شهدت تركيا بعد مرور عام على محاولة الانقلاب الفاشلة العديد من المحطات المهمة والحساسة على الصعيد الاقتصادي، إذ تعرض الاقتصاد لهزة كبيرة لم تكن سهلة بكل المقاييس أدت إلى تباطئه منذ الربع الثالث من العام 2016، واليوم وبعد مرور عام على تلك الحادثة أقل ما يمكن قوله إن العاصفة مرت بسلام على الاقتصاد والبلاد بعد ظهور مؤشرات التعافي بشكل واضح.

الليرة والسياحة والاستثمارات الأجنبية والبورصة والصادرات والواردات وأمور أخرى كانت من أبرز المؤشرات التي تأثرت وحظيت بمتابعة كبيرة خلال العام الماضي، باعتبار أنها تأثرت بشكل مباشر بعد الانقلاب، مع ذكر أن هذا العام شهد الكثير من الأحداث الكبيرة الأخرى التي أسهمت بدورها أيضًا في تداعي الاقتصاد.

بورصة إسطنبول مرآة الاقتصاد وواجهة البلاد  أغلقت قبل نحو أسبوع عند نقطة 100.617.69 لتسجل بذلك أعلى مستوى لها على الإطلاق

تؤكد تلك المؤشرات الاقتصادية أن الاقتصاد التركي تعافى بشكل شبه كامل من تداعيات الانقلاب الفاشلة قبل عام من الآن، وهذا ما دفع البنك الدولي إلى رفع توقعاته لمعدلات النمو الاقتصادية التركية لهذا العام من 3% إلى3.5  و3.9% في العام المقبل، وبلغة الأرقام فقد شهدت تركيا العام الماضي خسارة 49% من السياح ونحو35%  من الاستثمار المباشر وتراجعت الصادرات إلى نحو 143 مليار دولار بعد أن زادت على 155 مليارًا في الأعوام السابقة، فكيف تغيرت تلك الأرقام بعد عام من الانقلاب؟

الليرة التركية

بين صد ورد واجه البنك المركزي التركي انتقادات كثيرة بشأن سياسته النقدية من قبل المؤسسات الدولية، إذ عمد المركزي إلى خفض سعر الفائدة بدل رفعها، في حين كان رفع الفائدة من شأنه طمأنة المستثمرين الأجانب في تركيا ومحاولة جذبهم لعدم الخروج من البلاد، كما أنه تدخل بشكل قليل في الأسواق، إذ اعتمد المركزي على تحسين المؤشرات الرئيسية في الاقتصاد لينعكس إيجابًا على سعر الصرف وعودته إلى نحو 3.50 ليرة مقابل الدولار كما يقف عنده اليوم.

أغلقت بورصة إسطنبول قبل نحو أسبوع أعلى نقطة لها على الإطلاق بالغة 100.617.69 

وبالعودة إلى نحو عام، ففي مثل هذه اليوم من العام الماضي انخفضت الليرة بعد الانقلاب إلى أدنى مستوى لها أمام الدولار على إثر الحدث الكبير الذي شهدته تركيا في مساء 15 من يوليو/تموز 2016 وتم تداول الليرة بسعر 3.0415 ليرة أمام الدولار، إلا أن السعر عاود التحسن يوم الإثنين 18 من يوليو/تموز 2016 ليصل إلى مستوياته قبل الانقلاب عند 2.92 ليرة مقابل الدولار، وذلك بفضل ضخ الدولار في الأسواق من قبل الشعب التركي على إثر دعوة الرئيس التركي لهم بالقيام بذلك.

شهدت السياحة تعافيًا ملحوظًا، إذ  قفزت أعداد السائحين خلال النصف الأول للعام الجاري بنحو 18.1% وهذه هي الزيادة الأولى على أساس سنوي منذ يوليو/تموز 2015

ولكن بعد خمسة أيام أي يوم الأربعاء 20 من يوليو/تموز عادت الليرة لتنخفض إلى أدنى مستوى لها في عشرة أشهر أمام الدولار في ذلك الوقت، بعد عمليات التطهير التي قامت بها أجهزة الدولة من الانقلابيين ومناصري الكيان الموازي، حيث انخفضت الليرة بنسبة 8% إلى 3.0630 مقابل الدولار، على كل حال هذه المستويات تعد منخفضة نسبيًا بالنسبة للمستويات التي وصلت إليها الليرة خلال العام، إذ لامست الليرة مستوى 4 ليرات مقابل الدولار وهو أعلى مستوى لها على الإطلاق. 

