلى المستقبل من نفس الباب.

أول أفكار الربيع العربي أنه أسقط الأفكار القديمة الجاهزة بما هي خطط مكتملة لصناعة أوطان وبناء سياسات. أفكار اليسار عجزت عن الاستجابة لمتطلبات واقع جديد لم تعد فيه الإمبريالية محددة الموقع والمعالم للرد عليها بالثورة الاشتراكية. ووحدة البروليتارية العالمية وخطة القوميين العرب بكل تنظيراتهم حول الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة عجزت عن فهم وتفسير وتبرير الانقسامات داخل القطر العربي الواحد. وأفكار الإسلام السياسي المتقنة بهتت أمام تعدد الأفكار غير الإسلامية التي عليها التعامل معها بصفتها أفكارا لا دينية ولكنها وطنية لا يليق ولا يصلح ولا يمكن تكفيرها والمرور إلى حربها بصفتها خيانة للامة. إذن ما الذي بقي أمام الربيع العربي ليتسلح به في مواجهة حروب الفكر والسياسة في القرن 21؟

عصر جديد بأفكار جديدة؟

هذا هو واقع الحال لكن ما هي الأفكار الجديدة للعصر الجديد القادم؟

الفكرة الأولى هي أن الأفكار القديمة سقطت والفكرة الثانية هي ضرورة بعث فكر جديد والفكرة الثالثة سؤال في ماذا وكيف ؟ وهنا سيكون التحليل قاصرا ويتعملق بحثا عن إجابات مستحيلة. فأقصى القدرة الآن طرح السؤال السليم. بعض الإجابة يستقيم لي كما يلي..

الحداثة والتحديث وتطوير الأوطان وتحقيق التنمية لا يمر عبر اليسار العربي الذي زعم احتكار هذه الطريق. لقد سقط اليسار العربي في سياق الربيع العربي لا لمواقفه السياسية المعادية للديمقراطية فقط بل لأنه لحظة تقديم الإجابات عن المستقبل قدم خطط الماضي القديمة. تصفية الخصم السياسي الإسلامي أولا ثم النظر في ما يمكن أن يكون وقد كان فوجدنا اليسار العربي يقف في صف العسكر العربي الانقلابي وينهار معه أخلاقيا وديمقراطيا. وينطبق نفس الأمر على فصائل قومية كثيرة بررت القتل الجماعي في سياق تخليصها من عدوها الإسلامي (الحالة السورية والمصرية خاصة).

ست سنوات كانت بمثابة الغربال الذي أسقط وجوه النظم العربية الفاشلة وهذا مكسب لمن يحسب المكاسب الآنية

الأصالة والتراثية والانتماء (الهوية) ليست بضاعة إسلامية خالصة فاليسار ليس كافرا ليقصى وليس مستوردا لينفي وليس فقيرا من الأفكار ليعزل بتهمة الجهل. أو الخيانة هنا اختلط حابل الأفكار بنابلها. وتبين أن التيارات الأيديولوجية ليست مختلفة بدرجة كبيرة ولكن وسيلة التنسيق والحوار عازتها. لذلك فشلت في الحوار الداخلي وأدى فشلها إلى تمركزها على ذواتها وكانت أحدى دروس الربيع العربي لهذه التيارات هي إما أن تتطور أو تموت. وقد وقف حمار الشيخ بالعقبة وفقد الجميع السيطرة على الطريق لأن الشارع/الجمهور/ العامة/الغوغاء/لدهماء تعيش خارج هذه الأطروحات ولا تمثل لها شيئا مذكورا يمكن اتباعه وهذا أهم درس.

الحياة موجودة خارج الأيديولوجيا والشعب الكريم يعيش خارج الأحزاب. لقد حررنا الربيع العربي من الحكام ولكنه حررنا أيضا من الأحزاب وهذه من الدروس التي يبني عليها للمستقبل.

مازال سؤال المستقبل مفتوحا

ست سنوات كانت بمثابة الغربال الذي أسقط وجوه النظم العربية الفاشلة وهذا مكسب لمن يحسب المكاسب الآنية (دعنا من سيطرة العسكر على مصر المحروسة فهو حلقة في مسلسل فاشل حتى حين)ولكنه مكسب فكري أولا لمن ينظر إلى مدى بعيد. فقد كانت السنوات الست غربالا أيضا لقوى طالما تغنت بوطنيتها وتبين لاحقا أنها كتل من الخونة العاجزين عن الفعل والتقدم. وفي أفضل حالاتها هي كتل ومجموعات بشرية عاجزة عن الفعل والتفكير التقدمي.

نحن  بصدد تحسس المستقبل بوسائل غير نمطية وغير نخبوية. ويبدو لي أن تقديم إجابات جاهزة هو من صميم العمل الأيديولوجي

الغربال شغال في النظم وفي النخب وفي الأفكار الجاهزة لكن هذا لا يجيب على السؤال العنوان ما هي الأفكار الجديدة التي جاء بها الربيع العربي؟

فكرة الحرية فكرة كاملة تامة تعشقها الشعوب قبل النخب ولهذا رفعت هذه الشعوب دون تدقيق شعار الشعب يريد تحرير فلسطين وتعرضت إلى الاختراق من قبل الصديق النخبوي (قائد الجماهير الغبية) قبل العدو وتبين أن بوصلة الحرية سليمة عند الغوغاء (وانا استعمل اللفظ للسخرية من النخب) لا مستقبل لشعوب المنطقة وبعضها يرزح تحت الاحتلال.

إذن فكرة التحرير فكرة أولى تعود إلى واجهة الفعل السياسي التحرير والاستقلال والسيادة (صورة غير مدققة لفظيا في لغة العامة ولكنها واضحة في وعيها).يليها فكرة التنمية الاجتماعية التي جسدها اعتصام الكامور التونسي وجسدتها سخرية المصريين من اتفاق المشير المزيف من سد النهضة الذي أعطش مصر فكرة نقض القديم والبناء من صفر جديد بلا غوغائية الشعارات الستينية هنا تقف الشعوب قاصرة فهي شعوب عاملة لا مفكرة فطرتها سليمة ولكنها تفتقد إلى اللغة النخبوية الساقطة في الطريق. كيف نحرر العقول دون الارتهان إلى النخب القديمة. في هذه اللحظة لا أملك إجابة ولكن أول الإجابة هو الكفر بالإجابات الجاهزة وقد حصل بعد

ماذا سيحل بعده؟ نحن هنا بصدد تحسس المستقبل بوسائل غير نمطية وغير نخبوية. ويبدو لي أن تقديم إجابات جاهزة هو من صميم العمل الأيديولوجي القديم وعلى كل عقل يحترم نفسه أن يقف مقدسا لوعي الشعوب (العامة) التي عرفت عدوها الداخلي قبل أعدائها القابعين خلف الحدود. لقد حرر الربيع العربي الشعوب العربية من أفكار النخب العربية، وهنا عثر على الطريق.