سنوات قليلة هي التي تفصلنا عن حقبة كانت فيها شرائح واسعة من العرب وتحديدًا المسلمين السنة منهم، ينظرون لإيران على أنها دولة مسلمة تختلف معهم في المذهب، وهذا الخلاف لا يعدو كونه ثانويًا يتركز في مجمله على مسألة الإمامة وطرق تأدية الفرائض.

وجرت محاولات عديدة للتقريب بين المفاهيم وردم هوة الخلاف العقائدي وتحجيمه، ساهمت في ذلك مجمعات فقهية نظمت العديد من المؤتمرات وجلسات حوار الأديان، وعلى أعلى المستويات، بين إيران الإثنى عشرية من جهة، ومدارس أهل السنة والجماعة الفقهية من جهة أخرى، وذلك بهدف الوصول لقواسم مشتركة بين المدارس الدينية والفقهية على اختلاف أنواعها، جميع جلسات الحوار فشلت!

مع نهاية العام 2012 أحكمت إيران قبضتها على مقاليد الحكم في سورية، وبات نظام الأسد قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والسقوط، لتبدأ الأحداث بتكذيب الرواية الإيرانية القائلة بعدم وجود قوات عسكرية لها في سورية، فأسماء وصور القتلى الإيرانيين بدأت تنتشر في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وما عاد بالإمكان تكذيبها ولا إخفائها.

لقد شكل هذا الأمر علامة فارقة ومفصلية في الصراع الأيديولوجي الدائر في المنطقة. 

انخراط إيران في الحرب على الشعب السوري، كان لا بد أن يترك أثره على الجميع، فنظام إيران قدم روايات مختلفة بعضها للداخل والبعض الآخر للخارج، في حين أنه حافظ على ممارسة عقيدة التقية حتى مع شعبه وأتباعه، وحرص على إظهار نجاحاته في المنطقة، الأمر الذي فضح نواياه على المستوى الشعبي العربي، فمسألة إعادة إحياء الإمبراطورية الفارسية، - ولو بنسختها الصفوية - كان كافيًا ليكشف أن أطماع إيران أكبر من أن تنحصر في مسألة حماية المراقد والمقامات، التي جعلت منها شماعة قُتل بسببها الآلاف من مواطنيها وأشياعها.

حدود إيران أصبحت على البحر الأبيض المتوسط، وخير وسيلة للدفاع هي مهاجمة العدو في أرضه، والتخلي عن دمشق يعني انتصار النواصب أتباع يزيد على آل البيت، ومعركة الموصل هي ثأر من أحفاد معاوية ويزيد، جميعها تصريحات لمسؤولين إيرانيين وشيعة عراقيين، كالمالكي والخزعلي.

قبل عدة أسابيع تحدث قيس الخزعلي قائد مليشيا "عصائب أهل الحق"، قائلًا إن قواته ماضية في مشروع إقامة البدر الشيعي في المنطقة، وليس الهلال الشيعي

الكثير من العرب كانوا يدركون حقيقة العقيدة الفارسية الصفوية الجديدة ويحذرون من خطرها، كونها عقيدة قائمة على تغذية مشاعر الكراهية للعرب والحقد عليهم لدى الشيعة على اختلاف قومياتهم، وذلك ضمانًا لتماسكهم خلف مشروعها الخبيث، سلاحها إلى ذلك عشرات المليشيات التي لا تخضع سوى لتعليمات الحرس الثوري الإيراني، الذي كان يوجه قادة هذه المليشيات حتى في مسألة التصريحات، والتأكيد الدائم على ولائهم المطلق للمرشد الأعلى.

قبل عدة أسابيع تحدث قيس الخزعلي قائد مليشيا "عصائب أهل الحق"، قائلًا إن قواته ماضية في مشروع إقامة البدر الشيعي في المنطقة، وليس الهلال الشيعي، "وبظهور صاحب الزمان (الإمام المهدي المنتظر) تكتمل قوتنا بالحرس الثوري في إيران وحزب الله في لبنان وأنصار الله (الحوثيين) في اليمن والحشد الشعبي والعصائب في العراق".

الخزعلي هو نفسه صاحب التصريح المثير القائل إن معركة تحرير الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية، ستكون انتقامًا وثأرًا من قتلة الحسين، لأن هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد، لقد نفذوا كل ما توعدوا سنة الموصل به وبمباركة أنظمة المنطقة وعلى رأسها السعودية.

رغم قبح وإجرام وفظاعة هكذا تصريحات، تعتبر أهل السنة والجماعة أعداءً يجب القصاص منهم بالقتل، فإن الأمر تعدى ذلك ليعتبر أن المسلمين هم فقط إيران وأشياعها في العراق وسورية ولبنان واليمن، وهو ما جاء على لسان إبراهيم رئيسي سفاح الثورة الإيرانية وذراع الخميني الضارب الذي قام بتصفية الآلاف من الإيرانيين الرافضين لحكم الملالي أو المعارضين له.