أخطار جيوسياسية وآثار اقتصادية

جملة من الأسباب أثرت على الاقتصاد التركي عمومًا وعلى الليرة خصوصًا أودت بها للانخفاض إلى تلك المستويات المتدنية غير المسبوقة في تاريخها، فبعد الانقلاب الفاشل وحدوث حملة التطهير ضد الإنقلابيين استقرت الليرة التركية قليلًا، ولكن سرعان ما عاودت الانخفاض بشكل متسارع، هي وبعض المؤشرات الاقتصادية الأخرى، مدفوعة بمجموعة من الأمور تعرضت لها البلاد قادمة من الداخل أو الخارج.

بعض تلك الأحداث مرتبطة بأحداث جيوسياسية حصلت في تركيا والدول المجاورة، وبعضها الآخر مرتبط باستحقاقات اقتصادية على مستوى العالم، وبدءًا من الأخطار الجيوسياسية كان دخول تركيا في حملة عسكرية كبيرة في الشمال السوري "درع الفرات" أحد أكبر الأحداث التي أثرت على الاقتصاد وفرضت آثارًا سلبية عليه، ومن ثم كانت التفجيرات الإرهابية التي ضربت مناطق حساسة في البلاد حيث استهدفت بالدرجة الأولى السياحة والمناخ الاستثماري، وبسببها أثرت على مردودات هذين القطاعين بشكل كبير.

 بلغ إجمالي الصادرات خلال الـ12 شهرًا الماضية 147 مليار 329 مليون دولارًا

ومن الأمور البارزة التي تعرضت لها تركيا خلال العام الماضي وأثرت على حركة المؤشرات الاقتصادية، الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي حصل في 16 من أبريل/نيسان الماضي، وحمل الخوف من أن تكون النتيجة "لا" مخاوف كبيرة من قبل المستثمرين والشركات في تركيا على الاقتصاد والمستثمرين الأجانب خشية حدوث انتخابات مبكرة وفقدان الثقة بالحكومة.

ارتفعت معدلات النمو في تركيا في الثلث الأول من العام الحالي 5%، كما ارتفع مؤشر الثقة بالاقتصاد للشهر الرابع على التوالي في مايو/أيار الماضي بزيادة بلغت 1.1% على أساس شهري

كما أثرت عدة أمور اقتصادية على مستوى العالم بالاقتصاد التركي، كارتفاع سعر صرف الدولار أمام سلة من العملات العالمية بسبب انتعاش الاقتصاد الأمريكي وقوة الدولار الذي يستوجب رفع سعر الفائدة الأمريكية والذي حدث فعلًا، إذ رفع الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة مرتين خلال العام الحالي، وهو ما انعكس على قوة الدولار وانسحاب الاستثمارات الأجنبية من البلدان الناشئة للاستثمار بالاقتصاد الأمريكي، إذ تأثرت العديد من عملات الاقتصادات الناشئة حول العالم وهبطت إلى مستويات كبيرة بشكل متفاوت، كروسيا وماليزيا والمكسيك وتركيا وعدد من الدول الأخرى، وقد دعى أردوغان في تلك الآونة إلى ضخ الدولار في الأسواق المحلية وتحويل الدولار إلى ليرة لحمايتها من الهبوط أكثر، وكانت السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي ترامب، التي تستهدف تدفقات نقدية على الاقتصاد، تسهم في رفع معدلات النمو وقوة الدولار أكثر.

أداء الليرة التركية خلال العامين الماضيين يظهر الانخفاض الكبير في القيمة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف 2016

كما أن التقلبات في أسعار النفط العالمية وارتفاع الأسعار بعد اتفاق أوبك التاريخي الذي بدأ تطبيقه مع بداية العام الحالي، والذي اقتضى خفض الإنتاج لزيادة أسعار الطاقة، وهو ما انعكس سلبًا على الاقتصاد التركي وسعر الصرف لأن تركيا تستورد حاجاتها من الطاقة بشكل شبه كامل، وقامت وكالات الائتمان الدولية بتخفيض تصنيف تركيا الائتماني إلى مستوى متدنٍ، وهو ما زاد من مخاوف المستثمرين والشركات الأجنبية العاملة هناك، ومن ثم كان هناك زيادة في أعباء الديون التركية المقومة بالدولار.

فكيف كان أداء المؤشرات الاقتصادية التي أدت لتحسن الليرة التركية وتجاوز آثار الانقلاب الفاشل بعد عام؟

انتعاش في المؤشرات الرئيسية  

ارتفعت معدلات النمو في تركيا في الثلث الأول من العام الحالي 5%، كما ارتفع مؤشر الثقة بالاقتصاد للشهر الرابع على التوالي في مايو/أيار الماضي بزيادة بلغت 1.1% على أساس شهري إلى 100.5 نقطة، أما عن الصادرات فتشير بيانات مجلس المصدرين الأتراك، إلى نمو الصادرات التركية بنسبة 15.8% خلال شهر مايو/أيار الماضي، ويبلغ متوسط حجم الصادرات الشهرية 12.5 مليار دولار، حسب تصريح رئيس جمعية المصدرين الأتراك محمد بيوكشي.

