حل رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، الشهر المنصرم، تحديدًا في 18 من يونيو/حزيران، ضيفًا على المغرب، وكان في استقباله رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، وجاءت الزيارة في إطار مناقشة الطرفين أوجه التعاون الاقتصادية والتجارية والخدماتية الممكنة.

وفيما استمرت زيارة الشاهد ليومين، تناقلت وسائل إعلام تونسية ومغربية في حينها أنباءً تشير إلى رفض الملك المغربي محمد السادس، لقاء رئيس الحكومة التونسية، نتيجة رفض الأخير إضافة فقرة للبيان الختامي للجنة العليا التونسية المغربية تتعلق "بمغربية" الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب والبوليساريو منذ انسحاب إسبانيا منها عام 1976.

يعلم المغرب جيدًا أن الموقف التونسي منذ الميلاد الأول للأزمة كان محايدًا، لكن على الرغم من ذلك جاء إصرار المغرب على ضرورة توقيع الحكومة التونسية على هذه الفقرة مخالفًا لذلك الموقف، وهو ما أثار تساؤلاً عن الدوافع التي تقف وراء جنوح المغرب لاتباع سياسة "الأمر الواقع" أو "الإرغام" مع الحكومة التونسية.

ربما أهم الدوافع لهذا الموقف هي:

- ربط تونس بسياسة الانفتاح على إفريقيا: عقب 32 عامًا من القطيعة، عاد المغرب في 30 من يناير/كانون الأول 2013، إلى الاتحاد الإفريقي، أملًا في أن تسهم تلك السياسة التي يمكن وصفها "بسياسة الانفتاح"، في إكساب رؤيته لحل أزمة الصحراء الغربية زخمًا إفريقيًا يعترف "بمغربية" الصحراء، ويساند رؤية المغرب في عملية الحل، والتي ترتكز على ضم الصحراء إلى المغرب مع منحها حكم ذاتي.

وانطلاقًا من هذه السياسة، يبدو واضحًا أن المغرب رمى إلى ممارسة الضغط على تونس، لدفعها نحو تغيير موقفها من القضية، وجعله موقفًا مساندًا لرؤية المغرب على الساحتين الإفريقية والدولية، في إطار اتباعه سياسة "تكميلية" لانفتاحه على إفريقيا.

بات المغرب ينظر إلى تونس على أنها دولة ضعيفة تعاني من الارتجاج الانتقالي الذي لم يستقر بعد، نتيجة دخولها لمرحلة انتقالية عشية ثورة "الياسمين"

ـ نظرة توجيهية لتونس: تنبع النظرة التوجيهية عند دولة ما ضد دولة أخرى من دافع شعورها بالقوة الأمنية والسياسية والاقتصادية المتقدمة مقارنة بالدولة الأخرى.

وعلى ما يبدو، بات المغرب ينظر إلى تونس على أنها دولة ضعيفة تعاني من الارتجاج الانتقالي الذي لم يستقر بعد، نتيجة دخولها لمرحلة انتقالية عشية ثورة "الياسمين"، وربما ظنّ المغرب أن الحكومة التونسية التي جاءت لعقد اتفاقيات استثمارية وتجارية، سترضخ مباشرة لهذا المطلب الذي يستغل حالة الخنقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

ـ ترجيح كفة ميزان القوى في الإقليم بينها وبين الجزائر: منذ استقلال الجزائر، والمغرب يعيش معها نزاعًا على إقليم "تيندوف"، وقد خاض الطرفان جراء هذا الصراع "حرب الرمال" عام 1963.

الجزائر دولة ذات نظام حكم جمهوري وتوجه ثوري ترى في ضم إقليم الصحراء إلى المملكة تشجيعًا على المطامع "التوسعية الاستعمارية" للمغرب الذي سيتمدد في توسعه إلى الجزائر بعد هذه القضية

إلى جانب هذا الصراع الحدودي، هناك صراع أيديولوجي يكمن في كون الجزائر دولة ذات نظام حكم جمهوي وتوجه ثوري ترى في ضم إقليم الصحراء إلى المملكة تشجيعًا على المطامع "التوسعية الاستعمارية" للمغرب الذي سيتمدد في توسعه إلى الجزائر بعد هذه القضية، أما المغرب فيحكمه نظام ملكي يرى في الجزائر دولة تشكل خطرًا على مصالحه الاستراتيجية، بسبب دعمها لجبهة البوليساريو من منطلق محاربة أنظمة الملكية التوسعية.

وفي ضوء هذين الخلافين، يعيش الطرفان على صراع ترجيح كفة ميزان القوى في إقليم المغرب العربي لصالحه، ولعل انطلاقًا من ذلك، رغب المغرب في الضغط على تونس لضمها لصالح رؤيته، وبالتالي ترجيح الكفة لصالحه.

أما فيما يتعلق بأسباب رفض الحكومة التونسية موافقة المغرب فيما يريده فهي كثير، غير أن أهم هذه الأسباب:

ـ مراعاة العلاقات التونسية ـ الجزائرية: تربط تونس والجزائر حدودًا طويلةً، وعلاقات تجارية منوعة، وأخرى دبلوماسية متينة، وتضمين هذه الفقرة التي تهدم حيادية تونس حيال القضية، في البيان، كان من شأنه أن يعرض هذه العلاقات للتوتر في وقتٍ هو بغنى عن ذلك.

ـ رفض النظرة التوجيهية للمغرب: على الأرجح شعر الوفد التونسي بأن المغرب ينظر إليه نظرة دونية، اعتقادًا بضعف الدولة التونسية، وهو ما أثار امتعاضه، ودفعه لرفض إضافة الفقرة.

تتذرع بعض الصحف المغربية بحيلولة الوعكة الصحية التي حلت بالملك دون مقابلته وفد الحكومة التونسية، لكن، لم يصدر مكتب الملك توضيحًا عن الرفض، ولم يغب الملك عن اجتماعات مناقشة قضية الحسيمة التي توافقت، إلى حدٍ ما، مع زيارة الوفد التونسي

ـ الدستور التونسي: يعتبر نظام الحكم في التونس، وفقًا للدستور، نظامًا شبه رئاسي يتشارك فيه الرئيس ورئيس الوزراء الصلاحيات، ويعتبر موضوع العلاقات الخارجية من صلاحيات رئيس الجمهورية وليس رئيس الوزراء أو الحكومة، وهو ما كبل الشاهد في البت بالموضوع، ودفعه للإصرار على موقف بلاده، فبته في الموضوع كان سيثير أزمة داخلية انتبه إليها.

ـ وعكة الملك الصحية: تتذرع بعض الصحف المغربية بحيلولة الوعكة الصحية التي حلت بالملك دون مقابلته وفد الحكومة التونسية، لكن، لم يصدر مكتب الملك توضيحًا عن الرفض، ولم يغب الملك عن اجتماعات مناقشة قضية الحسيمة التي توافقت، إلى حدٍ ما، مع زيارة الوفد التونسي، الأمر الذي جعل الأمر مثار تساؤل عن مدى صحة الذريعة التي ساقتها الصحف المغربية.

في المحصلة، تنتهج الدول الملكية أحيانًا سياسة التوجيه، انطلاقًا من الروح السيكولوجية التي تتمتع بها، والتي تجعلها ترى أن من حقها توجيه الجميع، ركونًا إلى الزعامة التاريخية الدينية "الثيوقراطية" التي تملكها، ولكن في عصرنا الحالي، لا بد من تذكير هذه الدول أن الزمن قد عفى على هذه السياسة منذ فترة طويلة.