بلا أدنى شك فإن تصريحات رئيسي، تمثل الموقف الحقيقي للقيادة في إيران، وذلك كونه المقرب من الحاكم الفعلي علي خامنئي ومرشحه لانتخابات الرئاسة

رئيسي وخلال حملته الانتخابية لرئاسة إيران خاطب مؤيديه قائلاً: "نحن لدينا عمقنا الاستراتيجي، والعدو أيضًا لديه عمقه الاستراتيجي، والمملكة العربية السعودية وآل سعود اليوم يمثلون العمق الاستراتيجي للاستكبار العالمي، والسعودية شنت الحرب نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية في اليمن، وهي بذلك تمثل العمق الاستراتيجي للعدو، ونحن لدينا أيضًا عمقنا الاستراتيجي، وهو في العراق وسوريا وأفغانستان واليمن، وهؤلاء يشكلون الأمة الإسلامية، وطالما أن تيار الاستكبار يقف ضد (ديننا)، فسوف نقاوم ضد كل حلفائه، لأن هذه الحرب تمثل إرادة المسلمين". 

يمكننا ملاحظة نوع العبارات المستخدمة أعلاه وهي: (انتقامًا وثأرًا من قتلة الحسين، البدر الشيعي، ضد ديننا، إرادة المسلمين، الأمة الإسلامية)! 

بلا أدنى شك فإن تصريحات رئيسي، تمثل الموقف الحقيقي للقيادة في إيران، وذلك كونه المقرب من الحاكم الفعلي علي خامنئي ومرشحه لانتخابات الرئاسة، التي خسرها لصالح روحاني، وهنا تكمن أهمية وخطورة هذه التصريحات العلنية، التي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فعلى الرغم من كل الشعارات التي يرفعها المسؤولون الإيرانيون تقية عن الوحدة الإسلامية والتعاون بين المسلمين، فإنهم وفي مراحل معينة من الصراع يضطرون للإفصاح عن مكنون صدورهم المليئة بالحقد على كل ما هو عربي ومسلم.

لكن ورغم كره الفرس وحقدهم على كل ما هو عربي ومسلم، فالأحداث في المنطقة، والحضور القوي للتنظيمات الجهادية وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، كأحد أهم اللاعبين في المنطقة قد دفعت نظام الملالي للتخندق في صف الأنظمة العربية وخاصة السعودية.

فقد أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على شمخاني أوائل الشهر الأول من هذا العام 2017 في مقابلة مع فصلية "دراسات السياسة الخارجية في طهران" أنه وخلافًا للتصورات كافة فإن إيران لا تسعى لإسقاط آل سعود، بل تحرص على منع محاولات إسقاطه، فسقوط آل سعود لا يعني بتاتًا أن يكون البديل عنهم أفضل، بل من المحتمل جدًا أن يؤدي ذلك إلى تقسيم السعودية، وسيطرة الفكر الداعشي المتطرف المنحط على أجزاء مهمة من السعودية" بحسب وكالة الأنباء الإيرانية "إيرنا". 

تصريحات شمخاني هذه تثبت أن الأنظمة عمومًا تظهر لشعوبها ما لا تبطن، وعدائها لبعضها البعض ليس حقيقيًا بالضرورة، والعداء قد يتحول لتحالفات عندما تواجه خطرًا مشتركًا كتنظيم الدولة، وقد يكون العداء ظاهريًا يستخدم كشماعة، كما في الأزمة الخليجية حيث محور (3+1) يحاصر قطر، بتهم منها التعاون مع إيران التي يقيمون معها أطيب وأوثق العلاقات ويدعمون حشدها الشيعي في العراق.

وصلت المواجهة حدًا جعل إيران تتخلى عن تقيتها، فأصبحت أكثر جرأة وعلانية

لقد خسرت أنظمة العرب مصداقيتها وقرارها لصالح إيران، التي كسبت ثقة القوى الكبرى وباتت جزءًا من مشروع إعادة رسم خارطة المنطقة دونما أي اعتبار لأهلها العرب. 

شئنا أم أبينا هذه هي عقيدة النظام الإيراني، التي يسير عليها أتباعه وأشياعه العرب، فولاؤهم أولًا وأخيرًا لإيران ومرشدها، وليس لأوطانهم، وربما يكون مرد ذلك للأصول الفارسية لكثير من الشيعة العرب في المنطقة، إضافة لنجاح إيران في استقطابهم تحت رايتها، وهي بهذا تكون قد ضمنت سيوفهم في حربها على العرب المسلمين، انتقامًا منهم على نشر الإسلام الذي هدم معابد النار المجوسية، وأزال إمبراطورية الأكاسرة الفرس.

لقد وصلت المواجهة حدًا جعل إيران تتخلى عن تقيتها، فأصبحت أكثر جرأة وعلانية في تكفير أهل السنة والجماعة وكل من لا يدين بالولاء للفقيه، فتراهم يُكفّرون المسلمين ثم ينعتونهم بالتكفيريين، فهم يعتبرون أن إيران وعمقها في المنطقة (الشيعة) هم الأمة الإسلامية التي انتصرت ليس فقط على النواصب "أهل السنة والجماعة" بل وعلى أمريكا رغم دعمها اللامحدود لإيران وحشدها في العراق.