الصادرات ستشهد صعودًا في العام الحالي وتصل إلى 150 مليار دولار بعدما تراجعت إلى 142.5 مليار دولار في العام 2016

وشهدت الواردات التركية خلال يونيو/تموز 2016 تراجعًا بنسبة 19.4%، في حين شهدت زيادة بنسبة 4% في آب/ أغسطس من العام نفسه، وفي العام الحالي بلغت الواردات التركية زيادة، خلال الفترة ما بين كانون الثاني/ يناير وأيار/ مايو الماضي، قرابة 90 مليار دولار، وتراجع حجم التجارة الخارجية التركية خلال تموز/ يوليو بنسبة 24% في حين تمكن من تحقيق ارتفاع بنسبة 16% في آب/ أغسطس الماضي.

البورصة مرآة الاقتصاد وواجهته، أغلقت بورصة إسطنبول قبل فترة قريبة عند نقطة 100.617.69 لتسجل بذلك أعلى مستوى لها على الإطلاق، وهو يشير إلى أي مدى استطاعت البورصة التخلص من تبعات الانقلاب الفاشلة على الاقتصاد، وطال الانتعاش قطاع المصارف، حيث ارتفع الدخل الإجمالي للقطاع خلال الربع الأول من عام 2017، وذلك وفقًا لما أظهرته البيانات الصادرة عن وكالة التنظيم والرقابة المصرفية  (BDDK).

فحسب التقرير ارتفع صافي أرباح البنوك التركية بنسبة 59.2% خلال الربع الأول ليصل إلى 17.5 مليار ليرة أي نحو 4.9 مليارات دولار، مقارنة مع 10.9 مليارات ليرة أي نحو 3.1 مليارات دولار خلال الأشهر الثلاثة نفسها من عام 2016.

معدلات النمو الاقتصادية في تركيا من 2009 - 2017

وحسب ما أشار له يلديرم فإن الصادرات ستشهد صعودًا في العام الحالي وتصل إلى 150 مليار دولار بعدما تراجعت إلى 142.5 مليار دولار في العام 2016، ووفق مجلس المصدرين الأتراك بلغ إجمالي الصادرات خلال الـ12 شهرًا الماضية 147 مليار 329 مليون دولارًا، وأظهرت بيانات أصدرتها وزارة الجمارك والتجارة التركية، تقلص العجز التجاري 8.57% على أساس سنوي إلى 6.021 مليارات دولار في يونيو/حزيران، وزادت الصادرات 2.07% في يونيو/حزيران إلى 13.159 مليار دولار، بينما تراجعت الواردات بنسبة 1.53% إلى 19.180 مليار دولار.

شهدت تركيا العام الماضي خسارة 49% من السياح ونحو35%  من الاستثمار المباشر وتراجعت الصادرات إلى نحو 143 مليار دولار بعد أن زادت عن 155 مليارًا في الأعوام السابقة.

كما أعلن معهد الإحصاءات التركي في مايو/أيار الماضي أن الإنتاج الصناعي نما بمعدل 2.8% على أساس سنوي في مارس/آذار الماضي، وزاد الإنتاج الصناعي بنسبة 1.3% عن الشهر الذي سبقه، وارتفعت استثمارات الدول الخليجية في تركيا بنسبة 414%، لترتفع من 107 ملايين إلى 550 مليون دولار خلال الأشهر الأربع الأولى من العام الحالي وفق معطيات وزارة الاقتصاد التركية، كما ارتفع حجم الاستثمارات الدولية المباشرة لدول الاتحاد الأوروبي في تركيا بنسبة 42% ليبلغ 1.7 مليار دولار خلال الفترة ما بين يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان 2017.

كما شهدت السياحة تعافيًا ملحوظًا، وحسب بيانات وزارة الثقافة والسياحة قفزت أعداد السائحين خلال النصف الأول للعام الجاري بنحو 18.1% وهذه هي الزيادة الأولى على أساس سنوي منذ يوليو/تموز2015 ، وكان عدد السياح الزائرين لتركيا قد هبط بنسبة 30% العام الماضي بسبب المخاوف الأمنية إثر الانقلاب الفاشل.

بينما لا تزال معدلات البطالة مرتفعة بواقع 12.6% في الفترة بين يناير/كانون الثاني إلى مارس/آذار مقارنة مع 13% في شهر شباط/فبراير وهو أعلى مستوى في 7 سنوات، وارتفاعًا من 10.9% قبل عام، وحسب معدلات النمو المتوقع تحقيقها خلال العام الحالي وفي العام المقبل فإنه من المتوقع أن تنخفض معدلات البطالة والتضخم، وأخيرًا جميع ما سبق ذكره من مؤشرات رئيسية أسهمت بشكل كبير في تجاوز آثار الانقلاب الفاشل التي أثرت عليها لفترة زمنية.